في 30 نوفمبر/ تشرين الثاني 1971، داهمت قوة بحرية إيرانية عملاقة، شملت طائرات فانتوم وهليكوبتر وطرادات بحرية وزوارق برمائية ومدمرات وبوارج حربية، جزيرتي طنب الكبرى والصغرى. حاولت قوة الشرطة المحدودة المقاومة دون طائل، فنجحت طهران في اقتناص الجزيرتين.

مفتاح المضيق .. دولة القواسم

بداية من القرن الـ19، اهتمت البحرية البريطانية ببسط نفوذها على كافة جُزر مضيق هرمز؛ لتأمين حركة التجارة الدولية ضد القرصنة، وهناك اصطدمت بدولة “القواسم”، وهي قبيلة عربية هاجرت من إقليم نجد إلى الساحل، واستحوذت على الساحل الشرقي للخليج وكافة جزره، وأسست دولة قوية منذ القرن الـ17، كفلت لهم السيطرة على حركة التجارة من مصر إلى العراق، وامتد نفوذهم إلى لنجة، التي تقع حاليًا في إيران، حتى 1887، حين احتلت فارس لنجة وطردت القواسم منها، وإن بقوا على الجانب الغربي إلى أن أنهت إنجلترا دولتهم.

دخل الإنجليز سلسلة حروب، نجحوا عبرها في إخضاع المنطقة لسيطرتهم بموجب “معاهدة الحماية”، التي أنهت دولة القواسم، ورسخت ترتيبات جديدة مع زعامات محلية تعهدت بتوفير الأمان لملاحة السفن البريطانية. ومن وقتها باتت لندن جزءا رئيسيا من السياسة في المنطقة، حتى نفضت يدها في بدابة السبعينيات.

س/ج في دقائق: كنز عربي تحت سطوة إيران.. ماذا تعرف عن الأحواز؟

وراثة لنجة

بدأ الاهتمام الإيراني بـ”الجزر” مبكرًا، فبحسب وثائق الخارجية البريطانية، سعت طهران لنيلها فور إنهائها وجود إمارة “لنجة” العربية، وتصورت أن من حقها وراثة ما خلّفته من جُزر ونفوذ سياسي وإقليمي.

في 1904، رفع الإيرانيون علمهم بالقوة على الجزر الثلاث، لكنهم اضطروا للانسحاب تحت ضغط بريطانيا، وفي 1919، انفصلت رأس الخيمة عن الشارقة، واقتسمتا ملكية الجزر الثلاث؛ طنب الكبرى  والصغرى لرأس الخيمة، وأبو موسى الشارقة.

تكررت المطالبات الإيرانية في 1923، لكنها فشلت مجددًا، فعرضت على حاكم رأس الخيمة في 1929، شراء طنب الكبرى أو استئجارها 50 عامًا، فرفض.

تكررت المحاولة في 1955 تحت رعاية بريطانية، في محاولة للوصول لاتفاق شامل، إلا أن المفاوضات فشلت مجددًا.  وفي 1968، جدد الشاه عرض الشراء أو التأجير ولم ينجح، حتى 1971.

س/ج في دقائق: ماذا لو حسم الحوثيون الصراع في اليمن؟

قصة الاحتلال الإيراني

في ستينيات القرن الماضي، بدأت بريطانيا التفكير في تصفية قواعدها العسكرية شرق السويس، ومع بداية السبعينيات، أعلنت الخطة، فعادت المنطقة لوضعها الأول؛ قطعة صلصال تتشكل وفق تحالفات وصراعات لا تنتهي. لم يقف الشاه متفرجًا، فطرق على الحديد وهو ساخن، خصوصًا أن مشايخ الإمارات كانوا قد بدؤوا جهود التوحيد.

إثر تهديد مباشر باحتلال الجزر، وافق الشيخ خالد بن محمد القاسمي، حاكم إمارة الشارقة،على مذكرة تفاهم مع إيران برعاية بريطانية عام 1971، لتقاسم السلطة في أبو موسى، واقتسام عوائد النفط؛ إجراء قد نتلمّس حجم الضغط فيه في ظل الهوة الشاسعة في القوة العسكرية بين الطرفين، لكنه نص في المذكرة على عدم الاعتراف بمزاعم إيران في الجزيرة، قبل أن يتحول الأمر لاحقًا إلى استيلاء كامل.

وفي 30 نوفمبر/ تشرين الثاني 1971، كانت القوات البحرية الإيرانية تحتل جزيرتي طنب، لتنضم الجزر الثلاثة إلى أختها جزيرة صري، التي نالتها طهران بموجب اعتراف بريطاني في 1905، لتحقق طهران أكثر من 90% من مطامع حاربت أكثر من 100 عام للظفر بها، لتنضج كعكة السيطرة على مضيق هرمز.

لم يفلت من مصير الجزر إلا البحرين، التي أجرت فيها الأمم المتحدة “استطلاعًا للرأي” استمر أسبوعين في 1970، حيث رفض غالبية البحرينيين الانضمام إلى إيران؛ فنشأت البحرين المستقلة، رغم الأغلبية الشيعية الكاسحة في الجزيرة، وهو ما لم تغفره إيران قط، وهي التي كانت قد أعلنت ضمها إلى أقاليمها، وأظهرتها في خرائطها المحلية باعتبارها جزءًا منها.

كان شيوخ الإمارات الأخرى يدركون خطورة الموقف، فأعلنوا قيام دولتهم الموحدة، المكونة من أبو ظبي ودبي والشارقة وعجمان والفجيرة وأم القيوين في 2 ديسمبر/كانون الأول 1971، وبعد شهرين انضمت لها رأس الخيمة، لتتحول قضية الاحتلال الإيراني إلى قضية تخص الإمارات كلها.

مطامع عابرة للزمن

كانت الجزر الثلاثة مطلبًا مُلحًا حافظت عليه طهران دائمًا وأبدًا، قبل الشاه وفي عهده، حين كان اسم البلاد فارس وبعدما نشأت إيران، وبعد رحيل الشاه وتولي الخميني. تكشف وثائق الخارجية الإنجليزية محاولات إيرانية مضنية على مدار عشرات السنين لإقناع إنجلترا بأحقيتها بها، فما سر الإلحاح العابر للزمن؟

التحليلات لا تنتهي: الرغبة في السيطرة على المضيق الذي تمر منه 20% من إمدادات البترول حول العالم، محاولة لتعويض خسارة البحرين بأي ثمن يحفظ ماء الوجه، رغبة الشاه قديمًا بأن يلعب دور شرطي المنطقة لصالح بريطانيا وأمريكا عبر بسط نفوذه على الأماكن المحورية، ما تخبئه في باطنها من احتياطيات بترولية مميزة، وكميات من اللؤلؤ وأكسيد الحديد الذي يُستخدم لطلاء السفن وحمايتها من الصدأ، وخوفه حتى من تمدد عراقي أرّقه طوال حُكمه.

لا تنقطع التبريرات الإيرانية. وصلت يومًا لادعاء أن الجُزر أصبحت “مركزًا لتهريب السكر والشاي والمواد “غير المرسمة بالضرائب” لذا طالبتْ بها، وفقًا لاجتماع جمع بين دبلوماسي إنجليزي والسفير الإيراني في لندن عام 1948 كشفت عن محضر جلسته وزارة الخارجية الإنجليزية.

رد الادعاء إلى أصله

المزيد من تفحص وثائق الخارجية الإنجليزية تكشف عن لقاءات بين موظفيها ودبلوماسيين إيرانيين ظهرت فيها عبارات كـ “الحق التاريخي”، و”ضرورة بقاء الخليج فارسيًا”. لو أضفناها إلى اعتراف وزير الخارجية الإيراني لنظيره الإنجليزي عام 1948 بأن الجزر “قليلة القيمة” حقًا إلا أن “لها أهمية عاطفية” وأن سُلطات بلاده تتعرض لضغوط شعبية وبرلمانية من أجل حسم هذه القضية، سنفهم الدوافع العابرة للزمن.

بهذا يمكن إعادة تفسير الموضوع في ضوء الصراع التاريخي في الأفضلية بين العرب والفُرس، الذي زُرعت بذرته منذ الغزو العربي لبلاد فارس، وبلغ ذروته في عهد العباسيين، ومحاولة الحاكم الجديد تقديم “عربون محبة” لشعبه.

بعد خلع الشاه رضا خان، جاء ابنه الشاب محمد رضا بهلوي إلى سُدة الحكم في 1941، وهو ابن 21 عامًا، بمساندة بريطانية وروسية. واجه انتقادات داخلية حادة، ففتش في دفاتره القديمة بحثًا عن حلم قومي يصدره لمواطنيه؛ عودة كل الأراضي الفارسية لسيطرته، فأعاد بها إحياء موضوع الجُزر، ونفخ فيه عبر إعلامه الرسمي، حتى بات مطلبًا شعبيًا، شغل ناسِه عن حكمه الفردي، واستخدمه هو نفسه للمطالبة مرارًا وتكرارًا بها من إنجلترا، حتى انتهز فرصة انسحابها ، وحقق “الحلم القومي” الذي أصر عليه طوال ثلاثين عامًا، فعُد ذلك انتصارًا دبلوماسيًا لحكومته.

Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:
اشترك في قناتنا على يوتيوب
شاهد أيضا
المعرفة في دقائق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%A9">
Twitter