اقرأ

ما أنا بقارئ

 

لو لاحظت سلوك الحيوانات في تربية أطفالها، لن تخرج عن أربع ملاحظات أساسية، يتشارك فيها الجميع، المفترس منها والداجن.

١: الحنان الجارف. 

الثدييات تعريفًا كائنات يلتصق بها أبناؤها طلبًا للغذاء. هذا في حد ذاته فعل حنان.

٢: الحماية والتضحية. 

من الفهود إلى القرود إلى الخنازير إلى قطط المنزل. ما من حيوان ثديي إلا ومستعد لتعريض حياته للخطر من أجل أبنائه، ومستعد للخروج عن طوره والتحول إلى مهاجم شرس من أجلهم.

النقطتان السابقتان تتعلقان بسلوك الآباء والأمهات. النقطتان اللاحقتان تتعلقان بالحبل الواصل بينهم وبين الأبناء.

٣: التجهيز وحس المسؤولية والاعتماد على النفس. 

مع الحنان الجارف، والحماية والتضحية، فبملاحظة سلوك الحيوانات في تربية صغارها، حتى لو كانت قطة في المنزل، ستجد أن لعبها معهم يتمحور حول تجهيزهم للاعتماد على أنفسهم، بتعليمهم أساسيات الصيد، وترك مساحة للخطأ والخطر تنمي مهاراتهم. 

٤: القدوة. 

الاتكال على الوعظ أحد الجوانب السلبية لتطور الوعي الإنساني واللغة. الإنسان – كأي حيوان آخر- ابن بيئته. الطفل لا يفهم ماذا تقول. صحيح أنه يلاحظ غضبك وعصبيتك، لكنه لا يفهم المنطق. يفهم أنك الحياة بالنسبة له. إن نمت مبكرًا فهذا معناه أن الإنسان ينام مبكرًا. إن سهرت فهذا معناه أن الإنسان كائن ليلي. تتحدث بصوت عالٍ، منخفض، تستخدم يديك.. إلخ.

كل الاختلافات في طريق تطبيق هذا تعتمد عليك كشخص. نحن متنوعون، وسيظل تنوعنا جزءًا منا. 

لكن الإنسان لم يعد يلاحظ الحيوان. الإنسان لديه أسلوب آخر في التعلم، هو الكتب والأبحاث والدراسات. مع ميلاد ابنتي مررت على كثير من تلك. وجدت أنها مفيدة في نوع من المعلومات: 

نقل الخبرة الطبيعية. توقع أن ابنتك في الأسبوع الأول ستفعل كذا، وفي الأسبوع الثاني ستفعل كذا. أشياء لم يلقنها أحد لصغار الإنسان، بل يفعلها الأطفال غريزيًا. من المفيد لآباء المرة الأولى، كوننا جيلًا لم يتربَ في عائلات ممتدة، أن نعرف هذا. ولا شك أن من أنجبوا طفلًا ثانيًا لن يحتاجوا إليها. الكتب مفيدة أيضًا في المهارات الطبية. كيف تتصرف لو حدث كذا. 

هذه أمور لا تكاد تتغير في الأطفال من جيل إلى جيل. 

 النوع الثاني الذي تقدمه الكتب أسئلة مثل: هل من الأفضل أن تحتضن أبناءك أم لا؟ وهل تقبلهم وتداعبهم بكثرة، أم تكتفي بقبلة واحدة قبل النوم؟ 

الكتب لا تفصل بين هذين النوعين من “النصائح” والإرشادات إذ تقدمها لنا. لا تربط الإجابات ببيئة معينة. لا تثق في الوعي الفردي للإنسان ببيئته، بل تطرح الإجابات على أنها وصايا عشر أو عشرون أو مئة جديدة، كأن أولادنا منتجات ستخرج من مصنع.

مع أنك لو قارنت النصائح والدراسات التي تربى عليها جيلك، في هذا النوع الثاني، لاكتشفت أنها تختلف اختلافًا جذريًا عن النصائح التي تُربي عليها جيل أبنائك. هذا قبل أن تكتشف بمرور الوقت التجلي الصادم لهذه الحقيقة. أن ابنتك وهي تكبر هي التي تربيك، فهي أيضًا ابنة جيل مختلف. وهذا الجيل المختلف يحتاج مهارات مختلفة، ويملك وعيًا مختلفًا.

الحقيقة هي: ليتك اكتفيت بأن تكون كما الحيوان؛ حنان، حماية، تجهيز مهاري (تسلق الأشجار لو كنت في زمانها والكمبيوتر مثلًا لو كنت في زمانه)، وقدوة. 

كان هذا الدرس الأول الذي تعلمته من ابنتي. أن هناك ثوابت غريزية، وهناك وعيًا متغيرًا.

الوعي قد يكون مضللًا. وعي العامة – لو أجريت إحصاءً – سيصدمك. 

ووعي النخبة – وتراكم معرفتنا شاهد – سيصدمك. 

ووعيك أنت الذاتي، من سنة إلى سنة، سيصدمك. 

كالأنعام

بل هم أضل

 

أظهرت ابنتي منذ طفولتها ميلًا نحو التاريخ الطبيعي. تحب مشاهدة أفلام الحيوانات، وتقرأ عنها، وتجعلني أشاهدها معها، وتلفت نظري، وتصحح معلوماتي الضئيلة عنه. لم أعان في دراستي كي أكون متفوقًا في الحساب والرياضيات والفيزياء، لكنني لم أحب البيولوجي. كانت كتبه تبدو كأن من كتبوها يستغفرون الله وهم يفعلون. فهم أنفسهم أصحاب وعي باعد بيننا وبين الطبيعة.

المجتمع البريطاني – وهذا سياق ضروري لكي أحكي الحكاية القادمة – مجتمع تحول عبر القرن الأخير من سمته البروتستانتي الفردي، إلى سمت أوروبي كاثوليكي. لا يزال محتفظًا من الطبيعة البروتستانتية بالزهد وحب العمل، والبراجماتية، لكنه تحول إلى مجتمع حمائي، ودولة إعاشة، مع ما يصاحب هذا من تربية الأبناء على الحساسية المفرطة، والصوابية الاجتماعية. 

المجتمع البريطاني لا يسمح – على خلاف نظيره الأمريكي – بحمل السلاح. خلف هذه العقلية أكثر من مجرد الحد من الجريمة. ستأتي فرصة في المستقبل للحديث عنها. 

أفلام كارتون يراها أطفال بشكل عادي في أمريكًا مثلا، لا يراها الأطفال البريطانيون. وابنتي نفسها ناشئة على نفس الحساسية، ومراعاة الكائنات، ولا تقتل العنكبوت، وابتسم في وجه النمل.. إلخ.

وأنا بدوري أتوافق مع هذا المجتمع. أتعامل بحساسية حتى مع أقل درجة من العدوانية في لعب الأطفال في الحضانة. كأننا نريد لأبنائنا أن يكونوا ملائكة تمشي على الأرض.

لم ألحظ وأنا أقرأ كتب التربية ونصائحها أن هذه الصوابية بدأت منها.

كنت أحاول إذن أن أنشئ ابنتي على “الصراط الإنسانجي”. 

لا توم وجيري بسبب العنف، لا مشاهد موت، حتى حكايات قبل النوم منزوعة الشوك الطبيعي، الذي واكب نموها التلقائي في عقل الأجيال السابقة، والذي كان جزءًا من حكمتها وملاحظاتها، منزوعة الإشارة إلى اللون والعمر والنوع بأي شكل يوحي بأن هناك اختلافًا في الحظوظ أو الجمال النسبي أو القدرات والمهارات، منزوعة الإيحاء بأي درجة من العنف باعتباره وسيلة قائمة ومهارة نافعة في الحياة. 

كنت أشاهد مع ابنتي فيلمًا وثائقيًا على ناشونال جيوغرافيك، وفيه طائر ينقض بسرعة من الهواء على سمكة فيقتنصها. نظرتُ إلى ابنتي سريعًا وقلت لها: ”لم تتألم. ما تزعليش“. 

فنظرت إلي فورًا باستغباء وهي تقول: ”هذا يحدث مليون مرة يوميًا في الطبيعة. مش زعلانة“. 

هذا الموقف البسيط جعلني أنظر في أهمية وعينا بالطبيعة، كما هي، في اختياراتنا السياسية وأفكارنا الاجتماعية. ولا سيما أهمية نظرتنا إلى موقعنا من هذه الطبيعة. بتعبير آخر أهمية علاقة المجتمع بـ “الغرائز” في تحديد فرص نجاحه وفشله.

الكتب مهمة جدًا، إحدى خزائن الوعي الإنساني، وفضلها علي عظيم. لكن علاقتي بها تغيرت. الكتب ليست مادة لحفظ الأفكار وترديدها، بل مادة لاختبارها. هل يحاول هذا الكتاب اقتراح صيغة اجتماعية جذابة ومقنعة للتعبير عن غرائزنا، أم يبذل جهده لإقناعنا بجدوى قمعها.

 لن تحمل كتابًا مفهرسًا تعود إليه كلما تعرضت لموقف، بل تحمل غرائزك طوال الوقت. منقوشة في جيناتك. 

ورأى

الرب

ذلك

حسن

تقول الحكاية التاريخية إن الربعي بن عامر دخل على كسرى يزدجرد وقت الغزو الإسلامي لفارس، فسأله الأخير ما الذي أتى بكم إلى هنا، قال له بن عامر “جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد، إلى عبادة الله…..“.

الربعي بن عامر لم يتحدث عن الحرية كما يقول الخطباء، بل عن عبودية جديدة، أفضل في وعيه من العبودية السابقة. عبودية “استعلائية”، تعلو بالبشر عن الإذعان لأمثالهم من البشر لكي يذعنوا لرب البشر، كما أبلغه عنه بشر. 

في نفس الوقت لم نسمع عن رسالة إلهية أرسلت إلى ممفاسا، ولا أخرى آمن بها جيري وميني وكفر بها ميكي ماوس، فحق لجيري أن يتزوج من ميني ولم يحق لميكي أن يفعل الشئ نفسه. 

لماذا خص الله البشر بالحديث إليهم؟

هذا في حد ذاته صناعة لوعي الإنسان بالطبيعة. صيغة الاصطفاء بعبودية الله تلك ترفع الإنسان عن ما سواه من الكائنات. إنه زائر على هذه الأرض، سقط من السماء إذ سقط في اختبار. لكنه سيعود إلى السماء مرة أخرى إن نجح في الاختبار الملحق. 

فهو كائن سماوي، أو في منزلة بين المنزلتين، لا أقل. 

وهذه في حد ذاتها رواية للتاريخ الطبيعي، غرضها تأكيد هذه الفوقية وهذا التمايز بينه وبين من حوله. لا نشوء ولا ارتقاء، بل خلق على تلك الصورة المتمايزة، بهذه اللغة المتمايزة، التي تعلمها أبوهم الأول ربانيًا. 

غرائز الإنسان “الحقيقية” – لا بد أيضًا- تختلف عن غيره من الكائنات. يسميها الدين السماوي “فطرته”. والبشر إن لم يعودوا إلى هذه الفطرة فـ “إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلًا”. سترى هذه الثنائية كثيرًا في كتابات المؤمنين. سيشبهون الإنسان “الضال” بأنه يعيش حياة حيوانية. وليسوا وحدهم من يفعل ذلك.

مفتاح تفوق الإنسان إذًا – حسب الدين السماوي – مشروط بأن يفكر بهذا الوعي. فصل تام بين غرائز الإنسان وغرائز الحيوان. فطرة الإنسان هنا. غرائز الطبيعة هناك. 

بعد الكشوف العلمية، والرحلات الاستكشافية، والاهتمام الكبير بالطبيعة، ثم أصل الأنواع،  والنشوء والارتقاء لداروين، كوَن الإنسان القارئ للكتب وعيًا جديدًا في علاقته بالطبيعة، والحيوانات.

صنع رواية تاريخ طبيعي جديدة. علمية هذه المرة.

لكن هل اختلفت جوهريًا في علاقتها بالطبيعة عن الدين السماوي؟!

ورأى

الإنسان

ذلك

حسن

أُزيح الدين السماوي عن الحكم في أوروبا، وظهرت “عقائد حاكمة” جديدة. سأشير إليها هنا – تمييزًا – باسم “الدين الإنسانجي”. كلمة الإنسان ظهرت كثيرًا في أدبيات هذا الدين. ظهرت مصدرًا للمعرفة، وظهرت وصفًا للأفعال. فصار المحمود منها يسمى “إنسانيًا”. اللفظة بذاتها صارت تستخدم تبريرًا ملخصًا للأفعال. لماذا نفعل كذا ولا نفعل كذا؟ لأنك إنسان. 

يبدو الدين الجديد مختلفًا تمامًا عن الدين السماوي، ومتناقضًا معه. لكن لو نظرت متفحصًا ستجده يسير على نفس الخط، ولكن في الاتجاه المعاكس. كقطار وصل إلى محطة، وهو الآن عائد منها. غالبًا بنفس الركاب، أو لنقل نفس المجتمعات، لأن الرحلة كانت طويلة شوية.

“جئنا لنخرج الناس من عبادة الإله، إلى عبادة الإنسان”. يقول الدين الإنسانجي، عن ربعي بن عامر، بتصرف.

حين تفكر في مقولة مثل “الدين أفيون الشعوب” ستجد أنها في جوهرها تحمل ذلك المعنى. أن الإنسان كان يعبد أوهامًا، والآن سنعيده إلى “الحقائق” العلمية التي اكتشفها الإنسان. 

هذا الوعي الجديد يستلزم هو الآخر رواية جديدة لـ “التاريخ الطبيعي”. 

من رواية التاريخ الطبيعي الربانية.

إلى رواية التاريخ الطبيعي العلمية. 

من “الوهم”.

إلى “الحقائق”.

حلو؟

أبدًا. 

لم يكن هذا أكثر من تمايز لا بد منه لدين جديد نشأ في القرن العشرين، بعد التطور والثورة الصناعية والأدوية والكهرباء والموتور والنشوء والارتقاء. 

لم يكن ممكنًا لهذا الدين الجديد أن “يلعب” في المعلومات. بالعكس، كان لا بد له أن يتبنى المعلومات، لغرض أساسي، أنها ستساعده في مهمة تحطيم الدين القديم، وإثبات أنه “ألم نقل لكم! هذا مجرد أوهام!”.

كثيرون، وأنا منهم، انخدعوا دائمًا بهذا التمايز، ولا سيما في بداية الشباب. فظنوا أن الدين الإنسانجي مختلف تمامًا عن الدين السماوي. هو مختلف طبعًا، كونه يتيح الجدل والمناقشة، ولو بعد حين. لكن جوهره في صناعة المجتمع سيصدمك.

ثم إن حجم ما صار محجوبًا من معلومات علمية وجينية حاليًا، بعد توسع الدين الجديد، سيصدمك. 

تعالوا، لأن هذا موضوعنا، نبدأ من مقارنة رواية التاريخ الطبيعي التي قدمها الدين السماوي، لكي تتسق مع وعيه السياسي، ورواية التاريخ الطبيعي التي قدمها الدين الإنسانجي، لكي تتسق مع وعيه السياسي. 

كلا الروايتين، في وقتهما، كانتا وعيًا جديدًا. 

رواية التاريخ الطبيعي في الدين السماوي هذا جوهرها: طبيعتكم الظاهرة ليست حقيقية. هذه طبيعة الحيوانات. أما طبيعتكم الحقيقية (فطرتكم التي فطركم عليها الله) فاتفضل يا سيدي، هذه رواية التاريخ الطبيعي الربانية. لا بد الآن أن نجري بعض التعديلات على هذه الطبيعة لكي نعود إلى ما أراده الله. ولا نكون كالحيوانات.

رواية التاريخ الطبيعي في الدين الإنسانجي هذا جوهرها: “طبيعتكم الظاهرة” حقيقية، لكنها فاشلة. هذه طبيعة مشتركة بين الحيوانات، وسنكون كالحيوانات لو التزمنا بها. التجربة السابقة تقول ذلك. هيا بنا نجري بعض التعديلات على هذه الطبيعة. هيا نخلق عالمًا جديدًا. كما أراده الإنسان. 

لم يكن ممكنا في كلتا الحالتين إجراء تعديلات بيولوجية كبرى، كأن نقول إن وجود أثداء المرأة في ركبتيها أفضل من وجودها في موضعها الحالي فهيا بنا نصنع ثديًا جديدًا، ولا أن نتلاعب بمناطق الإبصار، فنجعل لنا عينًا في المقدمة وعينًا في الظهر، لكي نوسع مجال الرؤية. ونقول هيا بنا نصنع عينًا جديدة. 

لم يكن ممكنًا أن نسعى إلى أن نتخلص من “طبيعتنا” في أي من هذا؛ إذ إنها مادية محسوسة.

لكن يمكننا أن نتخلص من بعض “غرائز”. شيء ما في الغرائز يغري بمعاملتها كما نعامل الأمور المعنوية. قديمًا نسبها الدين السماوي إلى الشيطان أو النفس الأمارة بالسوء. أما حديثًا – وقد عرفنا طبيعتها المادية – فقد ظلت تلك الطبيعة عصية الاستيعاب على معظم العقول؛ لأننا لا نرى الإنزيمات ولا الهرمونات. 

بناءً على ما سبق تبرز لنا مقارنات أكثر بين الدين السماوي والدين والإنسانجي في موضوع الغرائز.

الدين السماوي كان أكثر اهتمامًا بلجم الوعي وتقييد التفكير. لكن الغرائز لم تسلم، ولا سيما غريزة الجنس. قمع مقدماتها، ومقدمات مقدماتها، حدد أشكالها المسموحة، ثم أنزل أشد العقوبات جسديًا ومعنويًا على من يخالف هذه الأوامر. كانت الغريزة من الأهمية بحيث لا يمكن تركها لاختيارات الناس وتعاقداتهم الثنائية. 

الدين الإنسانجي لامه على ذلك كثيرًا. اعتبر أن هذا مخالف لـ “طبيعتنا”. وإحصاء وراء إحصاء أثبت بالعلم كم مرة نفكر في الجنس يوميًا، وكم من مرض عضوي ونفسي سيصيبنا إن أخصينا هذه الغريزة. لكنه، يا للعجب، استهدف غريزة أخرى لا تقل أهمية في حياتنا وبقائنا عن الجنس. استهدف غريزة التنافس. والغريب أنه استهدفها بآليات شبيهة إلى حد كبير لاستهداف الدين السماوي لغريزة الجنس.

ألحق الدين الإنسانجي بغريزة التنافس ورغبة التفوق ما ليس فيها. جعلها مرادفًا للصراع العضلي. وهذا وهم يكذبه التاريخ الطبيعي. التنافس في الطبيعة بين المهارات. الأقوى عضليًا يتنافس بالقتال. الأسرع يتنافس بالستامينا (قدرة التحمل). الأدهى يتنافس بالحيلة. الأجمل يتنافس بالجاذبية. الأكثر دأبًا يتنافس بالإصرار. المتلون يتنافس بالكاموفلاج. الأضعف يتنافس بالتكاثر. 

ثم أنكر غرائزها الفرعية كالحيازة، رغم وضوحها في كل تفصيلة من التاريخ الطبيعي. من العش إلى الجحر إلى العرين إلى الـ territory. أول فعل يفعله الحيوان هو صناعة حيز. 

ثم ألحق الدين الإنسانجي بالمدافعين عن غريزة التنافس صفات الذم. هؤلاء “داروينيون” قتلة. أصحاب الأملاك لصوص. الربح شقا العمال وحقهم (طب والخسارة؟). 

بلغت الحرب ضد غريزة التنافس درجتها القصوى لدى الشيوعية. تدخلت بالقوة القاهرة لكي تقمعها وسمت ذلك لفظًا إيجابيًا، هو تحقيق “المساواة”. 

وطبعًا، بلا شك، حتمًا، لا بد. انهارت الشيوعية. التاريخ الطبيعي الغرائزي ثابت ثبات الأعضاء في وضعها الصحي في جسم الحيوانات. 

هل انتهت الحرب بانهزامها؟ 

أبدًا. الماركسيون الجدد تحكموا في مفاصل التيارات الليبرالية، وهذه تحكمت في مفاصل صناعة “الوعظ” العالمية، من كتب وإعلام ودراسات ونشر. 

أخذ هؤلاء الدين الإنسانجي، المتعالي عن الكون، إلى مستويات جديدة. وخطيرة.

ولا عجب

لأن الشيطان نفسه يغير شكله إلى شبه ملاك نور

بعد سقوط الشيوعية أدرك من لم يدرك سابقًا أن قمع التنافس يخرب المجتمعات، ويعمل فيها بآلية مضادة للتطور الطبيعي. نتوقع إذن أن يستقيم التفكير الاجتماعي، ومنتجه السياسي.

هذا التوقع يتغافل عن حقيقة بسيطة للغاية: من قال إن معظم الناس يريدون أن تتطور المجتمعات تطورًا طبيعيًا، بتفوق أفراد فيها! 

التنافس بطبيعته، كرويًا كان أم اقتصاديا، يصيب فئة قليلة العدد بحظوظ أكبر من غيرها. لو نظرت إلى كرة القدم مثلًا، لاكتشفت أنك تتابع وتعرف نسبة ضئيلة للغاية من لاعبي كرة القدم حول العالم. الأغلبية الكاسحة من لاعبي كرة القدم يلعبون في دوريات لا نعرف عنها شيئًا. عدد مهول من اللاعبين كلهم كان يطمح أن يكون ميسي أو رونالدو. 

لكن خليطًا من الموهبة، والصفات الشخصية، وشروط التنافس، تمايز بين هؤلاء جميعًا. 

ولولا هذا التنافس الطبيعي ما كانت كرة القدم، ولا كانت متعتها بالشكل الذي نعرفه، ولا تطورها. ما كان كسر الأرقام في الألعاب الأوليمبية ممكنًا. 

فيم يختلف التنافس الرياضي عن التنافس الاجتماعي؟

في شيء واحد. كيف نفهم كلمة “المساواة”.

التنافس الرياضي يضع قواعد اللعبة، في مهارة بعينها، هذا تعريفه للمساواة. ليس في النتائج مساواة. 

لم يستجب نظام التنافس الرياضي لرغبات من لم يصلوا إلى درجة التفوق التي كانوا يحلمون بها، ووضعتهم قدراتهم في نطاق أقل درجة أو درجات. لو كان الأمر بيد هؤلاء لطالبوا بأن تقسم الأموال بين الجميع، بأن تُضيَّق الفجوة بين طبقات اللاعبين.

لكن نظام التنافس الرياضي الحر جعل كل ادعاءات المغمورين، والكفاءات المدفونة، مردودًا عليها بأن الفرصة أمامك. لن يمنعك أحد، إلا النظام المعمول به في مجتمعك. هذه قمة العدالة. هذه هي المساواة.

لو دققت ستجد أن فشل مجتمعك في الرياضة مرده إلى فرض الموانع، وأن السبيل إلى التطور بالتالي هو إزالة موانع التنافس وليس التحكم في نتائجه. هذه الطريقة الوحيدة التي تتيح للموهبة، المقرونة بالصفات الشخصية، أن تعبر عن نفسها. ثم إن الموهبة التي تصعد تساهم في صعود اقتصاد اللعبة بأسرها، تساهم في أن تكون الدرجة الثانية والثالثة فيها أفضل من الدرجة الممتازة في غيرها من المجتمعات.

اختفت الشيوعية من إدارة المجتمعات، لكن لم تختفِ درجاتها. في الاقتصاد، تتوارى خلف قيود (موانع بدرجات مختلفة) على التملك، وسقف الصعود الطبقي (موانع بدجات مختلفة)، وسقف الربح (موانع بدرجات مختلفة). كل هذه في جوهرها تقييد لغريزة التنافس. 

حرب الليبراليين الإنسانجيين على التنافس تسللت إلى المفاهيم الاجتماعية. حولوا المساواة إلى سعي حثيث لمحو الفروق المهارية بين الأنواع. الأفراد الرجال، والأفراد النساء، يملك كل منهم مهارات متفاوتة. بعض المهارات أكثر شيوعًا في الذكور، وبعضها أكثر شيوعًا في الإناث. من الذي يحدد هذا؟ لا أحد. فقط السوق الحر لتداول المهارات والأجور. والاختيار الحر لأولوياتك في الحياة. 

ثم حولوا التكافؤ إلى ضمان الحصص النسبية للتكتلات الجنسية والعرقية والعقائدية، وليس الحصص الفردية على قدر الموهبة وعلى قدم المساواة. لقد تحولت السلطات إلى موزع “عادل” للنقاط، بدل أن تكون ضامنًا لشروط المنافسة. 

هذا دوري ممل، ومسابقة رياضية لا تستهوي أحدًا بالمشاهدة، ولا تغري المتفوقين بالمشاركة وبذل الجهد.

الطبيعة العددية لنسخة الديمقراطية الشائعة، لو طبقت في كرة القدم، لصوتت أغلبية اللاعبين لصالح تقسيم جزء أكبر من أموال ميسي ورونالدو عليهم، ولصالح طاقم طبي متكافئ، لسيد بشلة وإيدن هازارد. (هو فيه أهم من الصحة. دي راسمال اللعيب. حق من حقوق الإنسان أ-جدع).

وأنا هنا أتحدث عن مجتمعات الحرية، المجتمعات الرائدة التي سقوطها سقوط للوعي الإنساني، المجتمعات التي تهتم بالتاريخ الطبيعي، الواعية به. صارت الآن تعتقد أن حال الإنسان يمكن أن ينصلح بقمع أساسيات تاريخه الطبيعي. كأن قطارها يعود تدريجيًا إلى نمط “الإنسان الحقيقي الذي لم يكن موجودًا أبدًا”، إلا في مرحلة ما قبل سقوطه إلى الأرض، ربما. أما على هذه الأرض، فليس موجودًا في تاريخه الطبيعي. ولا موجودًا في التاريخ الطبيعي لغيره من الكائنات. 

أما المجتمعات المنغلقة فهذه كارثة أكبر. إذ إنها حين تريد أن تتعامل مع مشكلتها تعتقد أن البداية هي تكتيل الفاشلين الكثر لكي يكونوا حكمًا، أن نلقى الغلابة – لاحظ الوصف – في أول الصفوف. مرة بصناديق الانتخابات، المستوردة من نقطة متقدمة في مشوار لم تسر فيه خطوة واحدة، ومرات بالبحث عن الشعبية التوافقية، وإرضاء الأعداد الآكلة لا المنتجة، في مشهد بورنو سياسي متواصل وممل بين الفاشلين والساسة، لا ينتج إلا مزيدًا من الأفواه الجائعة.

جوهر المعادلة في هذه المجتمعات أيضًا هو الإصرار على أن يكون الفارق التنافسي ضئيلًا. وهذا له سكة أسهل دائمًا، أن نمنع المتفوقين في التنافس من الصعود، لكي يظلوا قريبين ممن لا يملكون الموهبة ولا الصفات الشخصية. أن نضمن أن يكون أقصى صعودهم هو الطابق الثاني. المراوح التي تقص الرؤوس ستزداد كثافة بداية من الطابق الثالث، فيختنق الجميع. كذرة ألصقت إلكتروناتها بنواتها. ما من نتيجة لهذا إلا تعمق البدروم. 

بعد أن كان البيولوجي مادة لا أحبها. تعلمت من ابنتي أن أحبها. أن أفرق بين قمع الغريزة، وبين تكييف مهارات تحقيقها. مضى زمن كان مهارة التنافس فيه هي العضلات، وأتى آخر مهارة التنافس فيه هو العقل. لكن التنافس باقٍ. تعلمت منها أن أثق في الملاحظة، لا في الوعي الملقن. في المعلومة لا في بلاغة الكلام، وحلاوته وتنسيقه، بعد أن يمر برقابة الصوابية السياسية، ووصايا الدين الإنسانجي الألف. 

لا أدري أين تصنيف هذا سياسيًا. فالدين الإنسانجي استطال وتفشى وسيطر على الأسماء كلها، كما يفعل كل دين. 

لكن الغريزة ستعبر دائمًا عن نفسها. 

أو نتطور عكسيًا. 

Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D8%B2-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A">
Twitter