فلتكن البداية من الصدى الذي أحدثه الجوكر للمخرج تود فيليبس.. تحريض صحفي ضد الفيلم لمحتواه العنيف. خطابات استجداء من أسر ضحايا حوادث إطلاق نار عشوائية سابقة لشركة وارنر بروس المنتجة. بيانات شرطية برفع حالة الاستعداد تحسبًا لأعمال عنف محتملة، وأخيرًا دور عرض سينمائية تحظر ارتداء قناع الجوكر داخل القاعات.

سواء كانت تلك الحالة الهيستيرية مبررة بمزاعم أمنية أو أخلاقية، أو كانت تطرح أسئلة مشروعة عن علاقة الفن بالمجتمع، فالانتقائية ظهرت في توجيه الأسهم إلى الجوكر تحديدًا؛ لم يخترع العنف في السينما ولم يحتكره، وليس حتى الأعنف بين إنتاجات هذا العام، والواقع أن أعداد الجثث وحجم الذخيرة القاتلة به أقل كثيرًا من أفلام الأكشن والأبطال من ذوي “القوى” الخارقة.

   دفاع الشيطان عن نفسه 

لماذا الجوكر هو الضحية؟ لأنه باختصار فيلم حقيقي وسط غابة من البلاستيك. فيلم يقول إن الشر مفهوم من لحم ودم، يعيش بيننا ويشبهنا وله أسبابه ودوافعه ونتائجه، لا مجرد فانتازيا وعراكات كارتونية غير قابلة الحدوث ولا جديرة بالانتباه. يشكك في المعايير السطحية عن الخير والشر بالأساس، والتي طالما تبنتها أفلام من نفس تصنيفه. يقع في منطقة رمادية بين التحذير والتحريض، الوقائع والهلاوس. فيلم لا يعتذر بالنيابة عن بطله، بل يبدأ بهدم الميثولوجيا الذي أسستها مجلات الكومكس، ويجعل من البطل السابق وغدًا، ومن الوغد السابق بطلًا مضطهدًا.. كل ذلك في سياق أقرب لعريضة دفاع شاعرية من الشيطان عن نفسه.

الجوكر شخصية تنتمي لعالم D.C، ويشتهر بكونه “شرير باتمان”. الفيلم الذي كتبه وأخرجه تود فيليبس يحاول صنع تاريخ لهذه الشخصية الغامضة بتتبع سلسلة من الأحداث في حياة رجل اسمه آرثر فليك، وحيد فقير يعاني من اضطرابات نفسية ويعمل كمهرج في الشوارع، ولديه حلم بأن يصبح كوميديان.

   ثورة هوليوود الجديدة 

العادة جرت أن أفلام الكوميكس تتطلب من مشاهدها مراجعة أجزائها السابقة، أو الجذور التي صنعت تلك الأجزاء، ثم جذور الجذور. تود فيليبس قال إنه لا يحب تلك الأفلام، والجوكر لا يتطلب هكذا طلبات سينمائية مزعجة.

هو فيلم متمرد كبطله، يقدم قصة أصلية في ظل ساحة سينمائية صارت تضطهد كل ما هو أصلي. فيلم مخلص للسينما بمفهومها النقي والكلاسيكي، واجبه المنزلي أخف وأقيم، يتطلب مراجعة أفلام من نوع مختلف تمامًا مثل Taxi Driver، Network، The King of Comedy، One FlewOver the Cucko’s Nest، وغيرها. (طار فوق عش المجانين، ملك الكوميديا، سائق التاكسي).

هل خلود الفن معيار لجودته؟ خمس ثغرات لهذه النظرية | أمجد جمال | دقائق.نت

فيليبس سار على درب تلك الأفلام التي تنتمي كلها لسينما السبعينيات، أو تلك الحركة السينمائية المتمردة التي سميت بهوليوود الجديدة، والتي جاءت كنتيجة طبيعية لموجة الثقافة المضادة في نهاية الستينيات. أفلامها كانت معبئة بالغضب والثورة على المجتمع، وبها انحياز وتفهم للمنبوذين والمضطهدين والوحيدين. بيئة مناسبة لتدشين شخصية روائية مثل آرثر فليك والمساهمة في تحوله إلى الجوكر، فكان طبيعيًا أن تصبح منبع الاستلهام لقصة هذا الفيلم الذي تدور أحداثه في نفس الفترة.

من يدعي أن هذا التأثر نال من أصالة الفيلم لم يفهم الرسالة واللغة السينمائية جيدًا؛ فكل إحالة سينمائية كانت بحساب ولمغزى. مراجع تُجمع كالفسيفساء لتشكّل بيانًا ثوريًا على الفن السائد قبل الأوضاع الحياتية.

فيليبس يعترف بذلك في تصريحاته. استغل شعبية شخصيات الكارتون وسيطرتها على السوق السينمائي واهتمام جهات التمويل، ليصنع فيلمًا متنكرًا في صورة تشبه تلك الأفلام، لكنه في الحقيقة ينقلب ويفضل نوعية أخرى وزمن سينمائي آخر ومعادلات إنتاجية مختلفة.

   جوثام تستحق إلهًا جديدًا 

هذا الوعي الفيلمي بتاريخ السينما وتسخيرها كأداة تعبيرية مضادة لتصنيف الفيلم ولعالمه، يمتد بصورة ذكية في مشهد داخل صالة سينما عملاقة، حيث اجتمع علية القوم والأثرياء وأصحاب النفوذ وبينهم “توماس واين” الأب الشرعي للطفل بروس واين (باتمان المستقبلي)، يشاهدون تحفة تشارلي تشابلن Modern Times. فيلم عن صعلوك فقير في صراع للبقاء داخل المدينة الرأسمالية وهي تعبث بأقدار الضعفاء، تشارلي المثير لقهقهة الحضور على الشاشة لا يختلف كثيرًا عن آرثر فليك، ولا عن بقية الصعاليك خارج صالة العرض، هم مجرد “مُهرجين” في نظر واين ومن حوله في القاعة. وبين أثرياء مُقهقِهين وفقراء مُنتهَكين يستعرض هذا المشهد أحد تيمات الفيلم بحكي بصري بحت. يقوّض مركزية شخصيات DC الشرفاء كعائلة باتمان، مثلما يتمرد الفيلم على سطحية وكارتونية الأفلام السابقة من هذا العالم وما يوازيه كمارفل وغيرها.

كيف أصبح التمثيل أهم قوة خارقة في Avengers: Endgame؟ | حاتم منصور

استوقفني أحد مشاهد الفيلم.. تتحدث الأم مع ابنها آرثر عن شخصية توماس واين السياسي الثري ومدعي تحقيق العدالة: “لو عرف بما نمر به من معاناة فلن يتركنا هكذا أبدًا، فهو رجل رائع. أثق بإنه سيتدخل يومًا وينقذنا”. تتحدث هنا عن ممثل العدل الوهمي الصامت منذ طفولة آرثر بنفس الصورة التي يتحدث بها المتدينون عن المفاهيم بصورة مطلقة، وعن حتمية انتصار الخير وتحقق العدالة، ما لا يحدث أبدًا في عالم كمدينة جوثام. مدينة ربما تستحق إلهًا جديدًا غير عائلة واين – في مرحلة التصنيع – يليق بفسادها وفوضويتها.

الفيلم يعطي انطباع الفتى المدلل عن “بروس واين” الصغير. سيكبر يومًا لا ليدافع عن المدينة بل عن الأغنياء وعن منظومة تضمن بقاء الظلم الذي أفرز الشر من الجوكر. من كان يتوقع أن يتحمس ستوديو هوليوودي عملاق لتمويل أفكار بهذه الشجاعة واللاتوافقية؟

أزمة هوليوود الجديدة: فوكس في قبضة ديزني “المهذبة”.. توسع فني أم استعراض قوة؟! | أمجد جمال

   انتقام الفن من السياسة 

رغم كون الثقافة المضادة أصبحت مفهومًا تاريخيًا، فالجوكر يستحضر موجة جديدة منه بسياق جديد يرتبط بقضايا معاصرة، منها العام والشخصي، ومنها ما يخص ثأرًا فنيًا لدى تود فيليبس؛ فالفيلم عن شخص أغلق أمامه الطريق للإضحاك فتحول إلى قاتل. والمعروف عن فيليبس تاريخه الحافل بإخراج الأفلام الكوميدية الرائعة، وقد توقف عن صناعتها بخطوة “الجوكر” الجادة؛ مرجعًا السبب إلى صعود “ثقافة الصحوة” التي يتبناها اليسار.

ثقافة الصحوة جزء من الصوابية السياسية، مصطلح يعني التزام الخطاب بعدم التقليل أو التنميط أو استهداف فئات معينة من البشر بحسب اللون أو العرق أو الدين أو الشكل أو الجندر. وهي ثقافة لا تستقيم مع فكرة الكوميديا، حيث يمكن تفسير أية دعابات بأشكال سيئة النية، ما يقيد المبدع، الآن تحول تصنيف الدعابة من مضحكة أو غير مضحكة إلى ملائمة أو غير ملائمة، والفيلم يتعرض لهذه القضية في إحدى المناظرات الحوارية بين الجوكر والشخصية الإعلامية التي أداها النجم روبرت دينيرو: المجتمع  ممثلًا في الإعلام افترض أن الكوميديا مفهوم موضوعي لا نسبي، وقرر إسكات نكات الجوكر أو السخرية منها، فيرد الجوكر بدوره ويعمم مفهومه النسبي عن تحقيق العدالة بالانتقام.

ذلك لا يعني أن كل محتوى الفيلم مناوئ لليسار، على العكس؛ فأسباب الغضب متركزة أكثر فيما يتعلق بقضايا توزيع الثروة والتنمر ونبذ المختلفين ورفض تمويل التأمينات الاجتماعية والصحية، وهي أفعال يُتهم بها اليمين في العادة، لكن لا شكّ أن تنوّع أسباب الغضب بين يمين ويسار ساهمت في تحييد البوصلة السياسية لدرجة ما بشكل إيجابي، فالثقافة المضادة التي يتبناها الفيلم تستهدف كل ما هو سلبي عند أي من التيارين. هو فيلم سياسي قطعًا، لكنها سياسة مترفعة عن مفهوم المعسكرين.

واكين فينيكس يقطع تذكرة الأوسكار الثانية للجوكر | حاتم منصور

   هكذا خُلق الجوكر 

من قبل مشاهدة الجوكر والمتفرج يعلم جيدًا أنه بصدد مشاهدة دراسة حالة عن شخصية تحولت من أقصى الوداعة والمسالمة إلى أقصى الشر والعدوانية، وأن الفيلم محاولة للإجابة على سؤال كيف حدث هذا التحول؟ وما هي نقاط التطور التي أنتجت واحدة من أشهر الشخصيات الخيالية شرًا في التاريخ؟

الفيلم يحقق هذا التوقع للمتفرج، لكن مع ضمان الدهشة في كل مشهد يتلو الآخر، ونادرًا ما يمر مشهد دون حدث كبير، وتطور يضيف في شخصية آرثر، ويضيف لتصاعد الفيلم دراميًا بوتيرة منضبطة تهزم توقعات المتفرج.

قد يعيب البعض على السيناريو تعدد مواقف الاضطهاد التي يمر بها آرثر في مدة زمنية قليلة، لكنها لم تكن مبالغة بل اختزالية تستحق الإشادة، على طريقة هيتشكوك وهو يقول إن السينما هي الحياة بعد إزالة الأجزاء المملة. انتقائية وتكثيف مواقف الظلم والمعاناة لدى الجوكر هي أداة تعبيرية في قصة معنية أساسًا بهذا الجزء من حياة البطل، وبالتراكم الذي أيقظ المارد من ذلك الجسد الضئيل. بقليل من التركيز، نجد الشخصية لم تتعرض للظلم في عدد الأيام الذي يعرضه الفيلم وحسب، بل عانته منذ الطفولة بانتهاكات مختلفة.

   نقطة فاصلة في تاريخ السينما 

مشاهد عديدة من هذا الفيلم سيتحاكى بها مؤرخو السينما في العقود المقبلة، ونقاط كثيرة تحسب للمخرج: عرضه لمدينة نيويورك بأسلوب الديستوبيا الذي تجاوز أكثر التصورات السابقة عن المدينة قتامة، مستويات الألوان الطاغية على كادرات الفيلم والمتماهية كثيرًا مع ألوان ملابس الجوكر المميزة ولكن بدرجة أقل سطوعًا وأكثر تمايزًا وإظلامًا.

عنصر آخر متميز افتقدناه بأفلام هذه الأيام وهو شخصية المكان، وهي في قمتها هنا، خاصة بعلاقة تلك الأماكن بتقلبات الحالة النفسية للبطل، مثل سلالم الشارع التي أصبحت أيقونة معبرة عن هذا الفيلم وهي تشهد صعود البطل وانتكاساته بحالات إخراجية مختلفة، المصعد والممر الطويل بالعقار الذي يسكنه آرثر، والنفق المظلم الذي يركض داخله بعد ارتكابه أول جريمة قتل.

   عبقرية فينيكس 

لم نكن بحاجة لهذا الفيلم لتقييم موهبة واكين فينيكس التمثيلية، وقد دلل على عبقريته وقدراته الفائقة مرارًا، لكنه في الجوكر أكثر توهجًا من أي أداء شاهدناه لأي ممثل منذ سنوات لدرجة من الصعب تخيل اكتمال مشروع كهذا بدونه.

لا أظن أن شاغله الشاغل أثناء التحضير للدور كان كيف يتجاوز أداء هيث ليدجر للشخصية في “فارس الظلام”، بقدر ما كان يفكر في كيف يتغلب على أدوار فينيكس نفسه، هو ليس ممثلا متبدئا لتشغله مقارنات الصبية من محدثي السينما، بل أحد أبرع ممثلي جيله أداء للشخصيات من ذوي الاضطرابات النفسية والاجتماعية.

لم تكن شخصية الجوكر هذه الأفضل وحسب، بل والأصعب، فالمساحة أكبر، والطبقات أكثر، والتحولات لا تنتهي. شخصية احتاجت لجهد بدني لا يقل عن الجهد النفسي، سواء بفقدان الوزن أو باستحضار أعراض مرض الضحك اللا إرادي.

10 اختيارات تمثيلية رفضها الجمهور ثم أثبتت صحتها | حاتم منصور

نجح فينيكس في تلبّس الشخصية بتمكن مطلق لكافة أبعادها. لن أتحدث عن الانفعالات الزاعقة لأن براعتها ملحوظة للجميع، سأكتفي بذكر الابتسامة الطفولية البريئة حين يرى آرثر شخصًا يرتدي قناع الجوكر في الشارع للمرة الأولى، وهي نفس الابتسامة وهو يتخيل جلسة رومانسية مع جارته داخل مطعم. إنها ابتسامة اللذة لنيل تقدير الآخر بعد حياة مليئة بالنبذ، ومثل هذا الانفعال المميز هناك عشرات من الانفعالات حفر بها فينيكس الـ DNA للشخصية.

الجوكر شخصية ظهرت قشورها في خيال أحدهم في ثلاثينيات القرن الماضي وبُثت فيها الروح رسميًا بعد عشرات السنين على يد ممثل استثنائي اسمه واكين. أما الفيلم فهو تحفة فنية وصرخة غضب صاخبة بما يكفي لتجاوز كل محاولات امتصاصها.

Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%88%D9%83%D8%B1">
Twitter