في عام ٢٠٠٨، خلص تحقيق سري أجرته الداخلية البريطانية إلى أن هناك ١٢ جامعة بريطانية وصل فيها التشدد الإسلامي إلى مستوى مقلق. كانت جامعة لندن أو UCL ”University College London“ واحدة من تلك الجامعات

تكتمت الجهات المسؤولة عن التقرير ولم يعرف به الإعلام حتى ٢٠١٠، حين حصلت صحيفة التايمز البريطانية على نسخة مسربة. لكن الوقت كان متأخرا.

عمر فاروق عبد المطلب، مفجر الملابس الداخلية

خلال تلك الفترة منذ صدور التقرير إلى نشره في وسائل الإعلام كان طالبا بارزا في UCL قد نفذ عملية إرهابية في كريسماس عام ٢٠٠٩، وضع المتفجرات في ملابسه الداخلية، ثم حاول تفجيرها أثناء هبوط  طائرة قادمة من أمستردام في هولندا إلى ديترويت في ميتشجان/ الولايات المتحدة. من حسن حظ ركاب الطائرة الـ ٢٩٠، أن التفجير فشل، وألقى القبض على الإرهابي عمر فاروق عبد المطلب، الذي كان رئيسا لفرع UCL فيفيدرالية اتحادات الطلاب المسلمين في بريطانيا“.

كالعادة، مع بروز إرهابي جديد على الساحة يقولون لنا إنه لم يكن متطرفا ولم تبد عليه علامات التشدد. فهو غالبا يبدو كذلك بالنسبة لدائرته المقربة. ٤ من قياداتفيدرالية اتحاد المسلمين في بريطانيا“ – وهو كيان يجمع اتحادات الطلاب المسلمين الفرعية في الجامعات المختلفةشاركوا في عمليات إرهابية. وكلهم لم يكونوا في أعين دائرتهم القريبة متشددين

ذلك أن التشدد وعلاماته أمر نسبي. وقراءة علامات التشدد مثل تشكيل كيان يركز على الهوية الدينية للمنضوين إليه، يتطلب قدرا من المعرفة بسلوك وتعاليم التشدد الإسلامي لا يتوفر كثيرا في الغرب. UCL نفسها، على كل ما فيها من أنشطة متشددة سنعرض لها لاحقا، لم تقر بوجود تشدد في كلياتها

كما أن الخطاب السائد في بريطانيا يخلط بين الاشتباه الشخصي، الاجتماعي، الذي يلحظ التغير في السلوك، كما يفهم مدلولات ومعاني الكلام في خطاب التشدد الإسلامي المبطن، والمفاهيم المقصودة وإن لم تكن ظاهرة. يخلط بين كل هذا وبين الإدانة القضائية التي تحاسب الأفراد على جرائم ارتكبت بالفعل. فإن قال لهم خبير بالحركات الإسلامية: “انتبهوا! هذا كلام يدل على أن الشخص متشدد وإرهابي محتمل!” كان الرد: أعطنا دليلا قانونيا. وعليك أن تنتظر حتى ينفذ بالفعل عملية إرهابية.

   عبد المطلب وأنور العولقي 

حالة الإرهابي النيجيري عمر فاروق عبد المطلب مختلفة. لأن المخابرات البريطانية رصدت اتصاله بإرهابيين منهم أنور العولقي وهو زعيم القاعدة في اليمن، حين ذهب عبد المطلب إلى هناك لدراسة اللغة العربية. حتى حدث بهذا الحجم – الالتقاء بإرهابي قيادي – لم يحفزهم للتحرك. ولم يتبادلوا مع حلفائهم في الولايات المتحدة هذه المعلومة الاستخباراتية التي يدرك أي مواطن عادي دلالتها، وكانت النتيجة أن ٢٩٠ شخصا أوشكوا أن يفقدوا حياتهم.

ضغوط الإعلام العالمي، ولا سيما الأمريكي، تصاعدت في الهجوم على هذا السلوك البريطاني، وتهاونها مع التطرف الإسلامي. سي إن إن نشرت مقالا لمؤلف كتاب ”Eurpoe’s Angry Muslims“ في بداية عام ٢٠١٠. كاتب المقال Robert S. Leiken، وهو مدير برامج الهجرة والأمن في مركز نيكسون للأبحاث، وجه أصابع الاتهام إلى المنظومة البريطانية بأكملها:

مقتطف مقال سي إن إن

لكن إذا شرعنا في توجيه أصابع الاتهام داخل بريطانيا سنحتاج إلى كلتا اليدين. الخطر في بريطانيا ينبع من كل مؤسسة في الحياة البريطانية: البرلمان العاجز عن تمرير قانون لمكافحة الإرهاب، الشرطة التي لا تعتقل لأن الأدلة التي بحوزتها ليست قوية بما يكفي للحصول على حكم أمام القضاء البريطاني، الهيئات الأمنية التي لا تسرب للإعلام معلومات عن المتشددين، الجماعات الإسلامية التي تنشر في صفوف المسلمين أن هذا الصمت يعني أنهم اتهموا خطئا، صحافة تسمح للعامة بتصديق ادعاءات كتلك، القضاء الذي يفرض على الادعاء معايير مستحيلة، ويتشبث بما كان يوما ثقافة عظيمة في التسامح لكنها فقدت وعيها بما يدور حولها.

هذا المقال، ٦ يناير ٢٠١٠، كان سابقا لأي إشارة في الصحافة البريطانية عن التقرير الاستخباراتي المشار إليه سابقا. رغم أنه أورد معلومات سنعرف لاحقا أنها كانت فيه، وأنها بالتالي كانت معروفة لدى مؤسسات جمع معلومات استخباراتية أخرى

في فبراير/شباط من عام ٢٠١٢، شرع ويكليكس في نشر مراسلات خاصة بمؤسسة ستراتفور المختلصة بجمع معلومات من أنحاء العالم. أهمية مرسلات ستراتفور أن من بين زبائن الشركة الذين يتلقون تقاريرها الأمنية مؤسسات إعلامية وتجارية وحكومية كبرى، منها وزارتا الأمن الداخلي والبنتاجون الأمريكيتان.

أحد تلك المراسلات كان إيميلا خاصا بنشاطات الإسلاميين في بريطانيا، وكيف أن الاتحادات الطلابية الإسلاميةتحت مظلة فيدرالية اتحادات الطلاب المسلمين في المملكة المتحدة وأيرلندا، صارت مفرخة للإرهابيين. ومن بينهم عمر فاروق عبد المطلب.

كما نشرت تقريرا لمركز أبحاث كيليام، أظهر أن باحثين تخفوا لكي يرصدوا المتشددين الذين تستضيفهم الجامعةعبر اتحاد الطلاب المسلمين فيهاونوعية الخطب التي يلقونها، والمواد التي يعرضونها. هذا عنوان التقرير وهو متوفر على الإنترنت ويمكن الوصول إليه بالبحث عن العنوان.

تضافرت جهود عدة مراكز بحثية لتقدم صورة دقيقة عن الوضع داخل الجامعة، وعن أنشطة الإسلاميين وضيوفهم، بداية من محرضين على العنف وصولا إلى مروجي أكاذيب علمية عنانهيار نظرية التطور“. من الداعي إلى السخرية أن الندوة الخاصة بـانهيار نظرية التطورعقدت في قاعة تشارلز دارون بالجامعة. ومن الداعي إلى سخرية أشد أن النشاط الأول الذي ورثه الإرهابي عمر فاروق عبد المطلب فور توليه رئاسة الاتحاد كان تنظيم أسبوع بعنوانالحرب على الإرهاب“. كوميديا!

قائمة المتحدثين شملت أشخاصا معروفين بالتشدد، منهم مرتضى خان الذي ظهر في وثائقي مصور بكاميرا خفية على القناة الرابعة البريطانية وهو ينشر آراءه المتشددة، ومنهم داود عبد الله الذي يدير مع أنس التكريتي مراكز تنفي علنا علاقتها بالإخوان المسلمين، ووعزام التميمي الذي تدخلت مفوضية الدراسة في الكومنولث لمنع ندوته هناك مرتين، وتاج مصطفى المتحدث باسم حزب التحرير، وممثلان عن هارون يحيى، وهو الكاتب التركي المروج لفكرة أن “نظرية التطور سقطت في الغرب”، ومنهم أيضا المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا AOHR، التي سنعرض لاحقا لعلاقتها الوثيقة بقطر، المثبتة الآن في وثائق رسمية.

قائمة هذه الشخصيات جمعناها لكم في الإنفوجرافيك التالي

إنفوجرافيك UCL

كانت بريطانيا حتى بدء الانتقادات الإعلامية في يناير ٢٠١٠ لا تزال تتصرف وكأن ليس في الإمكان أبدع مما كان.

في الشهر التالي، ٤ فبراير ٢٠١٠، نشرت بي بي سي خبرا مفاده أن متشددي UCL يخضعون لتدقيق الشرطة. وأن ضباطا من فرع خاص انتشروا في الجامعات التي يستهدفها المتشددون الإسلاميونالتوقعاتتضيف بي بي سيبأن عمر فاروق عبد المطلب تحول إلى صفوف المتشددين داخل جامعة UCL زادت المخاوف من التشدد داخل الجامعة.

وفي أكتوبر من نفس العام، تلقت UCL تعليمات بأن تخضع موظفيها لتدريب على كشف المتطرفين وتحديدهم. بعد إصرار الجامعة على أنها ليست مدانة بشكل مؤسسي، لأن التتبع الأمني ليس وظيفتها. وهو حجة ليست واهية، فالجامعة تعمل في ظل نظام قانوني. وهو ما يبدو أن التقرير أقر الجامعة عليه.

   الفصل الثاني: قطر تدخل على الخط 

الخطوة الأولى التي اتخذتها الجامعة، أو على الأقل اتحاد الطلاب المسلمين فيها، هي المسارعة إلى محو مقاطع الفيديو التي سبق نشرها على يوتيوب للندوات محل الانتقاد

أما الخطوة الثانية فمثيرة للانتباه، حيث شهدت دخول الشيخة موزة بنت سند، زوجة أمير قطر وقتها، على الخط. 

في أكتوبر من العام نفسه، ٢٠١٠، وفي وسط كل تلك الضغوط على الجامعة بسبب التطرف استقبلت الجامعة الشيخة موزة بنت سند، بوصفها رئيسا لصندوق التنمية القطري، ووقعت معها عقدا بافتتاح فرع لـ UCL في الدوحة. لتكون الجامعة البريطانية الوحيدة التي لها تمثيل في مدينة التعليم في العاصمة القطرية

لماذا الـ UCL بالذات، وفي ذلك التوقيت؟ لماذا تقدم قطر دعما ماليا لجامعة تتعرض لضغوط بسبب تفشي التشدد الإسلامي فيها؟

الإجابة الدبلوماسية أن هذا اتفاق ثنائي من حق أي طرفين عقده. نعم.

لكن الإجابة الحقيقية هي أن UCL كنز للإسلام السياسي خشي أن تسفر الضغوط الإعلامية على الجامعة، وتعرضها للتدقيق، أن تفقده. وسوف يظهر هذا في السنوات اللاحقة. 

في ١٣ مايو ، ٢٠١٣ نشرت بي بي سي خبرا لا تتوقع قراءته في بريطانيا.

الخبر يقول إن الجامعات البريطانية استضافت إسلاميين متشددين للتحدث في  ١٨٠ مناسبة، وذلك في ٦٠ جامعة بريطانية مختلفة. وأن الجامعات البريطانية استخدمت للدعوة إلى ٢٧٧ حدثا يشترط الفصل بين الرجال والنساء

لكن جامعتين من تلك الجامعات خصهما الخبر بأنهما فتحتا تحقيقا، إحداهما UCL. أي أنه رغم الضغط الإعلامي الذي أعقب محاولة التفجير فإن الأنشطة لا تزال مستمرة. بل إن التشدد الإسلامي انتقل خطوة إلى الأمام بفرض نفسه سلوكيا على الطلاب جميعا، مسلمين وغير مسلمين، سواء في ندوات أو محاضرات عادية. هذا الخبر جاء بعد أكثر من سنتين من دخول قطر على الخط. 

صحيفة التايمز البريطانية نشرت في اليوم نفسه وصفا تفصيليا لواقعة في مارس من العام السابق، ٢٠١٢، في UCL. من الوصف نعرف أن إصرار الطلبة الإسلاميين على الفصل بين الجنسين لا يتعلق فقط بالندوات التي يشرفون عليها، بل أيضا في محاضرة في الفيزياء يلقيها برفيسور لورانس كراوس، وهو فيزيائي كان مستشارا للرئيس أوباما. وسبب إبراز هذه الحادثة أن اثنين من الحضور رفضا الانفصال بحيث ينتقل الرجل إلى الجلوس في المقاعد المخصصة لـالإخوة، فحدث هرج ومرج وصل إلى تدخل الأمن ومطالبتهما بمغادرة القاعة.

مرة أخرى تقرر UCL فتح تحقيق.

من عاصروا سنوات سيطرة الجماعات الإسلامية على الجامعات في مصر يعرفون أن هذه ممارسة يحرص عليها الإخوان المسلمون حرصا شديدا. لأنها علامة على تحكمهم في المجال العام

تقرر لنفسك في أي كلية تدرس، حسب مجموعك. هذا قرار شخصي. هيئة التدريس في الجامعة تقرر لك أي المواد تدرس. أما نحن فنقرر لك نوعية الملابس التي ترتدينها وأنت قادمة. ونقرر لك في أي مكان تجلس. ونوعية الأنشطة التي يمكن لك أن تمارسيها. ونوعية الأفكار التي نسمح لكم بالتعبير عنها. نحن نصبنا أنفسنا في هذا الموقع. لم يفوضنا أحد.

   المشهد الثالث: أهمية الأكاديميا لقطر 

قيمة الأكاديميا بالنسبة لقطر ضخمة.

الأكاديميا لا تبعث على الشك. فهي ليست مدارس دينية ولا مساجد. المشتبه به المعتاد حين يتحدث الإعلام الغربي عن نشر التطرف. حتى في ضيوف الإعلام، يحمل الضيف قيمة أكبر إن ذكر اسمه مقرونا بجامعة، فيبعد عن نفسه شبهة التطرف أو الانتماء التنظيمي

جيش الأكاديميين التابعين لقطر كان مفيدا لها في ترويج التيارات السياسية التي دعمتها في الربيع العربي. ثم كان مفيدا لها حين قاطعتها رباعية مكافحة الإرهاب

UCL استضافت خلال عام واحد فقط (التواريخ في الإنفوجرافيك أعلاه) ندوات ثلاثا نظمتها المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا AOHR، وهي منظمة تابعة سياسيا لقطر، كما أظهرت ذلك بوضوح كشوف مجلس اللوردات البريطاني، حيث تكفلت المنظمة بتكاليف رحلة ثلاثة من أعضاء مجلس اللوردات إلى قطر، بغرض إظهار الزيارة وكأنها زيارة دعم رسمية. هذه صورة من تقرير مجلس اللوردات المشار إليه، بخصوص لورد أحمد، ويمكن الاطلاع على الأصل من هنا.

ucl

 البرلمان البريطاني نفى في وقت لاحق أن الزيارة رسمية، وقال إن اللوردات سافروا إلى قطر بصفة شخصية، وعلى حساب AOHR.

الهيئة التقليدية التي يظهر عليها زعماء الجماعات الجهادية باللحية وغطاء الرأس ساعدت الموجة الجديدة من المتشددين والعاملين لحسابهم. حيث صار القميص والجاكت، أو ربطة العنق، تقنع العين الغربية أن هذا الشخصعادي زينا“. 

استفادت قطر من جيش الأكاديميين ترويجا للربيع العربي

ثم استفادت منه في أزمة المقاطعة العربية بسبب دعمها للإرهاب

خلال هذه الفترة نشطت الجمعياتالحقوقيةالمدعومة قطريا، وكانت UCL هي ميدانها المفضل ….. 

نركز حتى الآن، أو ربما يوحي الحديث، بأن الاختراق الإسلامي بأموال قطر لبريطانيا يقتصر على تشجيع نفوذ الإسلاميين التنظيميين، أو حتى الطلاب المسلمين. هذا بعيد عن الحقيقة. الأكاديميا وفرت لقطر توظيف عدد كبير من الأكاديميين والإعلامييناليساريينلخدمة أهدافها

الحلقة القادمة من السلسلة ستكون عن خبر بسيط، جدا. لكننا سنكشف من خلاله كيف تصل الرؤية القطرية عبر الأكاديميا وأعوانها في الإعلام لكي تكون هي المهيمنة. وكيف أن الاختراق الإسلامي لا يكتمل دون اختراق اليسار ومؤسسات إعلامية مثل بي بي سي لتنفيذ الأجندة الإسلامجية. وهو خطة نفذتها قطر ببراعة .. انتظروا الحلقة القادمة!


   ملف  أفخاخ الإسلاميين في دقائق


اختراق الإسلاميين لبريطانيا (١): كيف مولت القاعدة تفجيرات لندن وهجمات 11 سبتمبر بأموال البريطانيين؟

اختراق الإسلاميين لبريطانيا (٢): جامعة أكسفورد بأموال قطر.. من طارق رمضان إلى حمزة نمرة | إنفوجرافيك في دقائق

فى ماليزيا الهادئة.. إرهابي مصري وخلية من الإخوان المسلمين كادت تخدع الجميع | الحكاية في دقائق

بالصوت والصورة: التحريض على الإرهاب من قنوات تركية وقطرية

بين ميدان رابعة وأورشليم.. المعركة الأخيرة وما بعدها | مينا منير


 

Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7-3-%D8%AC%D8%A7%D9%85%D8%B9%D8%A9-%D9%84">
Twitter