في سعيها للثأر الكلاسيكي، طريق تركيا لم يعد ذاته طريق الناتو. الثقة باتت معدومة، لكن طردها مستحيل.

ماكرون يرى أن أوروبا تتعامل لأول مرة مع رئيس أمريكي لا يشاركها المشروع الأوروبي.. ينادي بسيادة بروكسل بعيدًا عن واشنطن.

مشروع ماكرون يتضمن إعادة رسم مسار القارة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا.. الأوروبيون لا يرغبون في هذا الشكل، وتحديدًا بقيادة فرنسا.

س/ج في دقائق


التحول العالمي.. ما وضع ثنائية أوروبا – الناتو فيه؟

“العالم يمر بعملية إعادة تنظيم كبرى”.. تعبير استخدمه رئيس حكومة المجر (عضو الناتو – الاتحاد الأوروبي) فيكتور أوربان في استقبال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 2017. بوتين وصف المجر بـ “شريك مهم وموثوق به في أوروبا”.

روسيا - تركيا.. الثأر الكلاسيكي للإمبراطوريات القديمة

في عملية إعادة التنظيم تلك، تقول ناشونال ريفيو إن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يريد “الثأر الكلاسيكي” عبر استعادة الإمبراطورية العثمانية، وعلى نفس المنوال، يود بوتين استعادة الإمبراطورية الروسية، لكنهما لا يملكان القوة الاقتصادية لتحقيق الهدف.

أوربان كان الزعيم الأوروبي الوحيد الذي حضر تنصيب إردوغان لولايته الحالية، بعد هجوم تركيا الأخير في سوريا، أحبطت المجر نفسها قرارات الاتحاد الأوروبي ضد العملية.

من الزاوية الأخرى، يظهر التخوف الأوروبي. يحذر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون – في حوار الإيكونوميست – من اختفاء أوروبا جيوسياسيًا على المدى البعيد إن لم تسيطر على مصيرها، ويرى أن القارة تواجه وحدها نهضة الصين واستبدادية الأنظمة في روسيا وتركيا، وتضعف من الداخل بسبب البريكزيت وغياب الاستقرار السياسي.

إحدى مظاهر التهديد في نظر ماكرون كانت ضعف الناتو.. يقول ماكرون إن أوروبا تتعامل لأول مرة مع رئيس أمريكي لا يشاركها المشروع الأوروبي، بما يجعل الاعتماد على الولايات المتحدة لحماية حلفاء الناتو غير ممكن، داعيًا القارة لإعادة تقييم واقع التحالف في ضوء التزام الولايات المتحدة.

في الشرق الأوسط وأفريقيا.. بوتين أبعد روسيا عن الهامش، لكنه لم يوصلها للقلب | س/ج في دقائق


ما دور تركيا في خلق معضلة الناتو؟

بجانب مشكلات ترامب مع تحمل الولايات المتحدة النصيب الأكبر في تمويل الحلف، تخلق عضوية تركيا مشكلات إضافية.

جسم دخيل مشكوك في أمره

تركيا – التي يراها ماكرون نظامًا استبداديًا – عضو غريب على الناتو منذ البداية. لكن ما كان واضحًا لسنوات ازداد وضوحًا مؤخرًا، بوصف ناشونال ريفيو.

ثقة الناتو – خصوصًا الولايات المتحدة – في تركيا منخفضة تمامًا. أسباب غياب الثقة متعددة، ليس أولها اعتقال القس الإنجيلي الأمريكي أندرو برانسون، ولا آخرها الهجوم على حلفاء واشنطن الأكراد في سوريا، الذي هدد ترامب على أثره بتدمير اقتصاد تركيا بالكامل إذا تجاوزت الحدود، في لغة تحذير استثنائية بين حلفاء الناتو.

خلال الهجوم، أطلق الجيش التركي النار على قوات أمريكية في سوريا فيما يقول ضباط أمريكيون إنها لم تكن صدفة.. كانوا يوجهون “صفعة عثمانية” إعلانًا عن شرطي جديد في المنطقة.

تعبير الصفعة استخدمه إردوغان في خطاب عام 2018 ردًا على جنرال أمريكي حذر تركيا من الاشتباك مع الأمريكيين في سوريا.

بعدها، اجتمع إردوغان مع “صديقه العزيز” بوتين في سوتشي، حيث توصلا لصفقة جديدة لتحديد من يحكم في سوريا. الصفقة الأولى شهدت شراء منظومة S-400 رغم اعتراضات حلفاء الناتو. لترد الولايات المتحدة بطرد تركيا من برنامج F-35.

لدى إردوغان بالمقابل بطاقة يلاعب بها حلفاء الناتو في أوروبا.. اللاجئين تركيا تستضيف 3.6 مليون لاجئ سوري يهدد بإطلاقهم نحو أوروبا إذا لم ترضخ لرغباته.

ورغم التهديد، حظرت ألمانيا وفرنسا والسويد وفنلندا (أعضاء الاتحاد الأوروبي) تصدير الأسلحة إلى تركيا، واقترحت دول أوروبية قرارًا في مجلس الأمن ضد تركيا. لكن روسيا والولايات المتحدة عرقلتا القرار.. ليحمل المشهد عنوان “الاتحاد الأوروبي يقف بمفرده ضد الولايات المتحدة وروسيا بشأن سوريا”.

الدليل الأهم على انعدام الثقة في شريك الناتو كان عملية قتل زعيم داعش أبو بكر البغدادي، الذي كان يختبئ قرب الحدود التركية.  الولايات المتحدة لم تبلغ تركيا بالعملية، وفضلت انطلاق عملية أكثر تعقيدًا وخطورة ووقتًا من قاعدة جوية قرب أربيل (تعرضت خلالها لإطلاق نار) على استخدام إنجرليك التركية الأقرب كثيرًا إلى الهدف.

باقٍ رغم أنف الجميع

الناتو بحسب ديباجة ميثاقه ليس مجرد تحالف عسكري مكرس لـ “الدفاع الجماعي”، لكنها يحمل فلسفة سياسية تلزم الأعضاء بحماية الحريات والديمقراطية وسيادة القانون. تركيا لم تكن ديمقراطية نموذجية، لكن الناتو تنازل عن الشرط.

البرتغال – بين الأعضاء الأوائل – لم تلبي الشرط، لكن مؤسسي التحالف رجحوا أهميتها الاستراتيجية.. لتركيا نفس الأهمية.. جسر بين أوروبا وآسيا، تحد المنطقة الناطقة بالعربية وإيران، والبحر الأسود وبحر إيجة والبحر المتوسط.

تركيا – ذات الأغلبية المسلمة – تفيد في النزاعات الدولية. أي إجراء تشارك فيه سيكون “أقل معاداة للمسلمين”.

لكن وضع تركيا لم يعد مريحًا. إردوغان – الذي حاول الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي باعتبار أوروبا “المكان الصحيح” لبلاده التي اعتبرها نموذجًا لتوافق الإسلام والديمقراطية وسيادة القانون والعلمانية والحريات الأساسية” – بنى نظامًا سلطويًا يجمع مساوئ القومية والإسلام السياسي، وتلقى محاولة انقلاب 2016 كـ “هدية من الله” لتقريب حلم “تركيا الجديدة”، التي كان من بين إجراءاتها استدعاء الضباط الأتراك هيكل قيادة الناتو واعتقال مئات منهم باعتبارهم “أطلسيين”.

يشعر إردوغان أن حلفاء الناتو – خصوصًا الولايات المتحدة – لا يحترمون مخاوفه ولا يعاملونه كزميل. كتب صراحة في نيويورك تايمز في 2018، أن على واشنطن التخلي عن الاعتقاد بأن العلاقة يمكن أن تقوم على غير التكافؤ، واليقين بأن تركيا تملك خيارات بديلة، قبل فوات الأوان.

رغم إشارات بعضها رسمي، ميثاق الناتو لا يسمح بطرد تركيا. تعديل المعاهدة لتسمح بذلك يتطلب إجماعًا؛ أي أن تركيا يجب أن توافق على طردها.

S-400: “أسرار الناتو في يد روسيا”.. كيف يتعامل ترامب مع أردوغان؟ | س/ج في دقائق


ما البديل الذي تقدمه فرنسا لتلك الصيغة؟

يقول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الاتحاد الأوروبي فقد هدفه السياسي تدريجيًا منذ التسعينيات؛ حيث ركزت أوروبا على توسيع السوق وتنظيمه، مدعومة بضمان الدفاع الأمريكي، ما قدم وهمًا بالاستقرار الأبدي، لكن تراجع الولايات المتحدة – السابق لانتخاب ترامب – تدريجيًا عن الاهتمام بأوروبا والشرق الأوسط، إلى جانب سياسات الحماية الاقتصادية الجديدة، كشف ضعف أوروبا.

المطلوب سيادة أوروبا دون حاجة لأحد

موقف ترامب من خطر أسرى داعش في سوريا باعتبارهم أقرب للهجوم على أوروبا لا الولايات المتحدة كان نذيرًا بحسب ماكرون، الذي يقول إن التنسيق غائب تمامًا بين الولايات المتحدة وحلفاء الناتو. في منطقة تتعرض فيها مصالح الشركاء للخطر، بما يفرض على أوروبا التفكير في جدوى الناتو لتحقيق أهدافها، وأن تعمل على توحيد نفسها.

يجادل بأن أوروبا تواجه لحظة شبه وجودية، حيث ينتقل العالم من نظام عالمي قائم على قواعد إلى نظام تحدده سياسات القوة الخشنة.

المطلوب هو “السيادة الأوروبية”: القدرة الجماعية على الدفاع عن المصالح والأمن والخصوصية والذكاء الاصطناعي والبيانات والبيئة والصناعة والتجارة وما إلى ذلك – بطريقة استراتيجية.

يرى أن أوروبا بحاجة للتفكير والتصرف ليس فقط كمجموعة اقتصادية مشروعها الرئيسي توسيع السوق، لكن كقوة استراتيجية تستعيد “السيادة العسكرية”، وتعيد فتح حوار مع روسيا رغم شكوك بولندا وغيرها من دول الكتلة السوفييتية السابقة.

يقول إن الاتحاد الأوروبي يحتاج لتطوير قوة عسكرية خاصة، والعمل ككتلة سياسية، مع سياسات جديدة في مجال التكنولوجيا والبيانات وتغير المناخ.

 جيش أوروبا المستقل .. أكبر من مجرد فكرة عسكرية .. فهل أوروبا جادة في تأسيسه؟| دقائق.نت


أزمة الطالب والمطلوب.. هل ينجح ماكرون في تسويق طرحه؟

ماكرون نموذج للزعيم الطموح للديمقراطية الليبرالية التي تملك قوة نووية، ووجود عسكري يصل من أوروبا إلى المحيط الهادي، عضو دائم في مجلس الأمن، مع سلطات تنفيذية قوية وأغلبية برلمانية مريحة. قارن هذا مع معاناة بريطانيا وألمانيا المختلة وظيفيًا المتعثرة اقتصاديًا، وإيطاليا وإسبانيا اللتين ضربهما الشلل السياسي.

ماكرون البديل الأقوى.. لكن مقبوليته مشكوك بأمرها

قد تكون النتيجة أن القيادة في أوروبا يمكن أن تؤول إلى فرنسا. يقول بنيامين حداد من المجلس الأطلسي في واشنطن إن ماكرون في وضع جيد ليصبح افتراضيًا قائد الدبلوماسية الأوروبية الجديد.

بالتأكيد، لا يستطيع ماكرون التنافس مع ميركل على الخبرة. لكنه أقام علاقات مع العديد من زعماء العالم. منذ توليه منصبه، قام بـ 101 رحلة إلى أكثر من 50 دولة مختلفة، بما في ذلك أماكن (من نيجيريا إلى الهند) خارج المجال التقليدي لفرنسا. زار الصين مرتين، واستقبل ترامب أربع مرات.

بعض اللهجات في أوروبا بدأت التحول بالتقارب مع رؤيته. تقول رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إنها تسعى لإدارة مفوضية “جيوسياسية”. رئيس الوزراء الهولندي مارك روته يقول إن “الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى فحص واقعي”. حتى ميركل قالت إن الأوقات التي يمكن لأوروبا الاعتماد فيها على الآخرين فيما يتعلق بأمنهم قد ولت.

بالمقابل، طموحات ماكرون ليست جديدة.. رؤساء الجمهورية الخامسة سبقوه دون جدوى. هو كذلك متهم بالتصرف الأحادي أحيانًا، أو التصرف البعيد عن المتناول في أحيان أخرى. ألمانيا والعديد من دول الاتحاد الأوروبي الأخرى ليست مرتاحة لاحتمال القيادة الفرنسية، وترى أن ماكرون مستعد تمامًا للتعاون، طالما أنه بشروط فرنسية. المخاوف وجدت أرضًا عبر استخدام فرنسا حق الفيتو مؤخرًا مع بداية محادثات الانضمام مع مقدونيا الشمالية وألبانيا. أدان الأوروبيون هذا الأمر تمامًا على أنه نوع من الفشل في التفكير الجيو-استراتيجي الذي يتهم ماكرون الآخرين به.

الدبلوماسية الماكرونية.. هل تسود فرنسا أوروبا من بوابة إيران؟ | س/ج في دقائق

عقبات تاريخية تواجه مشروع ماكرون

رؤساء فرنسا السابقون جادلوا بأن على أوروبا الاعتماد على فرنسا لا الولايات المتحدة. لكن اللبنات الأساسية بدائية. مغادرة الولايات المتحدة ستترك ثقوبًا شاسعة في مناطق مثل الدفاع الجوي والصاروخي والاستخبارات والمراقبة والتزود بالوقود الجوي. ميزانيتها العسكرية ضعف حجم بقية دول الناتو مجتمعة. ستتردد الحكومات الأوروبية في سد الفجوة، لأن لها أولويات أخرى.

الجيش الأوروبي الموحد يواجه عقبات كذلك. تركيبة الاتحاد الأوروبي تتضمن ترتيبات بين الدول دون أي هيمنة، كيف تحصل إذن على موافقة 27 دولة – بالإضافة إلى بريطانيا – وهي قوة كبيرة موجودة الآن في منطقة الرحيل – للموافقة على بناء قوات مسلحة موحدة؟

بعض الدول، بما في ذلك بولندا ودول البلطيق، قلقة من فكرة الانفصال عن الولايات المتحدة والانفتاح على روسيا. أما الآخرون، بما في ذلك ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، فهم متورطون في مشكلات داخلية تغنيهم عن رفاهية التفكير في صياغة رؤية عالمية كبرى.

مع ذلك، الجزء الصعب حقًا من رؤية ماكرون ينطوي على خطوة تغيير لأوروبا يصعب للغاية رؤيتها تحدث على عجل. هذا يعني تحويل كتلة تستخدم ثقل سوقها لتطبيق القواعد والمعايير – ونشر قدرتها الدفاعية في المقام الأول لأغراض إدارة الأزمات – إلى كتلة يمكنها إبراز القوة والتصرف بشكل جماعي كقوة عسكرية. يعترف ماكرون بصعوبة الأمر، معترفًا بأن “أوروبا لم تثبت مصداقيتها بعد”. لكنه يصر على أننا “نحرز تقدمًا” وأن “المواقف تتغير”.

طموحات ماكرون من أجل “السيادة الأوروبية” مكبلة بمزيج من الانقسامات الأوروبية، البريكزيت، الجمود الألماني والشكوك العالقة في الفرنسيين. أو أن سلوكه الدؤوب يقلل من تأثيره. يقول أولريش سبيك، من صندوق مارشال الألماني: “لدى ماكرون كل شيء في مكانه لبناء أوروبا التي تركز على فرنسا”. “من الناحية الاستراتيجية، فهو محق في ذلك كثيرًا، لكن من الناحية التشغيلية لا يعمل بما يكفي مع شركاء آخرين.” كما أنه ليس من الواضح إن كانت  أوروبا أصلًا بحاجة إلى سد فجوة القيادة.

في السياسة والاقتصاد والأيديولوجيا.. تأثيرات عالم ما بعد البريكزيت ستطال الجميع | مينا منير

ليبيا وأخواتها.. هل أظهرت عجز الاتحاد الأوروبي أم قوته؟ وهل يمكن التعويل عليه؟ | س/ج في دقائق


مكر، يمكر، ماكرون. كيف خدع رئيس فرنسا الجمهور وألبسه البرنيطة | رواية صحفية في دقائق

الاحتجاجات تشعل العالم فجأة.. هل من نظرية موحدة للتفسير؟ | س/ ج في دقائق

الإيكونوميست: روسيا لم تعد قوة عالمية.. باتت مجرد تابع ضعيف ومستسلم للصين | س/ج في دقائق


Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:
اشترك في قناتنا على يوتيوب
شاهد أيضا
المعرفة في دقائق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%AA%D9%88-%D9%85%D8%A7%D9%83%D8%B1%D9%88%D9%86">
Twitter