في منتصف أكتوبر، وبينما الاحتجاجات تتصاعد في بغداد ومدن عراقية أخرى للمطالبة بوضح حد للفساد والإطاحة برئيس الحكومة عادل عبد المهدي، وتكبيل التأثير الضخم لجارتهم إيران في السياسة العراقية، وصل زائر مألوف إلى العاصمة العراقية دون صخب.

الزائر كان يسعى لاستعادة الهدوء عبر إقناع الحلفاء في برلمان العراق بمساعدة رئيس الوزراء في التشبث بمنصبه، لكن وجوده هو نفسه كان أحد أكبر شكاوى المتظاهرين: كان اللواء قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني.

مظاهرات في العراق تضع الحكومة في ورطة.. ماذا حدث؟ وما علاقة إيران؟ | س/ج في دقائق

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يصل فيها سليماني إلى بغداد للقيام بمهمة مماثلة. أسرار إيران، وهي مجموعة من الوثائق المسربة التي وصلت إلى Intercept فتحقق من أصليتها ونشرها بالمشاركة مع نيويورك تايمز، تسلط الضوء على ذلك. أوجزنا لكم ما جاء فيها

س/ج في دقائق


متى بدأت إيران اختيار رجالها في العراق؟

في عهد صدام حسين، كانت إيران قبلة للمعارضين الشيعة الملاحقين من النظام العراقي، وهناك، بدأت طهران توطيد علاقاتها مع من سيصبحون ورثة صدام بعد الغزو الأمريكي في 2003.

بعد شهر من الغزو، قال طارق عزيز، نائب رئيس حكومة صدام، إن إسقاط النظام ليس صعبًا، لكنه سيفتح صندوق باندورا لا يمكن إغلاقه أبدًا.

لم تكن الولايات المتحدة تملك أي خطة بعد الغزو. بدا الأمر لمعظم المراقبين على الأرض وكأن واشنطن ترسم سياستها “في الظلام يومًا بيوم”.

هنا، تقدمت إيران فورًا لممارسة هذا الدور. واستخدم قاسم سليماني فنون التجسس والعمل العسكري السري لضمان بقاء القوة الشيعية متصاعدة.

الدولة المريضة بالميليشيات‎

من اجتثاث البعث إلى الحشد الشعبي

السنوات الأولى التي تلت سقوط صدام كانت فوضوية، من نواحي الأمن أو نقص الخدمات الأساسية مثل الماء والكهرباء. عينت الولايات المتحدة بول بريمر مسؤولًا عن العراق.. كان دبلوماسيًا قديمًا، لكنه لم يخدم مطلقًا في الشرق الأوسط، وليس خبيرًا في شؤون العراق. كان مهووسًا بفكرة “اجتثاث البعث” شاملة تصفية الجيش العراقي وتطهير الهيكل الحكومي بالكامل.

تأثير القرار كشفته تسريبات إيران. 450,000 غالبيتهم من الطائفة السنية باتوا مهمشين وبلا مصدر دخل، وتحت أيديهم أطنان من السلاح. شكلوا تمردًا عنيفًا يستهدف الأمريكيين والشيعة باعتبارهم “حلفاء الغزاة الأمريكيين”، لتندلع حرب طائفية، نظر الشيعة فيها إلى إيران كحامية لوجودهم.

نقلت إيران عددًا من أفضل ضباط وزارة الاستخبارات ومنظمة الاستخبارات التابعة للحرس الثوري إلى العراق، حيث كانت ترى أن الدور على طهران في قائمة واشنطن لعواصم تغيير النظام بعد كابول وبغداد.

كان انتقاء المسؤولين العراقيين جزءًا أساسيًا من عملهم، وقد أصبح الأمر أسهل من خلال التحالفات التي أقامها العديد من القادة العراقيين مع إيران عندما كانوا ينتمون إلى جماعات معارضة تقاتل صدام حسين. العديد من كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين والأمنيين في العراق أقاموا علاقات سرية مع طهران، وفقاً للوثائق.

وعندما سيطرت داعش على عدة مناطق، أدى ضعف الشيعة وفشل الولايات المتحدة في حمايتهم إلى دعم الجهود التي بذلها الحرس الثوري والجنرال سليماني لتجنيد وتعبئة الميليشيات الشيعية الموالية لإيران، فيما سيعرف لاحقًا بـ “الحشد الشعبي”.

دمج الميليشيات الشيعية.. هل تمول بغداد الحرس الثوري العراقي الموالي لإيران؟ | س/ج في دقائق


إلى أي مستوى توغل عملاء إيران في العراق؟

تاريخ الوثائق يعود لبضع سنوات مضت، لكن إحدى برقيات “أسرار إيران” تكشف أن رئيس وزراء العراق الحالي عادل عبد المهدي – بين آخرين – كان يتمتع بـ “علاقة خاصة” مع إيران عندما كان وزيرًا للنفط في 2014.

الطبيعة الدقيقة لتلك العلاقة ليست مفصلة في الوثيقة، وكما حذر أحد كبار المسؤولين الأمريكيين السابقين، فإن “العلاقة الخاصة” يمكن أن تعني الكثير من الأشياء، ليس بينها بالضرورة أن يكون عميلًا مباشرًا، لكن لا يمكن لأي سياسي عراقي أن يصبح رئيسًا للوزراء دون مباركة إيران، بحسب المسؤول السابق نفسه.

حصة في الحكومة.. جاسوس في الخارجية.. واستخبارات رهن إشارة المرشد

في 2014، دفع أوباما باتجاه الإطاحة برئيس حكومة العراق نوري المالكي كشرط لتجديد الدعم العسكري الأمريكي؛ باعتبار أن سياساته ضد السنة ساعدت في صعود داعش.

إيران كانت تفضل المالكي – عاش في منفاه في إيران في الثمانينيات – وتتخوف من بديله حيدر العبادي، الذي تلقى تعليمه في بريطانيا، باعتباره “مرشح الأمريكان – رجل بريطانيا – الأكثر ودية للغرب – والأقل اعتزازًا بشيعيته”.

في مواجهة حالة عدم اليقين، عقد سفير إيران حينها حسن دنائي فر اجتماعًا سريًا لكبار موظفي السفارة كشف طمأنينة إيران بشأن حكومة العراق الجديدة.. رأوا أن لديهم الكثير من الوزراء الآخرين “في جيبهم”.

قائمة دنائي فر قالت إن إيران عززت نصيبها في الحكومة، وصنفت علاقة بعض الوزراء بطهران:

رجال إيران في حكومة حيدر العبادي

تقييم إيران للأعضاء في حكومة حيدر العبادي كما ورد في الوثائق

أحد جوانب تأثير تلك العلاقات تكشف في نفس العام. في خريف 2014، استقبل وزير النقل باقر جبر الجنرال سليماني الذي طلب فتح مجال العراق الجوي أمام طائرات محملة بالأسلحة والإمدادات لدعم نظام بشار الأسد في سوريا. وافق الوزير فورًا رغم اعتراضات واشنطن.

جبر أكد الاجتماع، لكنه قال إن الرحلات الجوية من إيران إلى سوريا كانت تحمل الإمدادات الإنسانية والحجاج المسافرين لزيارة المراقد المقدسة.

تقرير اجتماع جبر بسليماني وصلت إيران.. من جبر نفسه!

 الموقف من حيدر العبادي نفسه تغير بعد بضعة أشهر. الوثائق أشارت إلى استعداده لإقامة علاقة سرية مع المخابرات الإيرانية.

يفصل التقرير الصادر في يناير 2015 لقاءًا خاصًا وسريًا بين العبادي وضابط بوزارة الاستخبارات. الضابط حاول استكشاف مشاعر العبادي حول الانقسام السني – الشيعي في العراق. قال إن السنة في أسوأ ظرف ممكن، بينما يستطيع الشيعة استعادة ثقتهم بأنفسهم. أعرب العبادي عن “موافقته الكاملة”.

عسكريًا، ترصد الوثائق اجتماعًا دام لثلاث ساعات بين ضابط مخابرات عسكرية عراقي ومسؤول مخابرات إيراني في كربلاء أواخر 2014. الضابط عرض إخبار الإيرانيين بكل ما يصل إليه حول الأنشطة الأمريكية في العراق.

الضابط اعتبر أن “إيران بلده الثاني”، وتعهد بالتفاني في خدمة نظام “يحكمه رجال الدين مباشرة”، ناقلًا رسالة شفهية من رئيسه في بغداد، اللواء حاتم المكصوصي، القائد السابق للاستخبارات العسكرية، مفادها أنهم “كشيعة لديهم عدو مشترك” مستعدون تمامًا لخدمة إيران ووضع ما تحتاجه تحت تصرفها.. “كل المعلومات الاستخباراتية للجيش العراقي – اعتبرها لك”.

جانب من تلك المعلومات كانت برامج استخبارات سرية قدمتها الولايات المتحدة للعراقيين.

المكصوصي شكك في الرواية، لكن مسؤولًا أمريكيًا سابقًا قال إن بلاده علمت بعلاقات الضابط مع إيران، وقلصت قدرته على الوصول للمعلومات الحساسة.

اعتبرها لك.. الضابط العراقي عرض تقديم كل ما لديه من معلومات لحساب إيران


أسرار واشنطن مباشرة إلى طهران.. لماذا؟ وكيف؟

تكشف الوثائق عن تحول العراق إلى “منطقة ألعاب تجسس” بين إيران والولايات المتحدة. وتبين أن طهران، في كل منعطف تقريبًا، تفوقت على واشنطن.

وفقًا للوثائق، تحركت إيران فورًا بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق في 2011، لإضافة عملاء السي آي إيه السابقين إلى كشوف الرواتب.

بيع أسرار سي آي إيه مقابل المال والتأمين

مع الانسحاب، تُرك هؤلاء بلا عمل أو رواتب، خائفين على حياتهم من القتل بسبب صلاتهم السابقة بالولايات المتحدة، فعرضوا خدماتهم على الإيرانيين بإخبارهم بكل ما يعرفونه عن عمليات الوكالة في العراق.

في نوفمبر 2014، انتقل أحدهم إلى إيران طلبًا للحماية، وعرض بيع كل ما يعرفه عن جمع المعلومات الاستخباراتية الأمريكية في العراق، وبينها منازل السي آي أيه الآمنة، الفنادق التي يجتمع فيها وكلاء الوكالة مع عملائهم، تفاصيل الأسلحة والتدريب على المراقبة، وأسماء العراقيين الآخرين الذين يعملون كجواسيس للأمريكيين.

قال العميل إنه عمل لحساب الوكالة 18 شهرًا ابتداءً من 2008 في برنامج يستهدف القاعدة، ووافق على كتابة تقرير كامل للإيرانيين حول كل ما يعرفه، وبينها وثائق ومقاطع فيديو وصور، وتفاصيل وصفية لزملائه ومرؤوسيه.

عميل سابق لسي آي إيه يعرض تقديم ما لديه مقابل مكافأة

زرع الجواسيس في مكاتب أصدقاء واشنطن

تعرض المسؤولون العراقيون المعروفون بعلاقاتهم مع الولايات المتحدة لتدقيق خاص. الكثير من الوثائق تظهر أن اجتماعات كبار الدبلوماسيين الأمريكيين مع المسؤولين العراقيين خلف الأبواب المغلقة كانت تُرسل بشكل روتيني إلى إيران.

خلال عامي 2014 و2015، التقى السفير الأمريكي ستيوارت جونز كثيرًا مع رئيس البرلمان العراقي سالم الجبوري “سني، إخواني سابق، معروف بعلاقاته الوثيقة مع إيران”، لكن الوثائق تظهر أن أحد كبار مستشاريه السياسيين كان أحد عملاء المخابرات الإيرانية الذي اعتاد مراقبة اتصالاته مع الأمريكيين ونقلها.

الجبوري قال إنه لا يعتقد أن أيًا من موظفيه كان يعمل لصالح لإيران، وأنه يثق تمامًا بمساعديه.

العميل حث الإيرانيين على تطوير علاقات أوثق مع الجبوري؛ لعرقلة الجهود الأمريكية لرعاية طبقة جديدة من القادة السنة الشباب في العراق، وربما لتحقيق المصالحة بين السنة والشيعة.

وحث المصدر إيران على التحرك لمنع الجبوري من “الانزلاق إلى موالاة الولايات المتحدة؛ كونه يتمتع بمصداقية، لكنه يتخذ قرارات متسرعة”.

برقية من مستشار الجبوري إلى إيران: لا تدعوه يسقط في يد وشنطن


كيف علقت إيران الرسمية على الوثائق؟

رفض وزير الخارجية محمد جواد ظريف، والسفير الإيراني في الأمم المتحدة ماجد تخت رافانشي، والمتحدث باسم البعثة علي رضا مير يوسفي، الرد على طلبات التعليق التي قدمها الناشرون، لكن سفير إيران إلى العراق “في الفترة التي تغطيها التسريبات، حسن دنائي فر، أشار إلى أن إيران لديها اليد العليا في جمع المعلومات في العراق.

واعترف غيث قريشي، مستشار شؤون العراق للحكومة الإيرانية، بأن إيران ركزت بالفعل على تعيين مسؤولين رفيعي المستوى في العراق. وقال: “لدينا عدد كبير من الحلفاء من بين القادة العراقيين الذين يمكن أن نثق بهم وأعيننا مغلقة”.


صفقات ومساومات بدأت من العراق إلى روسيا.. كيف؟

استخدمت إيران المعلومات لإغلاق صفقات مربحة. تقرير من مستشار الجبوري كشف اهتمام واشنطن بحقل عكاس للغاز قرب حدود سوريا، واحتمالات تصدير الغاز إلى أوروبا، وهي سوق رئيسي للغاز الطبيعي الروسي.

استنادًا عليها، أوصى ضابط الاستخبارات في برقية إلى طهران باستخدام المعلومات في تبادل مع روسيا وسوريا.

وفي جنوب العراق، حصدت إيران عقودًا للمياه والصرف بعد رشوة قيمتها 16 مليون دولار لنائب برلماني.

وكشفت برقية أخرى أن فيلق القدس حصد عقودًا نفطية وتنموية من الأكراد العراقيين مقابل الأسلحة وغيرها من المساعدات.

أفردنا حلقة خاصة لتفاصيل علاقة أكراد العراق مع طهران كما كشفت عنه تسريبات إيران.


   ملف  تسريبات إيران في دقائق


إيران.. نافخ الكير | خالد البري

إيران | لماذا اشتعلت عشرات المدن دفعة واحدة؟ | س/ج في دقائق

Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:
اشترك في قناتنا على يوتيوب
شاهد أيضا
المعرفة في دقائق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%88%D8%B1%D9%8A">
Twitter