بين الحين والآخر نسمع إشارات مقتضبة في كتابات المؤرخين العسكريين أو حتى في أعمال الدراما عن سلاح مخيف صممته إسرائيل كجزء من خط بارليف لصد أي هجوم مصري مضاد.

في تلك الإشارات، يقال إن السلاح – أنابيب النابالم – عبارة عن شبكة مواسير تقبع تحت مياه قناة السويس، فإذا عبر المصريون، تضخ المواسير مادة النابالم الحارقة لتفتح أبواب الجحيم في القناة.


   صمت الجانبين 

بعيدًا عن الأعمال الدرامية الكاريكاتورية في تعاملها مع التاريخ (مثل المشهد السابق)، فالمعلومات المتوفرة عن السلاح الفتاك أقل كثيرًا مما يجب أن تكون عليه حال كان وجوده حقيقة.

الشذرات التي نجدها في مذكرات المشير محمد عبد الغني الجمسي وغيره لا تفي بالغرض.

وفي وجود الجمسي نفسه، فإن الفريق حسن أبو سعدة، قائد الفرقة الثانية مشاة التي كانت أول من عبر القناة، يذكر معلومات بسيطة عن سلاح يبدو أنه لم يكن ذا قيمة، وأن ما قيل عن خرائط ترصد المنظومة كان “مبالغًا فيه”.

الصمت كان مطبقًا في الجانب الإسرائيلي، في الوثائق أو – بقدر معرفتي – في المذكرات العسكرية.

السبب مرتبط بالتجريم الدولي لاستخدام أسلحة مواد حارقة Incendiary Weapons (والنابالم تحديدًا)، وبالتالي فإن الحديث عنه قد يجلب إدانة دولية.

الإدانة صدرت بالفعل حتى دون كشف الكثير. الصين تحركت بناءً على معلوماتها الاستخبارية الأولية بخصوص استخدام إسرائيل للسلاح في حرب أكتوبر، وأدانته في أولى جلسات مجلس الأمن الخاصة بالاستماع للجنة التقصي في نوفمبر 1973، كانت سبقته مطالبات من سبع دول أثناء عملية وقف القتال بإيقاف استخدام إسرائيل للمواد الحارقة.

مشروعة إدانة مجلس الأمن لاستخدام المواد الحارقة في حرب أكتوبر 1973

أما مجلة وزارة الدفاع الإسرائيلية، فقد تحدثت عن السلاح في مقال ساخر عن هذا السلاح، ليس من خلال معلومات إسرائيلية، بل من شهادة الجمسي. ونظرًا لعدم استخدام السلاح في الحرب، فقد تبين للكاتب أنه كان سلاحًا فاشلًا، كما يُظهر الكاريكاتير:

ممكن ولاعة لأشعل قناة السويس؟

شهادة الجمسي والحلول التي قدمها للتغلب على السلاح، كما ظهرت في مقال وزارة الدفاع الإسرائيلية


وثائق صادمة عن حرب أكتوبر: مع من تحالفت موسكو وواشنطن؟ وكيف ردت السعودية؟ | مينا منير


   النور الساطع 

الاستراتيجية المصرية في حرب أكتوبر – دانيال أشير

بين الإشارات المقتضبة والصمت المتعمد، صدر قريبًا كتاب من تأليف دانيال أشير وتقديم شلومو جازيت حول الاستراتيجية المصرية في حرب أكتوبر.

أشير كان ضابطًا في المخابرات الحربية الإسرائيلية (AMAN). خدم على الجبهة المصرية بين حربيّ 67 و73، أما جازيت فتولى رئاسة المخابرات الحربية بعد الحرب.

الكتاب يقدم شرحًا مفصلًا يعيد توصيف أنابيب النابالم كسلاح فتاك خطير حمل اسم “النور الساطع אור יקרות”، الذي أشرف أشير نفسه على إعداده وتركيبه – ثم تجربته – في تحصينات خط بارليف.

يكشف أن السلاح لم يكن بسيطًا أو هامشيًا، وأن إسرائيل أنفقت أموالًا طائلة عليه، وأشرفت عليه المخابرات الحربية سرًا.

النور الساطع – بحسب الكتاب – كان يضم خزانات كصهاريج الوقود، مختبئة داخل وأسفل التباب والسواتر الترابية، في أماكن محددة (وليس بطول القناة) ذات أعماق منخفضة تصلح لعبور المصريين.

تحوي الصهاريج مواد النابالم شديدة الاشتعال، ممتزجةً بمواد نفطية عالية اللزوجة قادرة على دفعها بسرعة للطفو على سطح القناة، وبشرارة كهربية تُعطى عند بدء الهجوم المصري المتوقع، تتحول القناة إلى جحيم بدرجة حرارة تصل 700 درجة مئوية خلال ثوان معدودة، قادرة على حرق الجنود المصريين أحياءً قبل الوصول لمسافة قريبة (Dirt Embankment) من الضفة الشرقية.


   تجربة التخويف 

جربت إسرائيل النور الساطع بالفعل في 28 فبراير 1971 بإشراف أشير، الذي كان مسؤولًا أيضًا – بحكم منصبه المخابراتي – عن معرفة مدى المعلومات التي ربما تكون قد تسربت إلى المصريين عن السلاح، وتقديراتهم لما وصلت إليه الأمور.

تجربة النور الساطع في 28 فبراير 1971– ويظهر أشير في الصورة (على اليمين)

لم يكن هدف التجربة التأكد من فاعلية المنظومة وحسب، بل إخافة المصريين الذين كانوا يشاهدون اللهب القادم من القناة بالتأكيد.

كان على أشير بعدها مراقبة رد فعل المصريين: هل أثر الأمر عليهم سيكولوجيًا كما توقع؟

ما يعرفه لاحقًا أن مصر بادرت بجمع معلومات استطلاعية بعد التجربة مباشرةً، وفي مايو (كما يقتبس هو من مذكرات الفريق سعد الدين الشاذلي) يضع الفريق الهندسي في المخابرات الحربية نتائج الاستطلاع ومقترحاتهم للتعامل معها على مكتبه.

الشاذلي رأى أن كل الحلول المقترحة من الفريق الهندسي لإبطال مفعول الأنظمة أثناء القتال غير مقبولة؛ كونها غير مضمونة، وستبطئ الهجوم، وتيقن أن الحل يجب أن يكون من وراء المنظومة بإبطالها بعد فهم ماهيتها من الداخل، الأمر الذي كان من الصعب على الاستطلاع معرفته.

يدرك أشير أن الملف بات في عهدة المخابرات العامة المصرية، ويعرف من وثائق اطلع عليها أن المخابرات نجحت في الحصول على صورة كاملة للمنظومة.

أولاً:

أن معظمها غير فعال وأنه مجرد هياكل فارغة متروكة لإخافة المصريين، بينما الفاعلية الحقيقية لا تتجاوز ثلاثة أنظمة.

ثانيًا:

أمدت المخابرات العامة القوات المسلحة بالتكوين الخاص بالسلاح في عملية مخابراتية يصفها أشير بأنها دقيقة و”حسنة جدًا”.

وبالفعل، في فبراير 1972 توصل أشير إلى أن دراسة مفصلة أجراها مهندسون في أكاديمية ناصر تكشف اطلاع المخابرات العامة على كل تفصيلة، بما في ذلك الاسم الكودي للمنظومة. الأمر كان صادمًا، لكن الإجابة على أسئلة التفاصيل لم تكن متوفرة عند أشير.


   رفعت الجمال 

تكتمل الصورة – التي لم يكملها أشير – بمقارنة الروايات مع ما لدينا من أحد المصادر الخاصة بنشاط الجاسوس المصري رفعت الجمال.

الجمال تلقى أمرًا من القاهرة بتكليف أحد العملاء الذين جندهم بتوفير معلومات عن التركيبة الخاصة بالمادة المستخدمة وهيكل المنظومة.

ولما وصلت الخرائط (وهو ما أكده الجمال نفسه قبل وفاته، وصالح مرسي الذي اطلع على الملف في حديث خاص بالكريستيان ساينس مونيتور)، أجرت القوات المسلحة المصرية تجربة على المادة في منطقة منعزلة في الصعيد.

ولما اكتملت الصورة، انقسمت الآراء:

هل يجب سد فتحات الأنظمة التي ما زالت تعمل؟

أم إتلاف المنظومة من الداخل؟

وكي لا يُترك شيئًا للصدفة، اتخذ الشاذلي قرارَا بتنفيذ الفكرتين: إتلاف خراطيم طلمبات الضخ، وسد الفتحات، فإن اكتشفوا الأولى، فسيحتاجون وقتًا طويلًا لإصلاحها، ليصطدموا بالمفاجأة الثانية. وقد كان.


شكوك مصرية: هل كان رفعت الجمال عميلًا مزدوجًا؟ | مينا منير

حقيقة رأفت الهجان بين التاريخ والسياسة: ١- الرواية الإسرائيلية

رأفت الهجان بين الحقيقة والخيال: ٢- ملف المخابرات المصرية الذي أبكى صالح مرسي| دقائق.نت


   حجب “النور الساطع” 

يذكر أشير أن عدد الأنظمة كان 20، لكن إجهاد المصريين للدفاعات الإسرائيلية بالعمليات السرية والمعلومات الخاطئة عن الحشد العسكري تسببت في تكلفة باهظة للإبقاء على حيوية المنظومة طوال الوقت، ما أدى للاكتفاء بعدد أنظمة أقل، وترك الباقي كما هو وإن كان معطلًا، كجزء من الحرب المعنوية.

ومع اندلاع اشتباكات حرب أكتوبر، يقول أشير إن منظومتين فقط كانتا مفعلتين عند أسهل المناطق عبورًا: واحدة عند الدفرسوار، والأخرى عند كوبري فردان (القرب من الإسماعيلية)، لكنهما لم تقوما بالدور المطلوب.

وعلى عكس تخمين أشير، الذي ظن أن الفتحات قد تم سدها بالإسمنت – الأمر الذي سخر منه في كتابه – أنتجت مصر مادة لدنة تتمدد داخل الفتحة وتتفاعل مع المواد الحارقة لتزيد من صلابتها وتحكم الانسداد. وهذا ما حدث بالفعل قبل انطلاق العمليات بـ 12 ساعة من خلال إرسال فرقة خاصة من الضفادع البشرية ليلًا.

عملية إبطال النور الساطع كانت واحدة من أكثر العمليات تعقيدًا؛ فقد تطلبت ضبط النفس، والاستعانة بأجهزة المخابرات والاستطلاع للوقوف على واحدة من أخطر الأسلحة التي كانت من الممكن أن تسبب خسائر كبيرة في مناطق تفعيلها، لتنجح مصر في تجاوزها، مسجلة صفحة أخرى من صفحات إنجازات المخابرات العامة في حرب أكتوبر.


فيلم “الممر”.. شريف عرفة وضع الفن في كفة والذخيرة في الكفة الأخرى | أمجد جمال

40 عامًا من معاهدة السلام.. ماذا واجه السادات؟ وماذا جنت لمصر؟ | س/ج في دقائق

ألكسندر يولين.. بطل إسرائيل الذي خدم المخابرات المصرية | مينا منير | دقائق.نت

أشرف مروان من الزاوية الأخرى: كتاب إسرائيليون يؤكدون أنه خدع إسرائيل خدعة كبرى


Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:
اشترك في قناتنا على يوتيوب
شاهد أيضا
المعرفة في دقائق
Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%B7%D8%B9">
Twitter