إذا كنت سعيد الحظ بزيارة الكويت في فبراير، ستجدها مكتسيةً بحلة احتفالات (هلا فبراير). على طول شارع الخليج العربي (الكورنيش) تجمع الاحتفالات الكبرى فناني العرب من المحيط إلى الخليج في ظاهرةٍ قد لا تراها في مكانٍ آخر.

في هذا الشهر من كل عام، تحتفل الكويت على مدارِه بعيدي الاستقلال (من الانتداب البريطاني) والتحرير (من الغزو العراقي) يومي 25 و26 منه على الترتيب.

هذا العام يحمل طابعًا خاصًا؛ هو الذكري الـ 60 لعقد الاتفاق الكويتي البريطاني الذي أفضى إلى الاستقلال بعدها بسنة (1961) لينطلق قطار النهضة الاقتصادية والثقافية بسرعة كبيرة.

هذه أيضًا زيارتي الأولى لها منذ تركتها مراهقًا قبل 25 عامًا، وبالتالي كانت فرصة لزيارة أرشيفها الوطني والتجول في عاصمتها القديمة، وتدوين ملاحظاتي على تجربتها كشاهد على جزء منها.

من قلب الكويت المحتلة: كيف عاشت أسرة مصرية الغزو ومواقف مصريين منه | مينا منير

   صراع آل الصباح –عائلات الإخوان 

التسارع الشديد في نهضة جميع مناحي الحياة في الكويت سمح لها في فترة وجيزة بتخلق حالة يمكن وصفها بحضارة خليجية نشأت سريعًا في شمال الخليج العربي وفتحت الباب بعدها بعقود للدول الخليجية الأخرى للاستفادة من خبراتها.

فهم حالة الكويت يكمن في إدراك قوتين تقليديتين ظهرتا على ضفاف جون الكويت[1]: القوة التقدمية (Progressive Force) التي مثلتها عائلة آل صباح، والقوة الرجعية (Regressive Force) من عائلاتٍ حاولت على طول الخط كبح جماح التغيير في جودة الحياة بعد اكتشاف النفط.

تجلى الاختلاف بشكل واضح بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية حينما ارتأى أمير الكويت الشيخ عبد الله السالم الصباح فرصة التفاوض على استقلال الإمارة من بريطانيا المجهدة، وانطواء الحركات الرجعية تحت لواء جماعة الإخوان في نفس الوقت.

من يدرك هذه الثنائية في الواقع الكويت سيفهم تقريبًا كل ما تلاه في الكويت إلى يومنا.

انتصار آل الصباح في تلك المرحلة من المعركة يكمن في خياراتهم التي يجب أن يقف عندها المؤرخون. فأثناء زيارتي أُهديت نسخة من كتابٍ صدر منذ عدة أسابيع يوثق بالتفصيل قصة تجربة الجيل الأول من الكويتيين الذين درسوا مناحي الحياة المختلفة في مصر وعادوا ليقودوا الإمارة الفتية.

غزو الكويت دشن المشروع الإخواني القطري

   بيت الكويت 

كتاب “بيت الكويت في القاهرة: قصة نجاح كويتية” يحكي كيف اتخذ آل الصباح قرارًا صعبًا اجتماعيًا في 1945 بإرسال شباب وفتيات من صحراء الكويت إلى قلب القاهرة لدراسة العلوم الطبيعية والإنسانية، ليحمل هؤلاء على عاتقهم ليس فقط الحصول على شهادات، وإنما فهم نمط التقدم والإدارة السياسية.

وبالرغم من سقوط الملكية في مصر، وتحفظ الإسلاميين على التجربة، لم يزِد آل الصباح إلا إصرارًا، فاشتروا بعد حركة يوليو منزلًا كبيرًا في حي الزمالك، سُمي بعد ذلك “بيت الكويت”، لزيادة عدد المُبتعثين للدراسة، وافتتحه الأمير بصحبة أعضاء مجلس قيادة الثورة.

بعودة الأفواج المتتالية، كما يُظهر الكتاب، باتت الكويت قادرةً على الشروع في بناء دولة حديثة.

قد يظن البعض أن هدف المبتعثين كان استنساخ تجربة مصرية، إلا أن الأمر يبدو لي غير ذلك، فقد نجح آل الصباح فيما فشل فيه عبد الناصر.

أمير الكويت، الذي لم يكن مدرسًا بالكلية الحربية ولم يحصل على ما تحصل عليه عبد الناصر، نجح في الوصول بالمفاوضات مع بريطانيا للحصول على الاستقلال السياسي والاقتصادي، متجنبًا عنتريات وصدامات الحقبة الناصرية.

وبينما كان الجيل الثاني من موجة التأميم سنة 1961 وانعدام الديمقراطية في مصر على أشدها، نجحت الكويت في تأسيس دولتها على الاقتصاد الحر، الذي تلاه مباشرةً في سنتين فقط تأسيس دستور وبرلمان هما الأقدم في الخليج. بذلك يمكننا القول أن التجربة الكويتية كانت من النضج أن تؤسس لخياراتها الحرة في الاستفادة، ولم تكن تابعة.

س/ج في دقائق.. ماذا نعرف عن المنطقة المحايدة بين السعودية و الكويت؟

   ليس بالاقتصاد وحده يحيا الإنسان 

يبدو أن معركة آل الصباح التقدمية حققت انتصارات ملموسة تباعًا، ليس بفضل النجاحات الاقتصادية ولكن لسبب آخر. فبينما دارت رحى تأسيس أول بنك وطني وجامعة وشركات مساهمة في الخليج على أرض الكويت، كانت النهضة الثقافية حصنًا لتأمين تلك النجاحات.

في أرشيف الكويت الوطني في المدينة القديمة، أراني صديق كويتي بقدرٍ من الاعتزاز صورًا لأخبار الكويت وهي ترحب بالسيدة أم كلثوم التي استقبلها الأمير في قصره وباتت زياراتها شبه سنوية.

أما مسرح الكويت، فكان ملفًا طالب الأمير الصباح شخصيًا من الفنان المصري زكي طليمات أن يأتي ويكتبه، فقام طليمات بتدريب أول كادر للمسرح، بل وتأسيس الفرق المسرحية في مدارس الكويت بنفسه.

أما الفيلسوف والأكاديمي المصري فؤاد زكريا، فقد انتُدب إلى الكويت لتأسيس عدة دوريات بحثية، وأشهرها للقارئ العربي عمومًا سلسلة دار المعارف التي كان لها أثر كبير على الثقافة العربية، ومصر نفسها.

ثمار تأسيس دولة المؤسسات تظهر في قدرة الكويتيين على التعاطي مع قضية النقد الذاتي، أتذكر في الثمانينيات مثلاً مسرحية “باي باي لندن” والتي كانت من ضمن عدة مسرحيات قدمها تلميذ زكي طليمات، الفنان القدير عبد الحسين عبد الرضا، وفيها نقد لاذع لحياة الترف والبذخ في الإنفاق الذي يقوم به الكويتيون خاصةً في بريطانيا، وجهتهم الرئيسية لعقود.

في الكويت أيضًا تجد حالة فريدة، ففيها كنيسة وطنية قد لا يعرف عنها الكثيرون، حيث أن هناك عائلات كويتية مسيحية وبالإضافة إلى البحرين، فإن كنيسة الكويت مُعترف بها كمؤسسة دينية رسمية، الأمر الذي أكسب الكويتيين صبغة فريدة في التعاطي مع قضايا التعددية، الأمر الذي يشمل أيضًا حالة التعايش السياسي والاجتماعي الفريد بين شيعتها وسنّتها.

القس عمانوئيل غريب راعي الكنيسة الكويتية

   هل شاخت التجربة الكويتية؟ 

الواقعية الكويتية تتجلى في سياستها، فبالرغم من وضوح مواقفها من قضايا سياسية كبرى، كحرب أكتوبر التي أرسلت فيه تلك الإمارة الصغيرة لواءً كاملًا (اليرموك) للدفاع في ثغرة الدفرسوار واستضافة مؤتمر الكويت الذي أعلن منه قطع إمدادات النفط عن أمريكا ثم تبعتها باقي الدول، إلا أنها تعلمت من مأساتها في حرب الخليج أن تتأنى في التعاطي مع الوضع.

سياسة الـ Realpolitik تجعلها دائمًا الجهة التي تنسق مع القوى الإقليمية وتفتح بابا للتفاوض بالرغم من موقفها السياسي حيال قضية ما.

في تقديري تشبه سياساتها دور سويسرا التي تشجب بصدق مواقف سياسية لإيران إلا أنها تأخذ على عاتقها فتح قنوات التواصل بين طهران والغرب.

الكويت التي ذكّرت قطر مرارًا بأن عدم مقاطعتها لا يعني نسيانها للتحريض المنظم على آل الصباح عبر منابرها الإعلامية، هي نفسها التي قطعت أيدي الخلايا الإخوانية على أرضها، إلا أن الحاجة لفتح قنوات غير مباشرة بين القوى المختلفة يتطلب من الدولة التي اكتسبت صورة ودور سويسرا في السياسة الإقليمية أن تقوم بفتح تلك القنوات.

ولكن هل شاخت الكويت؟ يبدو لي أن المعركة مع القوى الرجعية ليست دائمًا في صالح التقدميين، وإن الحاجة اليوم ليست بناء المزيد من ناطحات السحاب والمشاريع الاقتصادية الكبرى فقط، ولكن في استلهام تجربة تأسيس الكويت التي باتت تاريخًا بعيدًا عن الجيل الجديد الذي فقد التواصل، في تقديري الشخصي، مع الرعيل الأول الذي عاش الألم والأمل وتعلم من تجربة الحياة ما لا يعرفه الجيل الحالي.

بعد 70 عامًا من التوغل.. هل تسقط “خلية مصر” إمبراطورية إخوان الكويت؟ | س/ج في دقائق

[1]  الكويت بدأت ميناءً صغيرًا يُدعى بالكوت، على لسان بحري داخل أرضها يُسمى بجون الكويت.


 


Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%8A%D8%AA-%D9%86%D9%87%D8%B6%D8%A9-%D8%A8%D8%AF%D8%A3%D8%AA-%D9%85%D9%86-%D9%85%D8%B5%D8%B1">
Twitter
Close Bitnami banner
Bitnami