محملًا بعدة ملفات معقدة، أجرى رئيس الوزراء اليوناني أليكسيس تسيبراس زيارة عمل استمرت يومين إلى تركيا، بدعوة من الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، وسط خلافات عميقة بين البلدين.

ملفات تسيبراس بدأت من التاريخ حول مصير آيا صوفيا ومدرسة هالكي، مرورًا بخلافات الحدود البحرية، وصولًا إلى مفاوضات توحيد شطري الجزيرة القبرصية، والجنود الثمانية المشاركين في محاولة الانقلاب المزعومة.

 البيانات الرسمية حول “تعزيز التعاون المشترك” لم تخل من اعتراف بالأزمة الحالية. “نمرّ بمرحلة صعبة في علاقاتنا مع تركيا. لهذا السبب يجب مواصلة النقاش”، يقول المتحدث باسم الحكومة اليونانية دميتريس تزاناكوبولوس.


كيف تضغط مدرسة هالكي وآيا صوفيا على علاقات البلدين؟

 مدرسة هالكي 

أليكسيس تسيبراس بات أول زعيم يوناني يزور مدرسة اللاهوت الارثوذكسية اليونانية في هالكي التركية منذ 1933، وهي أول مدرسة تابعة لبطريركية الروم الأرثوذكس في إسطنبول.

الجميع يعرف كم نرغب في إعادة فتح مدرسة هالكي الدينية، بعد نصف قرن تقريبًا من إغلاقها الخاطئ

كانت مهمة مدرسة هالكي تتمثل في تدريب الكهنة الأرثوذكس تحت إشراف بطريركية إسطنبول، ليمارسوا نشاطهم في مختلف أرجاء العالم، وبعض خريجيها أصبحوا بطاركة إسطنبول وأنطاكيا والإسكندرية ورؤساء أساقفة أثينا وألبانيا.

بدأت الضغوط التركية في 1939، بمنعها من قبول الرعايا الأجانب؛ تخوفًا من تورط بعضهم في أنشطة التجسس، قبل أن تصدر المحكمة الدستورية في 1971، قرارًا بإلزام جميع مؤسسات التعليم العالي الخاصة بالارتباط بجامعات حكومية.

صُنفت مدرسة هالكي ككلية خاصة، لكن البطريركية رفضت ربطها بجامعات حكومية؛ تخوفَا من إضعاف مكانتها، لتغلق المدرسة حتى الآن.

وترغب البطريركية، مدعومة بضغوط اليونان والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، في إعادة فتح المدرسة دون ربطها بأي جامعة.

ووضع الاتحاد الأوروبي إعادة فتح مدرسة هالكي ضمن شروط تقييم انضمام تركيا، لكن الأمر معقد.

الدستور التركي يسمح بمنح مؤسسة تعليمية الوضع الخاص الذي ستطلبه المدرسة، لكن السلطات تتخوف من مطالب مماثلة من الأقليات الدينية الأخرى، وكذلك التيارات الإسلامية.

 آيا صوفيا 

زار تسيبراس كذلك متحف آيا صوفيا المثير للجدل في إسطنبول.

تستطيع أن تشعر بعبء التاريخ هنا

آيا صوفيا شيدت ككنيسة في القرن السادس أثناء حكم الامبراطورية البيزنطية، وحولها العثمانيون إلى مسجد في 1453، ثم حولها مصطفى كمال اتاتورك إلى متحف في ثلاثينات القرن الماضي.

وتخشى اليونان، التي تراقب مستقبل التراث البيزنطي في تركيا، من جهود تبذل حاليًا لتحويل وضع المتحف. ورفضت المحكمة العليا في تركيا سبتمبر/ آيلول الماضي، طلبًا بفتح آيا صوفيا للمسلمين للصلاة، لكن النشاط الإسلامي تزايد في المتحف في عهد أردوغان، بحيث بات يستضيف حلقات لتلاوة القرآن وصلاة الجماعة في بعض المناسبات، وهو ما تعتبره أثينا استفزازًا للمسيحيين الأرثوذكس، ومخالفة لمبادئ المجتمعات العلمانية.

ولا يبدو اقتناص تسيبراس لأي ضمانات بشأن هالكي أو آيا صوفيا متوقعًا.


الحدود البحرية.. لماذا تثير مشكلة؟

 بحر إيجه 

تتنازع اليونان وتركيا على حدود مياههما الإقليمية منذ 1994.

في ذلك العام، أقرت اليونان اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وقالت إنها تحتفظ بحقها في إعلان حدود مياهها الإقليمية في بحر إيجة 12 ميلا بحريًا، وفقًا للاتفاقية، التي لم توقعها تركيا ولا تعتبرها ملزمة.

وحال تفعيل الاتفاقية الدولية، سيخضع 71.5% من بحر إيجه للسيادة اليونانية، مقابل 8.7% فقط لتركيا، بفضل الجزر اليونانية المصطفة على طول الساحل الغربي التركي، بالتالي تؤول السيادة لليونان على معظم المجال الجوي فوق البحر، وكذلك حقوق السيطرة والاستغلال الاقتصادي لموارد البحر وقاعه، وبينها حق التنقيب، الواردة تحت بندي المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري.

وتقترب بعض الجزر اليونانية الصغيرة في بحر إيجه إلى أقل من 1.5 كم من ساحل تركيا.

ولا تزعم أنقرة أحقيتها في جزر بحر إيجه، لكنها تتمسك بتحويل جزر صخرية صغيرة إلى منطقة دولية منزوعة السلاح.

جزء من أسباب الخلاف يتعلق بحقوق التنقيب عن الغاز الطبيعي والثروات النفطية في مياه بحر إيجه. وعاد التوتر مؤخرًا مع إعلان اليونان في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، تحويل جزيرة كاستلوريزو، التي تبعد ميلًا واحدًا عن الشواطئ التركية إلى منطقة اقتصادية خالصة، ما يتيح استغلال الغاز الطبيعي الموجود بكميات كبيرة فيها.

 قبرص وشرق المتوسط 

قضية الجزيرة القبرصية تثير مشكلة أخرى بين البلدين.

وانقسمت الجزيرة منذ 1974 إلى شطرين؛ جمهورية الشمال، ولا تعترف بها إلا تركيا، وجمهورية قبرص في الجنوب، وهي عضو في الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وتنتشر قوات عسكرية تركية في شمال قبرص، ترفض أنقرة سحبها.

وفي 2004، رفض القبارصة اليونانيون خطة توحيد أممية، قبل أن تنهار محادثات سلام أممية جديدة في 2017.

عمليات البحث والتنقيب عن النفط والغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط أثارت أطماع تركيا؛ إذ تسعى لنصيب في الحقول المكتشفة.

وسمحت قبرص في 2011 لشركة أمريكية بالتنقيب عن النفط قبالة سواحلها الجنوبية، فردت تركيا بإرسال سفينة للتنقيب عن النفط والغاز تحرسها بوارج بحرية.

ووقعت قبرص اتفاقًا مع مصر لترسيم الحدود البحرية في 2013، يسمح بالتنقيب عن الغاز في المنطقة، لكن تركيا ترفض الاعتراف بها، وتزعم امتلاكها حقوقًا للتنقيب عن الغاز في المنطقة.

وبدأت أنقرة الحفر في شرق المتوسط مؤخرًا بحثًا عن الغاز؛ في تحدٍ لليونان التي تدعم حق قبرص في التنقيب عن النفط والغاز في المنطقة، بينما حصلت شركة النفط التركية على حقوق تنقيب مماثلة من جمهورية شمال قبرص، التي لا تعترف بها سوى تركيا.

تقاسم الموارد الطبيعية في الجزيرة مسألة جوهرية لقضية قبرص، وسنواصل اتخاذ الخطوات اللازمة لحماية حقوق ومصالح الشعب القبرصي التركي، بصفته شريكًا في ملكية الجزيرة

وفي مطلع مارس/ آذار 2018، اعترضت سفن حربية تركية سفينة تنقيب تابعة لشركة إيني إيطالية، دخلت بتوكيل من قبرص إلى المنطقة الاقتصادية الخالصة.

الخلاف متعلق مجددًا بجزيرة كاستلوريزو، التي فقدتها تركيا ضمن معاهدة لوزان 1922، والتي تحرم تبعيتها لليونان تركيا من أي حقوق في شرق المتوسط.

وتركز تركيا على تنازعها حول السيادة على الجزيرة، و”حقوق القبارصة الأتراك” للحصول على نصيب من ثروات المنطقة، وتطالب بتعليق العمليات لحين التوصل إلى حل دائم للمشكلة القبرصية.


العسكريون الثمانية.. إلى أين وصل الملف؟

في المؤتمر الصحفي مع تسيبراس، عبر أردوغان عن توقعه أن تبدي اليونان مزيدًا من التعاون في إعادة ثمانية جنود أتراك فروا إليها عقب محاولة الانقلاب عام 2016.

وجددت تركيا قائمة بالضباط العسكريين المطلوبين بسبب دورهم المزعوم في الانقلاب الفاشل لتشمل الضباط الثمانية، الذين منحتهم اليونان حق اللجوء، ورصدت تركيا مكافأة قدرها أربعة ملايين ليرة تركية (770,446 دولارًا) لمن يدلي بمعلومات تفضي إلى القبض علي أي منهم.

العسكريون الثمانية هبطوا في أليكساندروبوليس شمالي اليونان في 16 يوليو/ تموز 2016، على متن بلاك هوك عسكرية تركية، طالبين حق اللجوء السياسي

ورفض القضاء اليوناني مرارًا طلبات بتسليمهم، أعلاها قرار المحكمة العليا؛ باعتبارهم لن يخضعوا لمحاكمة عادلة في أنقرة.

طُرحت القضية للبحث في اجتماع بين وزير العدل اليوناني ستافروس كونتونيس ونائب نظيره التركي بلال أوجار في يناير/ كانون الثاني 2018، لكن المسؤول اليوناني تمسك بالقرار القضائي، وطرح احتمال محاكمتهم في أثينا.

وتتهم تركيا اليونان بإيواء مدبري الانقلاب، لكن اليونان تؤكد أن نظامها القضائي مستقل عن ساستها.

واعتقلت تركيا جنودًا يونانيين دخلوا منطقة عسكرية تركية عن طريق الخطأ في أبريل/ نيسان 2018، وربط أردوغان مصيرهم بتسليم الجنود الأتراك، لكن أثينا رفضت الضغوط، لتفرج عنهم أنقرة بحكم قضائي في أغسطس/ آب.

في نفس الشهر، أصدرت المحكمة العليا في اليونان قرارًا نهائيًا يتيح منح حق اللجوء للعسكريين الفارين من تركيا، بعد طعن حكومة أثينا على قرار قضائي سابق منح اللجوء لأحدهم.

تسيبراس، رد في المؤتمر الصحفي على أردوغان، قائلًا: “المشتبه في تورطهم بالانقلاب غير مرحب بهم، لكن يجب احترام القضاء”.


منتدى غاز شرق المتوسط.. خبر صغير في الجرائد وتطور كبير في السياسة | س/ج في دقائق

س/ج في دقائق: التقارب العربي الإسرائيلي.. هل صار أمرًا واقعًا؟

س/ج في دقائق.. اليونان تخرج من أزمتها الاقتصادية.. كيف؟



Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:
اشترك في قناتنا على يوتيوب
شاهد أيضا
المعرفة في دقائق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7">
Twitter