في أحد مشاهد فيلم الناظر الكوميدي، يضع الفنان حسن حسني (الأستاذ سيد) الميزانية الجديدة للمدرسة على مكتب الناظر الجديد، الشاب البسيط صلاح الدين عاشور، ليوقع بالموافقة. يلاحظ الناظر الساذج تكرار بند الطباشير البيضاء (دون تعليق على الأرقام الخيالية المُقدّرة للطباشير) وبمبرر ساذج من الأستاذ سيد يمر الأمر ببساطة، ويوقع صلاح بالموافقة.

بقدر ما يضحكنا المشهد، إلا أنه واقعي جدًا. قد يدهشك أنه يمثل طريقة فساد كلاسيكية متكررة في الدولة الرومانية. طريقة تعامل روما مع هذا الفساد كانت أيضًا مدهشة. يحملها كتاب المؤرخ الروماني الشهير سوتينيوس، وستجدها محملة بالكثير من الكوميديا، مع فارق أنها حدثت بالفعل.

بين ميدان رابعة وأورشليم.. المعركة الأخيرة وما بعدها | مينا منير

   انتشار الفساد  

رغم تميز الدولة الرومانية عن باقي الحضارات في انضباطها وقوانينها وسلوكها العملي في التعامل مع التحديات، عكس الدولة اليونانية، لكن مرض الفساد الإداري كان يصيبها بشدة من وقت لآخر، ينخر في جسم الدولة وينتصر عليها أحيانًا، بدرجة إسقاط جمهوريتها في القرن الأول قبل الميلاد، ثم سقوطها النهائي في القرن الخامس للميلاد.

أحد أسباب نجاح الفساد الإداري في أحقاب مختلفة كان ترهل جسم الدولة وهيكلها الوظيفي بسبب توسعها الجغرافي الشديد، فصارت الأطراف عُرضى للفساد أكثر من المركز؛ لغياب القبضة الإدارية الحديدية الموجودة في العاصمة. انتشار الفساد على الأطراف كان يشكل خطرًا على موارد الدولة؛ كون التوسع في الأصل شمل السيطرة على مناطق تمد الدولة الرومانية بحاجتها من المحاصيل، والخامات المختلفة، والموارد البشرية.

كان الموظف الذي يقود جهاز الدولة الإداري في أماكن بعيدة كإنجلترا أو جنوب مصر أو شمال غرب أفريقيا يعي أنه يتعامل مع مورد محدد من موارد الدولة، فإن أراد ممارسة الفساد هناك فسيعرف كيف يحافظ على نسبته من المواد قبل شحنها إلى روما، أو العكس: إن طلب ميزانية من روما لتحسين هيكل الجهاز الإداري أو الدعم اللوجستي لتسهيل النقل والشحن، فيمكنه تقديم ميزانية مثل التي قدمها الأستاذ سيد: سبعة آلاف ديناري مستلزمات شحن ملح من منطقة النمسا.. سبعة آلاف ديناري مستلزمات شحن ملح من منطقة النمسا؛ لأن الملوحة درجات!

لعل مصائب قومٍ عند قوم فوائد؛ فبسبب تفشي الفساد الإداري في الأطراف، قررت الدولة الرومانية تخصيص وحدة خاصة في الجيش تُشبه ما يمكن أن نسميه اليوم بالمخابرات الحربية، مع الاختلاف في أنها كانت متخصصة في التجسس على المؤسسات التي تعمل على تهديد موارد الدولة في الأطراف من خلال الفساد الإداري.

سُميت الوحدة بـ “جامعي القمح”؛ لأن موظفيها كانوا رسميًا مجرد إداريين يشرفون على تحصيل موارد القمح من المناطق المترامية، كالساتر أو “Camouflage” بمصطلح المخابرات لإخفاء نشاطهم الأمني.

أما عن كيفية ادارة هذه العملية فإليك الرواية التالية.

هل كان الأستاذ رشاد جاسوسًا؟! دليل المخابرات الأمريكية لأكثر طرق التجسس مللًا وتخريبًا

   الإسفنجة القذرة 

كان 69م هو عام الفوضى في روما بامتياز؛ ففيه حكم روما أربعة أباطرة قتلوا بعضهم حتى وصل فسباسيان للحكم (فعُرف بعام الأباطرة الأربعة).

مع وصول فسباسيان للحكم كانت الفوضى التي بدأت بنيرون قد حرقت روما، وأضعفت مركزية الدولة، فاستشرى الفساد تباعًا.

في ربيع 70 كان فسبسيان في حمامه الروماني الفخم، حينما دخل إليه قائد الحامية المركزية ماركوس فيروس. دار الحديث حول إمكانية إعادة بناء روما في ظل فوضى الأطراف التي تخنق عمليات شحن المواد الخام إلى المدينة المحترقة.

ماركوس: لا أعتقد أن هناك مستقبلا للمدينة بدون معالجة الفساد الشديد، يا سيدي.

فسبسيان: وما اقتراحك؟

ماركوس: أن نقوم بحملةٍ عنيفة نضرب فيها بيد من حديد على رؤوس الفساد ونستعيد السيطرة على الأمر.

فسبسيان: وهل استشرى الفساد فقط بعد الفوضى في الأعوام الأخيرة؟ وماذا بعد قطع رؤوس الفاسدين؟ هل تعتقد أن الفساد سينتهي؟

ماركوس: لا أعرف ماذا تقصد يا سيدي.

فسبسيان: انظر يا عزيزي لتلك المراحيض. هل ترى آثار الخدش على حوافها من أسفل؟ تشبه الخدوش التي تحدثها مخالب القطط، هل تعرف ما السبب في ذلك؟

هنا استغرب ماركوس؛ فالوقت غير مناسب لمناقشة جماليات الحمام: لا سيدي، لا أعرف ماذا تقصد بعد.

فسبسيان: أقول لك، حينما ينظر الخدم الحمقى في روما، يعتقدون أن الآلة الحادة هي الوسيلة الأفضل للتخلص من الأقذار العالقة فيقوم الخادم بنزع الإسفنجة من رأس العصى، ويستخدم الرأس المعدنية المدببة لحكها: النتيجة أن القذارة في الحواف الحادة للحمام تظل هناك ولا يتخلص الخادم إلا من القليل الذي تصل له الرأس المدببة، بل ويشوه  معها الحمام. لذلك حينما ترى إسفنج التنظيف في روما تجد لونه فاتحًا. ذلك الشكل الجيد للإسفنجة التي لم تستخدم في تنظيف الحواف يعكس قذارة المرحاض.

استكمل فسبسيان روايته التي ما زالت غير مفهومة لماركوس، فقال:

حينما كنت في حملتي بأنطاكية مع ابني تايتوس، رأيت حمامات فينيقيا الرومانية بلا خدوش، وهنا راقبت بهدوء طريقة تنظيفها. رأيت الخدم هناك يستخدمون نوعًا من الإسفنج الذي يحقق المعادلة الصعبة: إسفنج شديد المرونة، قادرة على التشكل للدخول إلى المناطق الحادة، وبعد غمرها بالماء الدافئ، يستطيع الإسفنج امتصاص المياه بالقاذورات حتى تنتفخ جدًا، وحينها لا تترك وراءها أي وسخ. ثم يعصرها الخادم بشدة فتعود نظيفة بعد أن امتصت وأفرغت كل الوسخ. لونها الغامق هو علامة على نظافة وبريق الحمام في أنطاكية

هنا بدأ الأمر يتضح لماركوس، فتابع فسبسيان:

ما أسهل أن نستخدم الرأس المدببة للجيش في سحق رؤوس الفساد في الأماكن البعيدة. لكن سيأتي غيرهم، وسيقود نفس الموظفين الذين تعاملوا مع سابقه لتحقيق نفس المكاسب. القضية ليست عن الأشخاص. الفساد واقع، موجود منذ عهد الجمهورية واستمر. وسيستمر. أما الحل فامتصاصه وتخيره لصالحنا. الموظفون ليسوا حمقى أو أغبياء، بل لديهم قنوات منظمة للسرقة والنهب والفساد. ما هي المشكلة أن نساعدهم ونغدق عليهم بالتسهيلات كي ينتفخوا. منهم من سيكشف معه كل منظومته التي لا تستطيع أنت وعجلاتك الحربية الكشف عنها. حينها سنعصرهم كتلك الإسفنجة القذرة، وسنأخذ كل ما جمعوه. ومنهم من سينتفخ وحده أو معه اثنان أو ثلاثة من كبار الفاسدين، فنعصرهم ونستبدلهم بفاسدين آخرين لينتفخوا ويجمعوا لنا المال بنفسهم وهكذا!

“وما الضامن أن يتعاونوا معنا؟” سأل ماركوس. “سيتعاونون. هم ليسوا بالغباء أن يرسلوا بأنفسهم للتهلكة يا عزيزي. هم يعرفون أن موظفيهم الصغار ليس لهم ولاء، وريثما يسقط الكبير، سيبحثون عن بديل. وسنوفره، وستستمر الكرة”.

باكس أميريكانا: كيف استلهم قادة كامب ديفيد السلام الروماني؟ وماذا ينقص التجربة؟ | مينا منير

   أبو كل أستاذ سيد 

الإسفنجة القذرة

الإسفنجة القذرة

بالفعل، انطلق ماركوس وقيادات “جامعي القمح” إلى الأطراف وفي ذهنه خطة “الإسفنجة القذرة”. رأى أشكال وألوان فساد لها العجب.

في إنجلترا، رأى الموظف الذي يخطط طريقًا أطول بين صوامع القمح ومنافذ البيع لكي يتعرض الفلاحون للنهب، فيحميهم بمقابل مادي، وفي جرمانيا رأى الجندي يسقط في القتال فلا تُثبت وفاته حتى يستمر راتبه لجيوب موظفي الأرشيف. في النمسا وشمال أفريقيا شاهد كيف تُقدم البنود مرتين وثلاثة من أماكن وبأسماء مختلفة لنفخ ميزانية الدولة بالبنود الوهمية.

وفي كل الحالات، قدم ماركوس قائمة بما يسمى “النبلاء”، وهو يشبه ما نسميه اليوم سخريةً (المواطنين الشرفاء) وهم رؤوس الفساد. هؤلاء أٌغدق عليهم فسبسيان التسهيلات والتأمينات حتى انتفخوا بشدة وحققوا أقصى قدر من الفساد، ثم عصرهم تباعًا وجمع كل أموالهم التي لم يكن لجامعي القمح أن يعرفوا مكانها. فامتلأت خزائن روما بأضعاف أضعاف ما كان يحلم به أكثرهم تفاؤلًا في مجلس الشيوخ.

استمرت الإسفنجة القذرة في الانتفاخ والعصر، لكن الأموال ذهبت بالاتجاه الخطأ. امتلأت الخزائن، لكن العملية نفسها لم تكن قانونية ولا مكشوفة لأحد، بل قادها ماركوس وفسبسيان، فاستخدمها فسبسيان لفساده الشخصي!

صار فسبسيان أبًا لكل “أستاذ سيد” في الإمبراطورية، وحكم هو وأبناؤه حتى نهاية القرن الأول، وكان أسوأ حكم، إلا أن الفكرة نجحت على الأقل في كشف نظم الفساد الإداري الكبرى في أنحاء الإمبراطورية. فكانت الإسفنجة قذرة حتى بعد عصرها.


الفتنة الطائفية.. أطروحة فيلون عن تحدى الدولة حلت الإشكالية قبل ألفي عام | مينا منير

الهوية المصرية.. حينما تكون جنسيتك حقيقة بيولوجية | مينا منير | دقائق.نت


Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:
اشترك في قناتنا على يوتيوب
شاهد أيضا
المعرفة في دقائق

استجابة واحدة

  1. معاذ محمد عبدالعزيز محمود

    موضوع جميل وانا مهتم وباقرا كتير في التاريخ الروماني واليوناني واول مره اصادف موضوع الاسفنجه القذره فحبيت اشكر حضرتك مش اكتر ❤

    رد

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%81%D9%86%D8%AC%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B0%D8%B1%D8%A9">
Twitter