١

وديع الأصلي

 

 

في التعاليم المصرية القديمة، الواردة في كتاب الموتى:

لم أقتل،

لم آمر بقتل أحد

لم أشته زوجة جاري

لم أدنس نفسي

لم أكذب

لم أسرق

لم أشهد زورًا

لم أملأ قلبي حقدًا

لم أكن سببًا في دموع إنسان

لم أكن سببًا في شقاء حيوان

لم أعذب نباتًا بأن نسيت أن أسقيه ماء

أطعمت الجائع، ورويت العطشان، وكسوت العريان

كنت عينًا للأعمى، ويدًا للمشلول، ورجلًا للكسيح

لم ألوث ماء النيل

ملأت قلبي بماعت (الحق والعدل والاستقامة)

هل هذه تعاليم جيدة؟ هل هذه تعاليم سيئة؟

في الإجابة على هذا السؤال لا بد من ترتيب هذه التعاليم إلى مجموعتين.

إحداهما “القيم الأساسية”: تمثل القواعد لقيام أي مجتمع في العالم، مصر أو غيرها. لن يقوم مجتمع على قيم توصي أفراده أن يقتل بعضهم بعضًا، هذه قيمة تنقض ذاتها. لن يقوم مجتمع على الحقد، والتناحر الجنسي بين الجيران، والسماح بالسرقة، أو السماح بالتغطية على الجرائم بشهادة الزور.

لذلك سنجد هذه المجموعة من القيم مشتركة بين المجتمعات جميعها. التزمت بها ١٠٠% أم لا. ستظل قواعد معيارية يود المجتمع لو التزم بها أكثر، وستظل أساسًا لفكرة الأخلاق المجتمعية. يدونها المصريون في كتاب الموتى، تعلمها آلهة الإغريق لرعاياها، يصوغها حمورابي، يرسلها رب اليهود إلى موسى النبي.

وكل مجتمع سيهمس في أذن أبنائه بأنهم خير مجتمع حملته الأرض، وغطته السماء، والدليل هذه القيم الرائعة: لا تقتل، لا تسرق، خد بالك من عيالك، لا تسكب ماء الغسيل على المارة.. إلخ.

نستطيع مطمئنين أن نقول إن هذه التعاليم تصلح لكل (١) مكان (٢) زمان.

المجموعة الثانية من القيم خاصة بمصر، وربما بعض من البيئات الزراعية الشبيهة في ذلك الزمن. أي أنها مرتبطة بالنشاط الإنتاجي الذي يعتمد عليه المجتمع، ومصاغة لكي تحفزه: لاتلوث ماء النهر، وإياك أن تنسى ري الزرع “يا منيل”، ثم لا تكن سببًا في شقاء حيوان وإلا عاد ذلك بالضرر على المهنة (ولو جعت ادبحه وكله عادي يعني).

ستكون مزحةً كتابة هذه المجموعة – “القيم الخاصة” – في أدبيات مجتمع صحراوي، لا نهر يجري فيه، ولا نبات ينمو على ضفافه. في مجتمع يعيش في سيبريا ربما يوصيهم الحكيم بأن “يتدفأوا جيدًا” وأن يحذروا اللعب على الجليد في الربيع، لأنه سينكسر وتغرق. (الله عليك يا أستاذ).

هذه المجموعة لا تصلح لكل مكان. لا تصلح لكل بيئة، بل تتنوع حسب النشاط الإنتاجي للبيئة. لا يعني هذا أنها تتحول إلى “سلبيات” في البيئة الأخرى، إنما قيمة قليلة القيمة. أهميتها لن تؤهلها لكي تدون في “الكتاب الأخضر”، ولا أن تقرأ على الأطفال في الإذاعة المدرسية كل صباح حتى في أيام الشتاء الحزينة.

وما ينطبق على المكان، ينطبق على الزمان. لن تتحول هذه القيم الخاصة إلى سلبيات، لكن قيمتها ستقل بمرور الأزمنة وتغير الأنشطة الإنتاجية. أو بالتحول إلى روتين.

أجيب على السؤال الذي بدأت به إذن.

هذه القيم “الحلوة” ضرورية، لكنها صارت روتينًا، إلى درجة أننا لو رأينا مجتمعًا يذكر نفسه بها كثيرًا سنعتبر هذا – محقين – مؤشر مرض لا صحة. سنشك أن أبناء هذا المجتمع يصفع واحدهم الآخر حين يقابله في الصباح بدل أن يقول له صباح الخير. ربما لا يصفعه، قد يضيق عليه الطريق. أو حتى “يزغر” له إن تمنى له الخير. هذا المجتمع بينه وبين نقطة الصفر للانطلاق إلى الأمام مسافة ليست قليلة. عليه – أولًا – أن يكون مجتمعًا، ثم نفكر في الخطوات التالية.

إن رأينا مجتمعًا يتباهى بها ليل نهار فهذا مجتمع فقير في الخبرات. يتباهى بالتنفس. هذه الفكرة على بساطتها مشكلة مشاكل الحضارات القديمة، التي لم تملك منذ القدم شيئًا إضافيًا تتباهى به.

نحن الآن بصدد مهمة بسيطة. كيف تزن القيم في مجتمعك، بطريقة بسيطة يمكن تجربتها في المنزل.

من ستختار الأنثى

٢

  1.  اذكر من غير مجموعة القيم الأساسية قيمة واحدة في مجتمعك مهمة للغاية. ستتعرض لانتقاد شديد لو أهملتها، أو تهاونت فيها.
  2.  حاول أن تنسب هذه القيمة إلى الحقبة الزمنية التي شهدت صعودها في العالم.

سنتعاون. من ناحيتي سأقدم في هذه الصفحة إسهامًا بسيطًا… رواية تاريخ العالم حتى سقوط بيزنطة في صفحة واحدة. يا معين:

كان ياما كان، يا سادة يا كرام….

قبل آلاف السنين كانت الزراعة التكنولوجيا الأكثر تقدمًا في العالم، والمصدر الأكبر للثروة. كمت (الاسم القديم لمصر) استفادت من هذه الثروة.

ليس فقط بسبب خصوبة الأرض بفعل النيل؛ أفريقيا جنوب الصحراء أكثر خصوبة منها، لكن بسبب قدرتها على الاستفادة من خدمات حيوانات الحقل، التي لم تكن لتعيش آمنة جنوب الصحراء بسبب الحيوانات المفترسة.

وليس فقط بسبب النيل – وهذا مهم ونحن نتحدث عن القيم التي ستنشأ – وإنما أيضًا بسبب الصحراء والبحر. نعم. الصحراء والبحر جعلتا جنة وادي النيل محمية بسياج ضخم، يحول دون تعرضها لغزوات الأعادي. من هذا الذي يقطع الصحراء الشاسعة، أو البحر بأمواجه، لكي يصل إلى كمت!!

هذه الحماية وفرت لها آلاف السنين من السلام، والرخاء، وتجنب الحروب.

القيم الخاصة التي اهتممنا بها كانت تتمحور حول عملنا. مطلوب من أجدادنا القيم الأساسية، ومطلوب منهم أن يكونوا مسالمين يحسنون إلى الحيوان ويسقون الزرع ولا يلوثون ماء النهر. هذا السلم الاجتماعي وطاعة السلطة المركزية كانا كافيين لقيام الحضارة: الاهتمام بالطب والخلود، الاهتمام بالبناء والهندسة والفلك. والنتيجة أعظم حضارة عرفها الإنسان القديم.

وكقانون عام في كل الحضارات التي سنمر عليها: أهل الحضارة يحبون بشدة “القيم الخاصة” التي تبنوها في الفترة التي ازدهرت فيها حضارتهم. يغرقون في حبها.

وحين تبرز في العالم قيمة أخرى تحتاجها المجتمعات لتبقى في المقدمة يكون صعبًا على أهل الحضارة القديمة تبني القيمة الجديدة؛ إما لمبررات “أخلاقية” استعلائية يعفون بها أنفسهم من العناء، وإما لأنهم تأخروا في إجادتها، وإما لأن الحضارة الجديدة الصاعدة تتعمد حجب القيمة الرابحة عنهم.

أثناء العصر الجليدي هاجر حيوان من أمريكا الجنوبية فوق الماء المتجمد ووصل إلى آسيا، فتعلم أهل آسيا الوسطى مهارة ترويضه، وانتقلت هذه المهارة إلى جيرانهم. الحصان أو الفرس كان نقلة تكنولوجية وثورة في عالم النقل، لدرجة أننا ظللنا حتى الآن نقيس به طاقة المحركات. لكن ما يهمنا هو الأثر الذي أحدثه في التاريخ. الفرس – ولا سيما بعد إضافة العجلة الحربية – كان قادرًا على قطع مسافات شاسعة، لم يكن ممكنًا قطعها قبل ذلك إلا بشق الأنفس. في نفس الوقت عرف العالم معدنًا جديدًا اسمه الحديد، يستطيع تطويعه ليكون سلاحًا فولاذيًا قاطعًا لا ينكسر ولا ينثني.

من اسم الحيوان اشتقت منظومة من القيم الخاصة اسمها “الفروسية”.

صارت هي الورقة الرابحة في ميزان قيام وانهيار الحضارات. لا يهم مدى تقدمك السابق، لو لم تكن متحليا بقيم الفروسية سينتصر عليك آخرون لا محالة.

حين نتحدث عن القيم يميل البعض إلى محاولة عبثية لزنتها بميزان تجريدي. هذا نفس خطأ الحضارات في محاولتها العبثية لمقاومة التغيير. القيم ليست جيدة جودة مطلقة، أو سيئة سوءًا مطلقًا، في حد ذاتها. إنما بالنسبة للزمن.




المنظومة القيمية للفروسية تعلي “قيمة” الشجاعة، القوة العضلية، المرونة الجسدية، الرشاقة، القدرة على القتال، الثبات الانفعالي، كل هذا مع التحكم وسط الميدان في حيوان جامح يجد نفسه في موقف لا تتعامل معه الحيوانات عادة بالثبات، بل تطلق لغريزة الخوف العنان.

مجموعة القيم الأساسية توصيك ألا تقتل. الفروسية توصيك أن تقتل وتمعن في القتل، لكن دون أن تناقض القيم الأساسية. بمعنى أنها تخلق منظومتين، واحدة في جوارك المجتمعي، وواحدة حين تذهب لأداء مهنة القتال (نشاطك الإنتاجي)..

لا تشته حليلة جارك، لكن لا بأس حين تذهب للحرب. اشته نساء “الأمة المجاورة” لأن ذلك سيحفزك على مزيد من القتال.

القيمة “الأخلاقية” لها قيمة (سعر) اقتصادي تاريخي. إن لم تحز القيمة “الأخلاقية” لن تحوز المكسب الاقتصادي التاريخي. نعت الأخلاقية هنا لا يعني الإيجاب أو السلب، المدح أو الذم، بل ينسب الفعل إلى مجاله في القرار الإنساني.

بارتفاع قيمة الفروسية في صراع الأمم لم يعد ممكنا تجاوز هذه القيم. حزها تملك فرصة المنافسة. استغن عنها، لأي سبب تبرر به لنفسك الاستغناء عنها، تسقط من فرصة المنافسة.

أما إن أردت التفوق فحزها ثم أضف إليها. وهذا ما يحدث عبر التاريخ. الإضافة في التاريخ الذي نعرفه كانت من نصيب أهل البحر، الذين أضافوا إلى القتال من فوق أظهر الخيل بناء السفن، وركوب الأمواج.

جاء الدور على حضارة جديدة.. الإغريق.

الموضوع هنا لم يكن الإبحار فقط. بل تطور التدوين، بناءً على تطور الحرف. الحرف شيء مختلف عن الكتابة التي يقول أفلاطون إن المصريين هم الذين اخترعوها. الحرف هو تحويل الصوت الواحد إلى شكل متفق عليه. بهذا الانتقال من الشفاهية إلى الكتابية بعد الفروسية والإبحار صنع الإغريق “الفارس المثقف”، الصورة المثالية التي بلغت ذورتها في قائدهم الأعظم الإسكندر، تلميذ أرسطو. أبدعوا المنطق، والمسرح، والدراما، وأبجديات الفكر السياسي. لن أطيل هنا. الحضارة الإغريقية لا تحتاج إلى تذكير.

لكنني سأتوقف عند ما يهمنا. القيمة الأساسية الإضافية لدى الإغريق كانت “المعرفة المنظمة” التي مكنتهم الفوز بالتخطيط الاستراتيجي ومكنتهم امتلاك نواصي الإبداع في مجالات بلغوا فيها مستويات متقدمة. لا يعني هذا أنهم لم يملكوا قيما أخرى، ولا أنهم لم يعدلوا ميزان القيم. الإغريق – مثلا – اهتموا جدا بقيمة إكرام الغريب أو “زينيا”، لأنهم بلاد سفر وموانئ. كان الاعتداء على الغريب عندهم من الموبقات التي لا يتجاوز “زيوس” عن معاقبة مقترفها. هذا تدخل تشريعي، يشبه ان تدرك أهمية السياحة في بلد، وتدرك أن ترك الأمور للعامة قد يؤدي إلى استغلال السياح، أو يسمح لقوى لا تريد الخير لبلدك أن تتعمد التحريض عليهم واستهدافهم، فتضاعف عقوبة هذا الفعل تشريعيا وإدانته أخلاقيا.

مضى الزمن، وكغيرهم من الحضارات، غرقوا في القيمة التي ميزتهم.. “حب المعرفة”. حب المعرفة هي الترجمة الحرفية لكلمة “فيلوسوفي” حتى صار التنظير وجاهة، ورخص ثمنه، كأي شخص فينا يحب أن يعيد ويزيد في ما يجيد، ويتمنى لو الزمان توقف عنده. كليبرالي أوروبي أعجبه التزيد في “الحقوق” حتى سئم الناس الكلمة. لقد صارت مهنة يمتهنها عدد أكثر من اللازم بكثير. أو كصحفي ورقي لا يريد أن ينتقل إلى الديجيتال، وينتخب نقابة تعينه على هذا. يظن أنه يحمي نفسه بينما الزمان غالبه. فتنهار الصحافة. أو كمجتمع المنتجون فيه قليلون، فيأتي بحكومة اشتراكية، تعلي قيمة “توزيع الثروة” على قيمة إنتاج الثروة. يظن هذا أنه يحمي نفسه، بينما الزمان غالبه. وأولاده سيدفعون الثمن.

هنا جاء موعدنا مع الحضارة الكاسبة الجديدة، وهي الحضارة التي امتلكت مخزونًا من قيم السابقين: السلم الاجتماعي من مصر، الفروسية من آسيا، المغامرة البحرية والفلسفة والمنظومة الفكرية من الإغريق، لتضيف إليها قيمة “التفكير العملاني والنجاعة السياسية الإدارية…. موعدنا، وموعد التاريخ، مع روما العظيمة. هذه قيمها.

نستطيع أن نقول إنها ظلت القيم الحاكمة لنجاح الحضارات في العصر القديم حتى مطلع الفجر، في القرن الخامس عشر، وبدء عصر التنوير. لم تكن حضارة لتستمر أو لتقف أمام روما لو لم تكن تملك هذه التغيرات القيمية الطفيفة.

روما نفسها انهارت حين فقدت هذه القيم. ثم ثبتت أوتاد انهيارها بتبني منظومة قيمية أقدم، هي دين المزارعين التوحيدي الذي يحمل اسم المسيح اليهودي المولود في ظل الاحتلال الروماني، وعلى علم بأسر قومه في بابل.

ماتبقى من الإمبراطورية، جزءها الشرقي البيزنطي المحكوم من تركيا الحالية، والذي كان يسيطر على الساحل الشرقي والجنوبي للمتوسط، لم يصمد كثيرًا أمام بروز منظومة قيمية أخرى، الإسلام، أضافت قيمة بسيطة للغاية، مؤثرة للغاية.

القتال الفروسي.. لكن في سبيل الله. النصر والغنائم في سبيل الله. الشهادة في سبيل الله. الجنة وإن لم تسجد للإله سجدة واحدة. الغفران مع أول قطرة من دمك.

هذه ذروة سنام المنظومة القيمية.

مرة أخرى. يحلو للبعض مقارنة القيم بطريقة مطلقة. فيضعون – مثلًا – الجهاد الإسلامي مقابل الله محبة. ويتساءلون أيهما أفضل. أو يعتقدون أن نجاعة قيمة في زمن معين معناه أنها أفضل مطلقا. هذا ناتج من اعتقاد خاطئ بأن التاريخ يسير دوما إلى الأمام “الهندسي” ثنائي الأبعاد الذي تدركه عقولنا.

ليس هناك أفضل مطلقًا. قيمة الجهاد (القتال في سبيل الله) كانت الورقة الرابحة في زمانها، بيبنما الله محبة كانت قيمة سياسية خاسرة (ربما يحتاج هذا إلى مراجعة تفنيد نيشته للقيم المسيحية). واستمر الوضع هكذا حتى القرن الخامس عشر. Winning  Winning  Winning ، على رأي ترامب، للقيمة الإسلامية الناجعة مقابل القيمة المسيحية “اللطيفة”.

لكن مع سقوط بيزنطة عام ١٤٥٣، وفي حين بدا أن هذه المنظومة القيمية قد سادت، وأن الإنسان وصل إلى “نهاية التاريخ”، ويستعد لطي الغلاف الأخير في كتابه، إذا به يكتشف في الرواية “تويست” جديدًا غير متوقع. تويست لم يشهد له مثيلًا بهذه الجذرية، وهذه الكثافة.

لن يكون عندنا تطور واحد. بل تطورات متعددة متشابكة متداخلة.

سيزيد وزن “الله محبة” في أسماء جديدة، مثلًا. لكن، أيضًا، ستظهر قيم لم يكن لها وجود من قبل. قيم – كسابقاتها – تبدو طفيفة وهي منعزلة، عظيمة الأثر حين تنتظم في منظومتها.

أهل الشرق الأوسط، للأسف، لن يكونوا جزءًا من منظومة القيم الجديدة تلك.

تعالوا نرى “القيم” التي فاتتنا. نعم. القيم الطفيفة.

هل غيرت الإناث طريقة اختيارها

٣

استولى العثمانيون على مصر عام ١٥١٧، بعد أن استولوا على سوريا في السنة السابقة لها. كان هذا العام نفسه الذي أعلن فيه مارتن لوثر إصلاحاته الدينية في أوروبا. مارتن لوثر استغل ثورة تكنولوجية حديثة اسمها الطابعة، ابتكرت على الضفة المقابلة من عام ١٥٠٠، لكي يكسر احتكار المؤسسة الدينية لـ “كلمة الله”، ويجعلها في كل يد، باللغة المحلية.



على الضفة نفسها من العام ١٥٠٠، وبالتحديد في ١٤٩٢، كانت الرحلات الاستكشافية المزدهرة في ذلك الوقت تصل إلى الأمريكتين، لكي تمنح مهنة ذلك العصر، التجارة، حافزًا كبيرًا.

يهمنا من هذا التطور أن مهنة التجارة تطلبت استدعاء قيمة قديمة، طفيفة، وإحياءها. في التجارة ستخسر كثيرًا إن رفضت بضاعة المسلمين، أو البوذيين، أو اليهود، أو رفضت دخولهم إلى السوق، أو عاملتهم بشكل سيئ. ستخسر نقودهم، وستخسر أيضًا فرصتك في أسواقهم.

هذه القيمة ذات النفع العملي البراجماتي اسمها السماحة. أخيرًا صار لعبارة “الله محبة” نفع واقعي ملموس. في هذا الصدد عبارة شهيرة لفولتير يقول فيها:

“اذهب إلى بورصة لندن للأسهم – مكان أكثر احترامًا من أي معبد – وسترى ممثلين من كل الأمم مجتمعين معًا لمنفعة الإنسان. هنا يهود ومحمديون ومسيحيون يتعاملون معًا وكأنهم جميعًا من نفس الديانة، ولا يطلقون لقب كافر إلا على من يفلس”



لكي تتخيل مدى أهمية هذه القيمة اقتصاديًا فكر في ما يفعله “الإخوان العثمانيون” في مصر بتحريضهم على السياحة والسياح، أو بدعايتهم ضد مشاريع الانفتاح الاستثماري والسياحي السعودية. ستجد أن التحريض يتم بمنطق ديني، بينما الغرض اقتصادي بحت – أن تخسر المكسب الاقتصادي الذي لن يتأتى إلا بهذه القيمة الأخلاقية “الطفيفة” التي عادت إلى البروز في أوروبا في قرون سيطرة العثمانيين على الشرق الأوسط. التحريض يتم بمنطق ديني بينما الغرض اقتصادي، والدليل أنهم لا يحرضون على السياحة في الدولة التي يدينون لها بالولاء – تركيا. لأنهم يريدون لها الرخاء.



هناك فوائد اقتصادية أخرى للسماحة،

تتعلق بوحدة المجتمع وتآلفه في ظل الدولة الوطنية التي صار فيها المواطنون على اختلاف أديانهم متساوون. أثر عدم امتلاك مجتمع لقيمة السماحة يتجاوز الاقتصاد إلى تعطيل قيام الدولة الوطنية الحديثة.

أما الفوائد الاقتصادية والسياسية غير المباشرة الناتجة عن قيمة السماحة فأبرزها الإبداع. تخيل أن ما حدث مع جاليليو في العام ١٦٣٣ تكرر مع غيره، لفقدت أوروبا إبداع كل من يحاول غربلة العلوم وتخليصها من التفكير الخرافي.

هذا يقودنا إلى قيمة أخرى انتشرت، هي انتصار التفكير المنطقي، بعد أن حرمت منها أوروبا كثيرًا. والحقيقة أن المساحة لن تكفي لعرض القيمة الاقتصادية غير المتناهية – حرفيًا – لشيوع التفكير المنطقي، وتوقير من يحوز الصفة، بدلًا من ملاحقته من أتباع التفكير الخرافي.



في الوقت الذي أدرك فيه المصريون ما حدث في أوروبا، مع الحملة الفرنسية، ١٧٩٨، لم تكن الطابعة وصلت إلينا. بينما كانت أوروبا على أبواب الثورة الصناعية. وهي أيضًا تاريخ جلل لا يمكن اختزاله، لكنني  – في سياق هذه الرواية عن القيم الطفيفة – سأكتفي بالإشارة إلى قيمة واحدة لم نكن نعرفها قبلها.

كلمة Punctual تعني احترام المواعيد.

المعنى مأخوذ من الفعل الإنجليزي Puncture أو يثقب، ذلك لأن العمال في ظل الثورة الصناعية كان عليهم أن يدخلوا البطاقة الخاصة بهم في ماكينة خاصة تثقبها حسب معاد حضورهم، وتثقبها مرة أخرى حسب موعد مغادرتهم.

لو نظرت حولك إلى الدول التي لم تمر بهذا التطور التكنولوجي ستلاحظ أن تلك القيمة، رغم المديح النظري، تكاد تكون غائبة عمليًا. المجتمع لا يستنكر من يهملها بالقدر الكافي الذي يردعه عن إهمالها. بينما في المجتمعات التي مرت بالثورة الصناعية الموضوع لا يحتمل التهريج، والتأخر عن الموعد سلوك مشين للغاية.

هكذا إذن تمضي سفينة القيم بحمولتها. من مرفأ زمني إلى مرفأ زمني. في المرفأ الأول قبل الميلاد بألفيات كانت السلم الاجتماعي وقيم الزراعة، في مرفأ آخر كانت الفروسية، في مرفأ التنوير تقل قيمة العضلات وتعلو قيمة التفكير. في مرفأ أحدث يعلو سعر قيمة احترام المواعيد.

بقي سؤال بسيط يتكرر: لماذا تقدمت اليابان ولم نتقدم مع أننا بدأنا في نفس التوقيت؟

ميليشيات القيم

ميليشيات القِدَم

٤

عند لحظة أدركت اليابان أن دخولها إلى العصر الحديث يعني استيراد قيمه. لكن كان لديها مشكلة. هذه المنطقة من العالم عاشت معزولة وقتًا طويلًا. كونت قيمها الخاصة. وهذه القيم المتجذرة في المجتمع لها حماة. لا تنس أيضا أن القيم مرتبطة دائمًا بمصالح اقتصادية. (الدين ورجاله ودعاته ومؤسساته في أي مجتمع – مثلا – منظومة اقتصادية كأي منظومة أخرى).

كان على اليابان لكي تنتقل إلى العصر الحديث أن تواجه هؤلاء الحماة، المحاربين الأشداء الذين طالما دانت لهم بالفضل والتوقير، لكنهم الآن يقاومون التحول إلى مجتمع حديث. نعرف هؤلاء من الأفلام، اسمهم الساموراي.

لكن القصة على أرض الواقع مختلفة، قصة صراع دموي بين دولة تريد أن تنشئ جيشًا وطنيًا موحدًا، يلتزم بالإرادة السياسية للدولة، وبين مقاتلين متحزبين في مجموعات، تدين كل منها لسيد، وتحمي مصالحه الإقطاعية. ليس هذا فحسب. بل إن هذه المجتمعات – بسبب ارتباطها بقيم تاريخية متجذرة – تملك سلاح الخطابة. سلاح الكلمات التي تدغدغ المشاعر التي يرضعها كل ياباني من أمه، ويتربى عليها في بيته.

استمر هذا الصراع لأكثر من خمسة عقود. ذاعت فيه جملة تستوقفني كثيرًا – “الخطابة هي المشكلة”.

القصد منها، أن الكلمات التي تلهب المشاعر ليست دائمًا نافعة منطقيًا. قدرتها على إثارة المشاعر مستمدة من أسباب أخرى ذكرتها سابقًا. بالتوازي مع المواجهة العسكرية كانت هناك مواجهة فكرية. هجر فيها اليابانيون الخطب وازدادوا اهتمامًا بدراسة الأرقام.



القصة التي ذكرتها هنا باختصار مخل، لأن الصراع في اليابان له حلقة أخرى لاحقة، تذكرنا بمواجهة محمد علي مع المماليك.

ليتها ذكرتنا بهذا فقط، فهو تاريخ. الأنكى أنها تذكرنا في كل مجتمع في الشرق الأوسط بمواجهة حالية واجبة لكن مؤجلة مع حماة القيم القديمة، ميليشيات الأفكار القديمة المحمية بالسلاح، التي تتحدى انتقال المجتمع إلى العصر الحديث، تارة بنشر الشقاق الطائفي، وتارة بالولاءات الخارجية.

هم أيضًا كالساموراي، يجيدون الخطب، ويتباهون مظهرًا وكلامًا بقيم قديمة لم تعد الأوراق الرابحة التي نبحث عنها. وليتهم حتى يسمحون بالتنافس بين قيمهم وقيم غيرهم. ليتهم يدخلون مباراة الأفكار بنزاهة. بل إنهم يحرصون على أن يكونوا وحدهم في الساحة.

كل هذا وهم يسمون أنفسهم أسماء إيجابية: هؤلاء “إخوان مسلمون” وهؤلاء “حزب الله” هؤلاء “صحويون” وأولئك “بعثيون”. يختلفون في كل شيء إلا القِدَم، والتسلط على الآخرين.

هل تريد أن تتقدم كما تقدمت اليابان!!! ولا بلاش نقوم نذاكر ونبقى نبدأ من الأسبوع الجاي …

في النهاية

سأنجب مزيدا مما تنحازون إليه

لكن هذه قصة أخرى لوقت آخر

ثورة فرانكنشتاين | خالد البري | رواية صحفية في دقائق

سعر الحياة الحلوة | خالد البري | رواية صحفية في دقائق

الحرب الدائرة على أرضنا ولا نراها | خالد البري | رواية صحفية في دقائق

ستكونين أنت الحذاء.. أزمة الاقتصاد المصري في أغنية المهندس حسام | رواية صحفية في دقائق

أولئك هم الرابحون .. كيف يتفاعل الاقتصاد ونفسية المجتمع | خالد البري | رواية صحفية في دقائق

كيف دخل إلى هناك وكيف خرج إلى هنا.. جمال خاشقجي المفقود في الترجمة

مكر، يمكر، ماكرون. كيف خدع رئيس فرنسا الجمهور وألبسه البرنيطة | رواية صحفية في دقائق

الكاذب النبيل لم يدخل دير شبيجل والجارديان عنوة .. السفير الأمريكي نبههم | خالد البري | رواية صحفية في دقائق

بين السياسة والبيولوجي: غرائزنا التي حيرت أديان السماء والأرض| رواية صحفية في دقائق

تنابلة السلطان … الحركة التعليمية التي لم تنل حقها | رواية صحفية في دقائق

رسالة من جهيمان العتيبي إلى محمد بن سلمان .. رواية صحفية في دقائق

Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%8A%D9%85-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%B5%D8%AD%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%AF%D9%82%D8%A7%D8%A6%D9%82">
Twitter