إذا كنت شاهدت فيلم Schindler’s List، ستلاحظ في نهايته أن شندلر وزوجته قد ارتديا زي المعتقلين اليهود، خشية أن يتعرف عليهما الضباط الروس.

هذا بالفعل ما حدث، فأوسكار شندلر تخفى في هيئة يهودي، تلقفه ضابط أمريكي يهودي، ونقله إلى الجانب الغربي، واستقر في ميونخ، حيث استعاد هويته الألمانية تدريجيًا.

سرقة الهوية اليهودية

في الحقيقة، ما فعله شندلر لم يكن غريبًا، وإن كان قد حصل على الزي اليهودي طواعيةً؛ نظرًا لإنقاذه عدد كبير من اليهود، فكثير من الألمان حصلوا على الهوية اليهودية عنوةً، إما بقتل يهودي وسرقة بياناته، أو استغلال بيانات آخر مقتول، وكل ذلك حتى يفلتوا من القصاص، بعدما بات انقضاض الحلفاء على برلين ونهاية الرايخ الثالث وشيكًا.

هذا النوع تحديدًا من الهروب يعد الأكثر خسةً، فبعد أن كان السجان أداة فعالة في تعذيب وقتل قوم، تسرق هويتهم ويتخفى بها بعد، في ظاهرة غريبة تستدعي مستوى جديدًا من الأسئلة الأخلاقية.

أولريخ شنافت

كان هذا جوهر دراسة حديثة لأستاذة الأدب الألماني ستيفاني بيرد بجامعة UCL، والتي تبدأ فيها برواية شخص يُدعى أولريخ شنافت، سنكتشف أنه يقع في قلب الصراع المخابراتي المصري الإسرائيلي [1].

وأثير اسم أولريخ شنافت قبل تلك الدراسة بوقت قصير، في كتاب صدر في إسرائيل عن شخصٍ تعرف عليه.[2] فمن هو أولريخ شنافت ولماذا يحظى بالاهتمام؟

شحيحة هي المصادر التي يمكن استنباط معلومات تاريخية منها، لكننا سنحاول في العرض التالي طرح الرواية التي أرى أنها الأقرب للتاريخ في نظري، وهي في حد ذاتها رواية على قدر كبير من الغرابة التي تستحق أن تُعرف.

جابرييل زيسمان

في إحدى حانات تل أبيب، مساء الجمعة، حيث تكون تلك البارات ملاذًا لليهود غير المتدينين، الذين ليس لهم أحد يستحق العودة مبكرًا وقضاء السبت معه، جلس يتأمل كأسه بعد مضي ستة أعوام على وصوله لإسرائيل، وقد بلغ رتبة رائد في جيش الدفاع ولا يعرف كيف فعلها، فهو وحده الذي يعيش مع حقيقته التي أخفاها عن الجميع، وحقيقته هي أنه أولريخ شنافت (Ulrich Schnaft)، الضابط السابق في جهاز الـ Waffen-SS النازي، ذلك الجهاز الذي كان مسؤولًا عن تعذيب وقتل أولئك الذين يعيش شنافت بينهم الآن، وقد صار واحدًا منهم.

جدير بالذكر أن هذا الجهاز يختار صفوة الألمان الأنقى عرقيًا (بشهادات تسلسل النسب) والقدرة الجسمانية والولاء، وبالتالي فإن شنافت لم يكن مجرد مجند إلزامي في الجيش كما كان حال كثيرين من الألمان الذين لم تكن لهم ناقة ولا جمل بالنازية كأيديولوجية.

تجربة جهنمية

أولريخ شنافت، المولود في 1923 بمدينة كونيغسبرغ، قاتل تحت راية الرايخ الثالث في شرق ألمانيا. كان يخدم في إحدى معسكرات العمل اليهودية، وقد استشرف قدوم الروس قريبًا، فقرر بين ليلةٍ وضحاها أن يخوض تجربة جهنمية.

قرر الرجل أن يُختتن، وأن ينتظر الوقت الذي يتمكن فيه من الحصول على هوية يهودية. وبالفعل تقرب بعد الحرب من يهودي آخر، وعاش معه في شقته بفرانكفورت، حتى أخذ اسمه وهويته.

وفي 1949، هاجر مع الكثيرين إلى حيفا، ولكن بهويته الجديدة: جابرييل زيسمان (גבריאל זיסמן – Gabriel Zissman). ألم يكن كافيًا أن يأخذ هوية زيسمان ويعيش بها في ألمانيا أو في مكانٍ آخر؟ ما هي طبيعة تفكيره التي حذت به أن يُختتن بدون أدوات طبية أو مطهرات، ثم يذهب إلى اسرائيل، بل ويتدرج في المراتب العسكرية هناك؟

فريسة رفعت الجمال

بعد كل تلك الأعوام، يبدو أن قناع زيسمان بدأ في التشقق، وأن ملامح شنافت وقناعاته الأيديولوجية بدأت تظهر عليه، لكن حينها رصدته أعين تمرست على اصطياد فرائسها على طاولات القمار والبارات، وهي أعين صاحب شركة السياحة سيتورز القاطنة في 2 شارع برينر، السيد جاك بيتون، رفعت الجمال.

بحسب الرواية من المصدر المصري الوحيد (والذي كُتب بأسماء مختلفة حتى لا يُعرف من المقصود) فإن رفعت الجمال أرسل خطابًا لمكتب المخابرات المصرية في باريس يفيد بترشيحه لهذه الشخصية الغريبة، وقد يبدو ترشيح الجمال له كان مبنيًا على تسرب ملامح النازي شنافت من خلف قناع اليهودي زيسمان.

في تلك المرحلة كان رفعت الجمال عميلًا شبه نائم، في مرحلة التثبيت، وبالتالي اختفى من المشهد بعد تسهيل إجراءات سفر زيسمان إلى باريس، حيث اتفق على كل شيء مع الجهاز هناك.


سقوط الجاسوس إيلي كوهين.. أدلة جديدة تؤيد الرواية المصرية


الروايات المصرية والإسرائيلية

لا نعرف حجم نشاط أولريخ شنافت أو نجاحه، لكنه استمر، ويبدو أنه طُلب منه أن يترقى في المناصب، لكن قيل إن السيدة التي كان يواعدها قد وشت بأمره لجهاز الشاباك بعد أن صارحها بحقيقته، وأراها صورة له ببدلته النازية وهو في حالة سكر شديدة.

المصادر الإسرائيلية تقول إنه ببساطة طُرد من الجيش فقرر أن يعود إلى ألمانيا، لكن لا يبدو لي أن هذا حقيقي، فلو انكشفت حقيقة أنه كان ضابطًا في الـ SS داخل جسم جيش الدفاع، فإن هذا أمرٌ جلل.

أما الرواية المصرية المحدودة فهي أقرب من المنطق (وإن كانت غير كافية أيضًا) وفيها تم طرده خارج إسرائيل دون أن يعرف الإسرائيليون، إلى اليوم، أنه كان يعمل لحساب مصر (يؤكد ذلك أنه لم يُسجن). وبذلك انتهى جابرييل زيسمان إلى الأبد، وبقي شنافت.

روبير حايك

قيل إنه في جنوة، حاول الاتصال بالمخابرات المصرية من خلال الملحق العسكري بالقنصلية، بعدما بقي معه من حطام الدنيا عشرين دولارًا، وهوية تمنعه من دخول وطنه الأصلي (آنذاك لم يُكن يُسمح لحاملي جواز السفر الإسرائيلي بدخول ألمانيا).

يبدو أن نجاحه المفترض في نشاطه القصير كعميل لمصر شجع المصريين على إعطائه فرصة أخرى، فتم التواصل معه وتوفير احتياجاته الأساسية.

بعد أن التقط شنافت أنفاسه، قدم عرضًا للمصريين مفاده أنه يستطيع أن يمد مصر بكم مفصل من تفاصيل وبنية جيش الدفاع الإسرائيلي بحكم منصبه فيه، بالإضافة إلى أنواع التدريب المختلفة، مقابل أن تساعده مصر على دخول ألمانيا مرة أخرى.

راق العرض للمصريين، وتسلم اليائس أولريخ شنافت جواز سفر مصري باسم روبير (أو روبرت) حايك، انتقل به إلى مصر، حيث أمضى شهورًا يُدرب المصريين على تفاصيل التحصينات والتدريبات في جيش الدفاع الإسرائيلي، بالإضافة إلى منجم من المعلومات التي ساعدت مصر كثيرًا على فهم كيفية عمل الجيش الإسرائيلي.

كانت الصفقة ناجحة جدًا، ويبدو أنه استمتع كثيرًا بوجوده في مصر. يبدو أن مصر قد عرضت عليه فكرة الرجوع مرة أخرى إلى إسرائيل بهوية جديدة والاستمرار في التجسس، لكنه فضل الالتزام بالصفقة المبرمة.

تستغرب المصادر الإسرائيلية ليونة المصريين معه وعدم الضغط عليه لتنفيذ المطلب الجديد، فقد قدم له المصريون الدعم المادي، والتزمت مصر بجانبها من الاتفاق.

لا أعرف تحديدًا إذا ما كانت مصر قد أعطته وثيقة سفر ألمانية بهوية جديدة، لكنه بعد انتقاله إلى ألمانيا أصابه الضجر من الحياة الطبيعية، كما أنه أنفق الأموال التي حصل عليها، فقرر الاتصال بمصر للمرة الثالثة، وهنا كان على موعد مع صفقة جديدة.


فوضى على ضفاف النيل.. كتاب عن دونالد ماكلين يكشف صراع المخابرات في مصر الملكية


هوية جديدة غير معروفة

ذهب شنافت – زيسمان-  حايك إلى مصر هذه المرة، وقُدم له عرض جديد: أن يخضع لجراحة تجميلية، ويحصل على هوية جديدة يعود على أثرها إلى إسرائيل كسائح بجنسية أجنبية.

رواية مصرية تقول إن الهوية كانت باسم دافيد روكفان، لكنني أشك في أن الاسم حقيقي. نجاح عودة أولريخ شنافت بالهوية الأجنبية مثار تساؤل، فلا نعرف تحديدًا إن كان قد نجح في ذلك أم لا؛ لأن الطرف الإسرائيلي لا يعرف عنه شيء. لكن يبدو لي أنه دخل اسرائيل على الأقل مرة واحدة بين عامي 1957 و58 عرف من خلالها أن حبه القديم قد رحل إلى برلين، فقد كانت السيدة المتزوجة تحمل وثيقة سفر ألمانية؛ لأنها كانت أيضًا من برلين قبل أن تهاجر إلى إسرائيل.

هنا تقول رواية مصرية إن أولريخ شنافت تحول إلى عميل ميداني يأخذ الصور حول المعسكرات، ويرسلها في هيئة ميكرو فيلم من خلال عملاء شركة السياحة سيتورز Citours، شركة رفعت الجمال.

الصورة الوحيدة المتاحة لأولريخ شنافت. تنشر لأول مرة، بعد العثور عليها بصعوبة في الأرشيف الورقي لصحيفة معاريف

السقوط الكبير

لكن أولريخ شنافت لم ينسَ الحب القديم، فقرر السفر إلى ألمانيا، على الأرجح مطلع 1958، وهناك وجد حبيبته في برلين، وقد تصالحت مع زوجها وعاشت معه، فكانت الصدمة.

سقط شنافت السقطة الكبرى حينما قال لها أنه فعل “كل هذا” لأجل أن ينجح في دخول ألمانيا ويلتقي بها. أما “كل هذا” فقد كان يشمل بنود الصفقة الأولى مع المصريين: السفر إلى مصر وإفشاء أسرار الجيش الإسرائيلي مقابل وثيقة سفر إلى ألمانيا.

هذه المرة قام زوجها بإرسال كل المعلومات لجهاز الأمن القومي المسؤول عن مكافحة التجسس، الشاباك، عن طريق البريد. ويبدو أنها شملت أيضًا معلومات عن هويته الجديدة.

كانت هذه صدمة شديدة لإسرائيل، ومصدر حرج كبير؛ نظرًا للأسلوب غير المهني الذي تعاملوا به مع شنافت منذ انكشف في المرة الأولى، فلم يعرفوا أنه بالإضافة إلى كونه ألماني نازي متنكر، كان أيضًا جاسوسًا لمصر.

العملية حوكان

آلم الموضوع رئيس المخابرات إيزر هارل كثيرًا، وبدى لهم خيار قتله مشروعًا، فقد كان الموساد يدير وحدة اغتيالات مسؤولة عن مثل تلك العمليات.

لا نعرف لماذا تم التراجع عن هذه الفكرة، فقد قيل في التفسيرات الإسرائيلية إن هارل فضل أن يؤتى به إلى إسرائيل ليكون عبرة لمن لا يعتبر، وليوصل رسالة مفادها أن يد إسرائيل طويلة، وتستطيع الإمساك بأي أحد في أي مكان في العالم.

لا أظن ذلك لسبب بسيط؛ أن هارل نفسه كان يتزعم وحدة الاغتيالات التي قامت بعمليات كثيرة قبل وبعد شنافت.

ثانيًا: يحاول الكاتب الإسرائيلي القول إن شنافت لم يكن ذا أهمية؛ نظرًا لأن طبيعة المعلومات التي عرفها ونقلها لمصر ليست كبيرة، لأن رتبته لم تكن تؤهله ليعرف الكثير.

لو كان الأمر كذلك، فلماذا قامت الدنيا، وقيل أنه سيُقتل، ثم تُنفذ خطة محكمة ومكلفة جدًا للإتيان به إلى إسرائيل؟

أما الخطة المحكمة، فبحسب المصادر الإسرائيلية سُميت بـ “العملية حوكان”، أو الحقنة، وفيها تم إرسال ضابط مخابرات اسرائيلي من أصل عراقي اسمه شمويل موريا، إلى شنافت في ألمانيا بهوية ضابط مخابرات عراقي يدعى عدنان، يطلب منه جمع معلومات اقتصادية من داخل إسرائيل لمصلحة العراق، وبعد كر وفر ومقابلات عديدة في فرنسا وإسبانيا، قبل شنافت ورحل إلى إسرائيل، حيث جرى ضبطه في المطار، وبحوزته أسلحة كالتي نراها في أفلام جيمز بوند (مسدس على هيئة قلب وشيء صغير يطلق غاز أعصاب وأمور أخرى)، ويخضع للمحاكمة في أبريل 1958.

محاكمة مبهمة

أما المحاكمة فهي غريبة، فلم يتضح ما هي جريمته؛ لأنه ليس هناك دليل على تجسسه لمصر، ولم يُعطهم الرجل ما يفيد ذلك، وفي نفس الوقت لا يجوز محاكمته على تعاونه مع ضابط موساد متنكر، كما قال هارل نفسه.

في النهاية حُكم عليه بالسجن سبع سنوات فقط، في حين أن عقوبة التجسس 18 سنة، فما بالك أنه كان أيضًا ضابطًا نازيًا قتل أو تسبب في قتل يهود على الأرجح!.

هذا ما نراه في الصفحة الأولى من عدد صحيفة معاريف بتاريخ 18 أبريل/ نيسان 1958.

خبر القبض على شنافت من صحيفة معاريف

الأغرب في الأمر أنه خرج في منتصف المدة “لحسن السير والسلوك” وتم ترحيله من ميناء حيفا إلى جهة غير معلومة في ديسمبر 1961.

كل هذه المتناقضات في رواية العملية حوكان جعلتها مثار تساؤل حتى للكتاب الإسرائيليين أنفسهم، وللأسف لا يمكن توثيقها؛ نظرًا لصمت الجهات الرسمية. لكن التناقضات الصارخة سواء في طريقة تعامل الإسرائيليين معه منذ الاكتفاء بتسريحه من الجيش، بعد اكتشاف هويته كضابط نازي! وصولًا إلى التعامل الرؤوف معه بعد عودته مرة أخرى بغية التجسس لصالح العدو، يجعلنا نتساءل إن كانوا يعلمون شيئًا عن نشاطه من أساسه، مما جعل محاكمته تمر بهذا الشكل الساذج.

مصر وحدها تعرف مصيره

على أي حال، لا أحد يعرف ماذا حدث لهذا الإنسان الغريب بعد خروجه من إسرائيل. قيل إنه فتح شركة تجهيز فنادق في برلين، وقيل على لسان سجين عرفه في المعتقل أنه صار قسًا لوثريًا ، وآخر قال إنه عاش في فرنسا، لكن لا يمكن أن يجزم أحد بما حدث له إلا جهاز المخابرات العامة المصرية، الذي جنده ليسجل واحدة من أعقد وأغرب العمليات على كل الأصعدة: السيكولوجية والاستراتيجية.

قد يكون بعده حي، لا أعرف.

يبقى لنا أن نقول إن الحضور الألماني على حلبة المعركة المصرية الإسرائيلية كان كبيرًا، وقد يظن البعض أن الألمان كانوا دائمًا يفضلون الجانب المصري؛ نظرًا لثأرهم الكلاسيكي من اليهود، ولكن الأمر ليس كذلك كما سنرى في المقال القادم.


[1] Bird, Stephanie. “Nazis disguised as Jews and Israel’s pursuit of justice: the Eichmann trial and the kapo trials in Robert Shaw’s The Man in the Glass Booth and Emanuel Litvinoff’s Falls the Shadow.” Holocaust Studies (2018): 1-22.

[2] Ze’ev Eckstein, Smichat Tla’im” (Tel-Aviv, Carmel Publishing House, 2014).


الحرب الدائرة على أرضنا ولا نراها | خالد البري | رواية صحفية في دقائق

كيف دخل إلى هناك وكيف خرج إلى هنا.. جمال خاشقجي المفقود في الترجمة

Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:
اشترك في قناتنا على يوتيوب
شاهد أيضا
المعرفة في دقائق

استجابة واحدة

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D8%A3%D9%88%D9%84%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D8%B4%D9%86%D8%A7%D9%81%D8%AA">
Twitter