ما من مدينة يتلازم اسمها مع المعجزات أكثر من القدس، لكنها ليست جميعًا ذات منشأ سماوي، فبعضها نبتت من التعصب البشري، لتضاهي في إعجازيتها المعجزات السماوية.. إحدى أوضح هذه المعجزات هي السلم الثابت.

السلم الثابت أو الحرب

السلم الثابت لا يمكنك تحريكه، والمانع ليس ماديًا، ولا يمت لقوانين الطبيعة بصلة، لكنه قانوني وبشري؛ إذا حركته  فناتج فعلتك سيتراوح بين عراك دامٍ بين جماعات متفرقة من الناس، إلى أزمة دبلوماسية بين دول، إلى – ربما – حرب دينية متكاملة الأركان.

السلم موجود فوق مدخل كنيسة القيامة، قدس أقداس المسيحية، التي تضم – وفق المعتقد المسيحي – أماكن صلب المسيح، ودفنه، وقيامته من بين الأموات.

 


هل تأثر النبي بالمسيحية النسطورية؟


ست طوائف تملكه

يعود تاريخ كنيسة القيامة للقرن الرابع الميلادي، وهي مقدسة عند جميع الطوائف المسيحية تقريبًا، وملكيتها موزعة على ست طوائف مختلفة، بموجب اتفاقية بالغة التعقيد، وصلوا لها برعاية السلطان العثماني عثمان الثالث عام 1757، حين أصدر فرمانًا بنقل وحفظ ملكية الكنيسة لمُلّاكها الحاليين بشكل مستدام، وهذه الطوائف هي الكاثوليك، وخمس طوائف أرثوذكسية، الأرمن والأقباط والسيريانيين واليونانيين والإثيوبيين.

بسبب بعض الاختلافات الجوهرية بين هذه الطوائف في الفكر والتوجهات وحتى المعتقد، وصلوا إلى تسوية تمنع تمامًا إجراء أي تغييرات في الكنيسة عن الشكل الذي كانت عليه وقت إبرام المعاهدة إلا باتفاق ومباركة جماعية لقادة الطوائف الست.

النتيجة كانت تدهور مبنى الكنيسة وإهماله دون إصلاح أو ترميم؛ بسبب صعوبة الاتفاق على الناتج المنشود، وتفاصيل أصغر، مثل هذا السلم.

السلم كان قابعًا في مكانه الحالي وقت صك المعاهدة، وبالتالي اندرج ضمن القائمة المحرم المساس بها، ولا حتى تحريكه من مكانه قيد أنملة.

شغب دامٍ بسبب كرسي

المعاهدة يحملها أصحابها على قدر من الجدية والحَرْفية لدرجة أن تحريك السلم أو أي قطعة أثاث أخرى من مكانها حتمًا ستؤدي إلى شغب دامٍ، كذلك الذي حدث في 2002، حين حاول قس قبطي تحريك كرسي كان يجلس عليه، أثناء احتجاجه على استيلاء القساوسة الإثيوبيين على الدير العلوي، إلى الظل.

هذا التحريك اعتُبر إنتهاكًا صارخًا للمعاهدة؛ لعدم حصوله على موافقة باقي الطوائف، فنشبت اشتباكات بالأيدي بين أتباع الطوائف والقساوسة، أصيب فيها أكثر من 12 قسًا.

في واقعة أخرى عام 2008، حاول القساوسة الأرمن استبعاد قس يوناني من المشاركة في احتفال النار المقدسة، فاشتعل صدام بين اليونانيون والأرمن، أصيب فيه العشرات، واستدعى تدخل الشرطة الإسرائيلية إلى داخل مبنى الكنيسة لفض النزاع والقبض على بعض القساوسة، بخلاف أحداث عنف أخرى اندلعت بين الطوائف المختلفة لأسباب مشابهة.

فيتو كاثوليكي

لا أحد يعرف كيف وصل السلم إلى مكانه الحالي، وإلى أي طائفة ينتمي الشخص الذي وضعه، لكن الإجماع حاليًا على أن السلم ينتمي لجميع الطوائف الست، ولا يمكن تحريكه قبل الحصول على موافقتهم جميعًا، وهو ما لا يبدو ممكنًا في وقت قريب.

في عام 1964، أصدر البابا الكاثوليكي بولس السادس قرارًا بالإبقاء على السلم مكانه لحين تحقيق الوفاق بين الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية، بما يعني أن الكاثوليك لن يسمحوا أبدًا بتحريكه، حتى لو وافقت بقية الطوائف.

معجزة على يد سارق

في حالات شديدة الندرة، تحرك السلم من مكانه، لكنه أعيد سريعًا. مجهول سرقه عام 1997، ليختفي من مكانه، وتبدأ اضطرابات بين الطوائف، ربما دفعت السارق لإعادته سرًا كما أخفاه، كما وافقت الطوائف على زحزحته في 2009 لتنظيف المنطقة المحيطة.

وهنا، سيظل السلم ثابًتا في مكانه لفترات طويلة مقبلة على ما يبدو، رمزًا للخلافات بين الطوائف المسيحية، وشاهدًا على معجزات التعنت البشري.

Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:
اشترك في قناتنا على يوتيوب
شاهد أيضا
المعرفة في دقائق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D8%A8%D8%AA">
Twitter