daqaeq.net

المعرفة في دقائق

الصورة من قلب الحدث تحمل من التفاصيل أكثر مما تبدو من بعيد. العديد من التقارير الإعلامية أكدت نقل تركيا المئات من الميليشيات السورية المتحالفة معها إلى ليبيا لدعم حكومة طرابلس بقيادة فايز السراج. لكن التفاصيل الدقيقة حول هوية هؤلاء المقاتلين وأسباب انتقالهم إلى دولة جديدة بالوكالة عن دولة أخرى للحرب دفاعًا عن سياسيين ربما لم يعرفوا عنهم إلا القليل قبل ذلك بقيت غامضة. جانب من تلك التفاصيل كشفه حوار أجراه الصحفي المتخصص في الشؤون الليبية فريدريك وهري بين خطوط القتال التي تنخرط فيها الميليشيات السورية المتحالفة مع تركيا في ليبيا. مجلة نيويورك ريفيو أوف بوكس نشرت الحوار، ونحن نلخص لكم أبعاد الصورة من خلاله في دقائق.
مقاتل نحيف يبلغ من العمر 34 عامًا، يربط عصابة حول رأسه، وسترة تكتيكية خضراء زيتونية، تحمل بعض التأثيرات العسكرية، يبدو من مظهره أنه ليس ليبيًا. يقيم المقاتل مع رفقائه السوريين في فيلا من الخرسانة المصبوبة بالقرب من أماكن الاشتباك. "أحمد" ضابط سابق في الجيش السوري الرسمي، يشارك ضمن خمسمئة مقاتل في هذه النقطة، أكد أنه جزء من فرقة أكبر تضم حوالي ألفين من عناصر الميليشيات السورية بدأوا في الوصول قبل شهر إلى جانب أفراد عسكريين أتراك. قال إن هناك خططا لنقل ستة آلاف مقاتل سوري إضافي ووعود براتب شهري كبير - ألفي دولار في الشهر- وعروض الجنسية التركية، على الرغم من أن أحمد قال إنه حصل على هذه الجنسية قبل أكثر من خمس سنوات.

بالنسبة لأحمد وغيره من السوريين الموجودين في نفس الغرفة فإن الانتماء إلى تركيا له جذور عميقة: من الناحية العرقية هم من التركمان السوريين الذين تربطهم علاقات أجداد مع تركيا. كما أنهم جزء من ميليشيا سورية أكبر مدعومة من تركيا تسمى فرقة السلطان مراد التي سميت باسم حاكم عثماني وتضم العديد من التركمان ومتهمة بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان. يقول أحمد: "أنا أنتمي إلى الجيش التركي، لدينا جميعًا منازل في إسطنبول أو غازي عنتاب". ولد في ريف حلب لأب تركماني وأم سورية وكان ملازمًا في القوات الخاصة السورية قبل انشقاقه في عام 2011 مع بداية الثورة السورية. قبل مجيئه إلى ليبيا حارب أحمد وزملاؤه السوريون في الجيش السوري الحر ضد الجيش السوري النظامي في حلب وحمص والقصير وإدلب. وذلك بعد أن سجنته جبهة النصرة 9 أشهر.

قال المقاتلون السوريون في ليبيا إنهم وصلوا إلى هناك عبر مطار طرابلس، الوحيد الذي لا يزال عاملا، على متن طائرة عسكرية تركية من إسطنبول. ويتلقون أوامرهم من غرفة العمليات في ذلك المطار والتي تضم كادرًا من الضباط الأتراك الذين يعملون مع قادة الميليشيات السورية والليبية. كان أحد هؤلاء القادة الليبيين مضيف أحمد على الجبهة وهو مهندس سابق يدعى محمد الدرات الذي قاد المقاتلين في معارك متعددة منذ عام 2011. الدرات أيضًا نسق مع الأمريكان في عام 2016 لقتال داعش، لكن الولايات المتحدة سحبت الوحدة العسكرية الصغيرة التي كانت تعمل مع قوات حكومة الوفاق في العاصمة بعد أن بدأ هجوم حفتر العام الماضي.

الانسحاب الأمريكي خلق حالة من القلق في حكومة طرابلس، فعقدت اتفاقها مع إردوغان لإرسال ميليشيات سورية في تعزيز الروح المعنوية للحكومة. قال الدرات لأحمد: "نحن نشعر بمزيد من الثقة الآن"، واصفا كيف اندمج السوريون بسرعة مع الميليشيات الليبية، وتبادل المهام في ساحة المعركة وسد الفجوات بين الأفراد عبر خط المواجهة الذي يدور حول العاصمة. وأوضح أنه بمجرد التعرف على التضاريس المحلية سوف يشارك عناصر الميليشيات السورية في هجوم مضاد مع ميليشيات حكومة الوفاق الوطني. قال القائد السوري وهو يشبك أصابعه "نحن مختلطون تمامًا". وهو يعترف بأنه في حين أن بعض السوريين هم من قدامى المحاربين الذين تم اختيارهم من صفوف القوات المسلحة للأسد، فإن البعض الآخر مدنيون، لديهم سنوات من الخبرة القتالية في الحرب الأهلية السورية ولكن دون تدريب عسكري رسمي. وفي محاولة لإحباط تكرار اتهامات انتهاكات حقوق الإنسان التي تلاحق الميلشيات السورية- التابعة لتركيا في كل مكان منذ عملياتها في شمالي سوريا- في ليبيا رافقت قوة شرطة داخلية المقاتلين لفرض الانضباط. رئيس ما يسمى بمجلس الدولة في ليبيا، خالد المشري، يقول أنه لا يوجد سوريون في حد ذاتهم وأنما هم تركمان فقط، وأنهم كانوا يعملون فقط كخبراء لوجستيين ومترجمين وليس كقوات قتالية، وهو تأكيد يناقض ما قاله القادة في الجبهة عن انخراط المقاتلين السوريين مع الليبيين.

مقارنة بالظروف في سوريا التي مزقتها الحرب، فإن نشر السوريين في ليبيا يبدو سهلاً نسبيًا في الوقت الحالي. بدا أحمد مرتاحا وهو يرتدي سترة صوفية فقد كان لديه وقت ليقضيه على جهاز المشي في الفيلا التي يسكنها. وادعى أحمد أن الخسائر في صفوف الميليشيات السورية حتى الآن شخص واحد فقط، على الرغم من أن مصادر المعارضة السورية قدرت الرقم أعلى وهو 28 قتيلا. وعلى الرغم من أن الهدنة الهشة بين قوات حكومة الوفاق وقوات الجيش الوطني موجودة منذ عدة أسابيع، فلا يزال هناك قصف متقطع وغارات جوية ونيران قناصة. ادعى أحمد شرعية دور السوريين في ليبيا وقال "لسنا مرتزقة"، مضيفا "تلقينا دعوة من الجيش الليبي والشعب الليبي، ونحن نعارض الدكتاتورية". ومع ذلك، فإن هذه القصة الإيثارية لا تدعمها بالكامل مصادر سورية أخرى. إنهم يشكون من أن التدخل التركي في ليبيا غرضه صرف الانتباه عن المعركة ضد الجيش السوري خاصة في آخر معاقل المتمردين إدلب. أحد المحللين في تركيا المقربين من المعارضة السورية يقول إن "هذه العملية -في ليبيا-تسببت في شقاق واضح بين فصائل المعارضة ... لقد جاءت في وقت كانت إدلب تعاني فيه وتحتاج إلى المقاتلين السوريين". وعلاوة على ذلك تشير بعض الروايات إلى أن الحرمان الاقتصادي في سوريا وتركيا من الرواتب والفوائد الفخمة كانت عوامل رئيسية وراء موافقة السوريين على الذهاب إلى ليبيا. أحمد الذي لديه ثلاث بنات في المنزل. اعترف بأنه سيواصل القتال ليس فقط في ليبيا ولكن "أينما أقتضى الأمر".

يقول أحمد عن المدة التي يتوقعون البقاء فيها: "ما دامت هناك حاجة إلينا". وأضح "لا نريد أن يتم تدمير ليبيا مثل سوريا". وقال إن منع هذه النتيجة يعني مواجهة الدولة الأجنبية التي قادت مجريات معركة طرابلس لصالح حفتر في أواخر العام الماضي -عدو مرير يعرفونه جيدًا. وقال "بالنسبة لنا روسيا هي أكبر عدو". ويدعي أحمد أن أحد مقاتليه قتل قبل يومين فقط قناصًا روسيًا ليس بعيدًا عن الفيلا -رغم أنه لم يقدم أي دليل سوى صورة بندقية استعادوها. لقد كان شكلاً من أشكال الانتقام لهؤلاء السوريين الذين شاهدوا مدنهم تدمرها القنابل الروسية. بدا أحمد غير مبال بكونه بيدقا في اللعبة. وقال إن المحادثات التركية الروسية كانت "فقط للإعلام" و "بين الرؤساء". ومع ذلك فقد كان يدرك بشكل مؤلم كيف يمكن للقوى العظمى أن تبيع الحلفاء المحليين. قال لي "لقد أعطى العالم إدلب للروس"، متجاهلاً تورط تركيا في هذه الخيانة المفترضة. سخر أحمد من فكرة وجود وقف لإطلاق النار. وتوقع أحمد أن يتصاعد القتال ضد الروس إذا أوصى -كما يتوقع- بوتين قوات فاجنر بمساعدة حفتر.