تنقل كتب التاريخ رسائل متبادلة بين الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، ومحمد النفس الزكية، حفيد علي بن أبي طالب، يبدي كل طرف فيها فيها أحقيته بالخلافة؛ كونه الوريث الشرعي للنبي.

يحتج النفس الزكية في رسائله بنسب فاطمة وفضل جده علي، ونقاء نسبه من الإماء.

يرد المنصور بعدم صحة الميراث من النساء، وشرف عمومة جده العباس، مع لمزة بكفر أبي طالب جد محمد النفس الزكية.

(طالع: الرسائل المتبادلة بين المنصور والنفس الزكية)

تزامن هذا الخلاف مع بداية عصر تدوين الفقه السني، وانتشار روايات الحديث، واستقرار أحكام المواريث.

بداية الصراع

بعد وفاة النبي دون ولد ذكر، ظهرت معضلة الوراثة في مسألتي السلطة والتركة.

حسمت وراثة السلطة مبكرًا لأبي بكر الصديق وخرجت من بني هاشم، أما التركة، فقد ترك النبي ابنته فاطمة، وعمه العباس، وعمته صفية، بخلاف زوجاته.

تذكر رواية البخاري أن فاطمة والعباس، وزوجاته في روايات أخرى، ذهباا إلى أبي بكر يطلبون ميراثهما، فرفض؛ محتجًا بأن النبي قال “نحن معاشر الأنبياء لا نورث. ما تركناه صدقة”.

بهذا الموقف، حُرم بنو هاشم من الميراث، بخلاف الخُمس تعويضًا، لكن أمل السلطة تجدد بمقتل عثمان وتولي علي ابن أبي طالب. بايع فريق من المسلمين عليًا، وبينهم أبناء عمه العباس، بقيادة ابنه عبد الله.

لما تولى علي، بعث عبد الله بن عباس واليًا على البصرة، حتى حدث بينهما خلاف، فعاد عبد الله إلى مكة معتزلًا السياسة، واستمر على حياده في فترة الثورات ضد الأمويين، وبينها معركة كربلاء.

توفي ابن عباس، وحسم الأمويون الأمر، فأكرموا أبناء عبد الله بن عباس تقديرًا لحياده، حتى تزوج علي السجاد بن عبد الله بن عباس طليقة الخليفة الوليد بن عبد الملك، فكبر ذلك عند الأمويين وتغير سلوكهم وأساؤوا معاملته.

التحالف العلوي العباسي

توفي علي السجاد، وورثه ابنه محمد، الذي كان يكره الأمويين بسبب إهانتهم والده، فراسل أبا هاشم بن محمد بن علي (محمد بن الحنفية)، وبايعه على العمل سرًا لإسقاط الحكم الأموي.

توفي أبو هاشم (علوي) قبل إكمال المخطط، فأمر شيعته – قبل وفاته- بمبايعة محمد بن علي السجاد (عباسي) بالإمامة.

في تلك الفترة، زاد ضيق العوام بالحكم الأموي، فاتفق العلويون والعباسيون على دعوة الناس سرًا للخروج على بني أمية، وبايعوا محمد بن عبد الله المحض (علوي)، من ذرية الحسن، ولقبه “النفس الزكية” بالإمامة.

رأي العلويون أن يلزموا بيوتهم حفاظًا على أنفسهم حال فشل التحركات، فقاد العباسيون الحراك على الأرض، وكانت الدعوة السرية  تركز على مطالبة الناس بالبيعة لخليفة مجهول، رموزا له بـ “الرضا من آل محمد”، دون كشف هويته.

“الرضا من آل محمد”

توفي محمد بن علي السجاد (عباسي)، فورث ابنه إبراهيم الملقب بـ “الإمام” قيادة الدعوة السرية، لكن الأمويين كشفوا أمره، فقبضوا عليه وقتلوه، فواصل أخواه أبو العباس عبد الله السفاح وأبو جعفر المنصور العمل السري، حتى حشدا جيشًا دخل دمشق وأطاح بالحكم الأموي.

بعد الانتصار، كان لزامًا كشف هوية “الرضا من آل محمد” الذي بايعه العوام، فطمع العباسيون الذين قادوا التحرك الميداني والعسكري، في السلطة، وأعلن أبو عبد الله السفاح نفسه خليفة، وأرسل إلى النفس الزكية (قائد العلويين) طالبًا بيعة أبناء العم.

شعر النفس الزكية بغدر العباسيين، فرض مبايعتهم، واختفى عن الأنظار، وأرسل دعاته السريين إلى الأمصار طالبًا البيعة لنفسه؛ كونه المهدي، والخليفة الشرعي الذي بايعه العوام بالأساس.

توفي السفاح فجأة، وورث أخوه أبو جعفر المنصور قيادة الدولة العباسية، بينما استمر خطر النفس الذكية.

ألغاز تراثية.. كيف أثرت الثقافات المختلفة على تحديد تاريخ ميلاد الرسول

عاشوراء السني.. ولغز انتصار موسى على فرعون

تايم لاين في دقائق: اليهود وبنو هاشم.. المحاكاة التاريخية من كيبور إلى عاشوراء

هل تأثر النبي بالمسيحية النسطورية؟

الصراع العلوي العباسي كان طويلًا، معقدًا ومتداخلًا. جانب كبير منه، بخلاف القوة السياسية والعسكرية، كان مبنيًا على وراثة الحكم من النبي محمد.

تعقيدات الصراع انعكست على بعض أحكام فقه المواريث. هنا نركز تحديدًا على أربع مسائل.

أولًا: إشراك الأعمام في ميراث البنات

يشرك الفقه السني (الذي دون في عهد العباسيين وتحت أعينهم ) أقارب الوالد المتوفى الذكور في الميراث حال عدم وجود ولد ذكر حاجب، أما الفقه الشيعي فيجعل الميراث كله للبنات مع الأم والجد والجدة فقط حال وجودهم.

أساس الحكم الشرعي عند السنة حديث في البخاري ومسلم: “ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر”.

الحديث بمعظم طرقه وارد عن ابن عباس، واعتبره فقهاء السنة بكل مذاهبهم قاعدة أساسية في المواريث، وعليه يجري العمل في قوانين الأحوال الشخصية.

أما الشيعة، (الذين كانوا في صراع مع العباسيين انحيازا لنسل علي دون العباس) فلا يعترفون بالحديث، ويعيدون تقسيم ما بقي من الميراث دون التقيد بقاعدة أولى رجل ذكر، فيعود للبنات دون مشاركة الأعمام.

الدافع السياسي هنا اعتبار العباسيين جدهم العباس وريثًا شرعيًا للنبي مع فاطمة، مستندين لحديث ابن عباس، الذي جعل والده نظريًا شريكًا شرعيًا في الميراث مع فاطمة وزوجات النبي، بينما يرفض العلويون اعتبار العباس وريثًا شرعيًا، لحصر الميراث، ومن ثم الخلافة، في أبناء علي وفاطمة.

ثانيًا: توارث غير المسلم

يحرم الفقه السني التوارث بين المسلم من غير المسلم؛ استنادًا لحديث البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد: “لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم”.

كفر أبو طالب مسألة أساسية في سرد السيرة حسب الرواية السنية، وتفاصيلها في قصة درامية لوفاته وردت في البخاري، ملخصها أنه رفض الإيمان بنبوة محمد، ومات على دين أبائه.

طريقة سرد الرواية تشهد إلحاحًا عجيبًا على إثبات وفاة عم النبي كافرًا. كان يمكن أن يمر التدوين الإسلامي بدون هذه القصة، خصوصًا أن للنبي أعماما وعمات آخرين لم يهتم أحد بمصائرهم.

الرواية تعود للعهد المكي. لم يشاهدها أحد، يرويها التابعي سعيد بن المسيب عن أبيه، وزاد البعض السند إلى جده، وروايات العهد المكي عمومًا فيها مشكلتا الشهادة والمعاصرة.

ولا تكتفي الروايات بكفره، بل تصل لتحديد مكانه في النار، وبينها رواية ابن عباس في صحيح مسلم: “أهون أهل النار عذابًا أبو طالب، وهو ينتعل بنعلين يغلي منهما دماغه”، ورواية العباس نفسه في البخاري “قلت: يا رسول الله، إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل نفعه ذلك؟ قال: نعم، وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح”.

بعض منكري الرواية كانوا يتصورون أن الأمويين وضعوها في مواجهة الهاشميين؛ لوجود المحدث الزهري في السند، وهو المعروف بقربه من البلاط الأموي، غير أن للرواية رواة في العصر العباسي، الذي ظهرت فيه مصنفات السنة.

عدم ميراث علي من أبي طالب كان الغرض الأساسي من الروايات. ظهر ذلك صراحة في أول مصنف للحديث كتب بأمر من المنصور، وهو موطأ مالك، في رواية محمد بن الحسن، باب لا يرث المسلم كافر، الذي افتتحه برواية:

أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن علي بن حسين، قال: “ورث أبا طالب عقيل وطالب، ولم يرثه علي”.

وردت الرواية بتوسع أكبر مع العلة والغرض في صحيح البخاري. عن أسامة بن زيد، أنه قال: يا رسول الله، أين تنزل في دارك بمكة؟ فقال: “وهل ترك عقيل من رباع أو دور؟”. وورث عقيل وطالب أباهما، ولم يرثه جعفر ولا علي؛ لأنهما كانا مسلمين.

وجه الإشكال الأهم هنا أن أبا طالب مات في الفترة المكية؛ أي قبل التشريع.

الحكم الشرعي بحسب الفقه السني يخدم العباسيين في إبطال ميراث العلويين لبني هاشم من جهة الجد أبو طالب (الكافر)؛ اعتمادًا على وفاته دون دخول الإسلام.

ثالثًا: إبطال وصية الوارث

من المسائل الغريبة في الفقه السني، منع الوصية للوارث، فلا يجوز للموصي أن يوصي لأحد ورثته بالميراث أو بجزء منه.

جمهور أهل السنة يمنع بإطلاق، بينما يجيز بعضهم التوصية بالثلث شرط موافقة باقي الورثة، وهو المعمول به حاليًا في قانون الأحوال الشخصية المصري، أما الشيعة فيجيزون الوصية للوارث بإطلاق.

يحتج السنة بحديث “لا وصية لوارث”، الذي رواه أبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم، والإجماع على صحته؛ فلم يطعن فيه أحد، وزعم آخرون أنه من المتواتر.

الحديث ورد موقوفًا أيضًا عن ابن عباس.

يكمن إشكال الحديث في تعارضه مع آية في سورة البقرة “كتب عليكم إذا حضر احدكم الموت ان ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين”.

البخاري عنون بابًا في صحيحه بنص الحديث، ونقل فيه عن ابن عباس: “كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع”. أي أنه اعتبر الآية منسوخة بآية المواريث في سورة النساء، وهذا القول المعتمد عند المفسرين والفقهاء السنة.

الادعاء يطاله إشكال؛ فآية المواريث نفسها تضمنت الوصية وقدمتها على التقسيم بنص “من بعد وصية يوصي بها أو دين”، فاضطر آخرون لاعتبار الحديث ناسخ للآية، وهو رأي معتبر عند أهل السنة في نسخ القرآن بالسنة، وإن كان البعص أنكره.

الدافع هنا كان دعاوى العلويين بالوصية؛ أي إن النبي أوصى بالخلافة لعلي وبنيه، ولذلك يسمي الشيعة عليًا بـ “الوصي”؛ باعتبار الخلافة ملكًا للنبي، يملك حرية الوصية فيها، وأخرجوا في هذا المسك أحاديثًا من طرقهم، فكانت حيلة العباسيين التشريع باعتبار الميراث جبريًا لا يجوز تغييره أو الوصية فيه؛ لدحض دعوى الشيعة بالوصية.

رابعًا: ميراث الحفيد

المسألة الأغرب هي ميراث الحفيد، وأصلها أن الفقه السني يسير باتجاه أنه لا يرث جده  حال وجود أعمام؛ كون العم حاجب.

بسبب هذه المشكلة، صدر القانون المصري عام 1946 بالوصية الواجبة، بما يمكن الأحفاد من ميراث نصيب والدهم المتوفي من الجد بما لا يزيد عن الثلث، وهو ما يلقى إلى الآن معارضة الأزهريين التقليديين والجماعات الإسلامية، خصوصًا السلفيين؛ بزعم مخالفته للشريعة.

والعجيب في المسألة ندرة الرواية فيها رغم كثرة حدوثها، خصوصًا أن المجتمع الإسلامي الأول كان محاربًا، بما يستوجب طرح المسألة بكثرة بسبب قتلى الحرب، بينما تستفيض الروايات في مسائل أقل حدوثًا، مثل ميراث الجدود والأعمام وأبناء الأعمام.

من تلك الروايات النادرة ما ذكره البخاري معلقًا بلا سند، وفيه مقولة زيد بن ثابت “ولد الأبناء بمنزلة الولد إذا لم يكن دونهم ولد. ذكرهم كذكرهم، وأنثاهم كأنثاهم، يرثون كما يرثون، ويحجبون كما يحجبون. ولا يرث ولد الابن مع الابن”.

يغلب على ظني أن للعباسيين تأثير غير مباشر في ندرة الروايات، خوفًا من الإكثار في رواية أحاديث ميراث الأحفاد، وإن كانت مسألة فقهية عادية؛ للحيلولة دون الإسقاط السياسي، الذي قد يخدم معارضيهم العلويين.

Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:
اشترك في قناتنا على يوتيوب
شاهد أيضا
المعرفة في دقائق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D8%A3%D9%84%D8%BA%D8%A7%D8%B2-%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AB%D9%8A%D8%A9-2-%D8%A3%D8%AB%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84">
Twitter