لم يخلد التاريخ اسم أغسطس قيصر لأنه فاتح عظيم؛ لم تزد رقعة الإمبراطورية الرومانية في عصره بشيء يُذكر مقارنةً بأبيه (بالتبني) يوليوس قيصر الذي فتح جرمانيا، أو هادريان الذي وصل بحدود الإمبراطورية إلى أطراف اسكتلندا شمالًا.

لكن أغسطس قيصر حقق ما لم يحققه أحد في التاريخ؛ حقق السلام، وثبت دعائم الإمبراطورية على أصعدة عديدة لم يحققها غيره.

   إنجازات أغسطس الإلهية – Res Gestae Divi Augusti 

قبل وفاته بشهور، جمع أغسطس سجلًا بكل ما حققه في نص شديد الوضوح، وفي نقاط محددة يُسمى بالـRes Gestae Divi Augusti.

قائمة الإنجازات تلك نُحتت على أعمدة معابد في آسيا الصغرى وفي ميدانه بروما باللغتين اليونانية واللاتينية.

قائمة إنجازات أغسطس RES GESTAE مدونة باللاتينية على حائط في روما

في هذه القائمة، يوضح أغسطس قيصر أن انتصاره الحقيقي يكمن في أنه حقق سلامًا “شاملًا” لأنحاء الإمبراطورية و”دائمًا” دوام حكمه الطويل.

في تاريخ روما قبل أغسطس قيصر وبعده، لم تتوقف الحروب الرومانية داخل وخارج حدودها إلا لفتراتٍ وجيزة. وكان من يحقق السلام يُغلق أبواب معبد Janus Quirinus؛ ليعلن أن الآلهة باركت الإمبراطورية بهذا السلام.

وبطول تاريخ الجمهورية الرومانية قبل أغسطس قيصر، لم تُغلق أبواب المعبد إلا مرتين، أما في عصره وحده فقد أغلق المعبد ثلاث مرات؛ إذ تحقق السلام “الدائم والشامل” لمدة طويلة ألهمت الرومان فصارت تُسمى بالـ Pax Romana أي السلام الروماني.

   Pax Romana – السلام الروماني 

عظمة باكس رومانا تتمثل في دوامه بعد سنين من الحروب المدمرة والمستمرة، والتي أدت لتفسخ أوصال الجمهورية الرومانية وانتحارها اقتصاديًا.

وعبقرية أغسطس الحقيقية كانت في كيفية تحقيق هذا السلام؛ عبر تحويله إلى أيديولوجية دينية وثقافية وسياسية صنعت من السلام الروماني حالة فكرية يؤمن بها مفكرو المدينة القديمة، وينقلونها إلى مظاهر حياة وسلوك الناس: 

الشجاعة الحقيقية في تحقيق السلام الروماني وليس في بطولات القتل والحروب المستمرة

لتحقيق ذلك، استلهم الشاب أوكتافيوس (قبل أن يُسمى أغسطس قيصر رسميًا) كتابات سيسرو Cicero، المفكر الأعظم في تاريخ روما، والذي عاصره في نهاية حياته، كما استلهم أشعار أوفيد وأوراس ليرسم الهدف الأسمى الذي تتطلع له الحياة: فهو ليس البطولات العسكرية الزائفة التي تسببت في تدمير الإمبراطورية على يد بومبي ومارك أنتوني، وإنما وجود ما يكفي من المحاصيل والتنمية الاقتصادية التي تحقق حياة أفضل للفرد، والتي لن تأتي إلا بسلام حقيقي.

   Pax Americana – السلام الأمريكي 

بينما كنت أقرأ في أدبيات السياسة الخارجية الأمريكية، وتحديدًا في مسألة كامب ديفيد؛ في محاولةٍ لفهم ذهنية من صنعوا اتفاق السلام، استرعى انتباهي الاستخدام المكرر لاصطلاح باكس أميريكانا Pax Americana  وهو يعني باللاتينية القديمة (السلام الأمريكي).

عين المؤرخ لا تخطئ حقيقة ما يقصده الكُتّاب من رجال السياسة الأمريكيين، فهو أمركة للإصطلاح المذكور سابقاً Pax Romana، أي السلام الروماني.

تُرى، ما الذي دار في ذهن أولئك المفكرين والساسة حين شكلوا هذا الاصطلاح واستخدموه في توصيف حالة كامب ديفيد؟ هل هي محاولة لاستلهام عناصر السلام الروماني، وبالتالي يمكن أن تسلط الضوء على فهم المقاربة الأمريكية لسلام كامب ديفيد؟

بالنظر إلى خطابات قادة المفاوضات، تظهر عناصر باكس رومانا جلية في ثوبها الجديد.

بعد نجاح المفاوضات وقبول الحكومتين بنود الاتفاق في مارس/ أذار 1979، التقى الزعماء الثلاثة مجددًا في الولايات المتحدة، وألقى السادات خطابًا مُحملًا بالاصطلاحات والمفاهيم التي ارتبطت بالسلام الروماني.

يذكر السادات أن الاتفاق الجديد “to usher a new era […] of peace and harmony” ، ثم تلاها بجملة أخرى “to revive the traditions of the glorious past“، موضحاً أن جيمي كارتر هو مهندس الحالة الجديدة architect of the dawning new reality .

قد يظهر للقارئ العربي أن المقولات لم تكن إلا مجرد مقدمة إنشائية، لكن تلك الخيارات في الإنجليزية معروفة لمن يعي المفاهيم وراء تلك الاصطلاحات. مفاهيم “فجر العصر الجديد” و”السلام والتناغم” ، و”مهندس الحقيقة الجديدة” هي مفاهيم صلبة Concrete Concepts ارتبطت بما حققه سلام أغسطس قيصر كما دونها الشعراء والكُتاب من تلك المرحلة. تلك هي مفاهيم الأيديويوجيا الأوغسطية التي بنُي عليها السلام الروماني.

هنا فقط نفهم أن مقدمة السادات التي كانت على الأرجح مقتبسة من أقوال طرحها كارتر نفسه (كما قال السادات في الخطاب أن كارتر “أخبرنا”) تأتي في سياق الـ Pax Americana. إذا كان الأمر كذلك، فما هي دلالات تلك المفاهيم؟

   (١)  العصر الجديد – Novum Saeculum 

لما نجح أغسطس قيصر في حدود سنة 26 ق.م في تنفيذ هذا مشروعه الأيديولوجي “السلام الروماني، انبرى الكتاب والمفكرون في عصره لكتابة النصوص والأشعار التي تستلهم ما يُسمى بـ الأيديولوجيا الأوغسطية Augustan Ideology، والتي تسعى لتحقيق سلة من المفاهيم التي ستؤدي إلى السلام، الذي بدوره سيؤدي إلى الازدهار والنماء.

هنا تدون قصائد Virgil في أسطورته الشهيرة Aeneid التي تحكي رواية ملحمية عن تأسيس روما، في إشارات لأغسطس مؤسس روما الجديدة، كيف أن السلام بعد حروبٍ طويلة مدمرة جاءت بفجر عصر جديد Novum Saeculum، وهي نفس كلمات السادات.

فصار كل من يأتي بعد أغسطس يحاول التأسي بأيديولوجيته من أجل تحقيق “فجر عصر جديد”، كما تذكر نصوص عصره كتراجان وهادريان وغيرهما.

مفهوم الـ Novum Saeculum بات مرتبطًا باصطلاح الـ Pax Romana الذي يتحقق فيه تغيير مفاهيم المجتمع، وليس مجرد سياسات تحققها الدولة.

   (٢)  السلام والوفاق – Pax et Concordia 

الملمح الثاني للسلام الروماني كان قبول واقع التعدد في قلب السلام، الأمر الذي عبر عنه كُتاب روما باصطلاح “عصر السلام والوفاق -peace and harmony” باللاتينية Pax et Concordia، وهو ما نجده أيضًا في نفس مقدمة خطاب السادات.

هناك فارق كبير بين تعبير الوفاق Harmony، والتعايش Coexistence؛ فالتعايش مبدأ قبول فكرة الوجود إلى جوار الغير، دون ضرورة للتعاطي معه أو حتى اعتباره صديقًا. أما اصطلاح Harmony (عن اليونانية القديمة ομονοια) فيعني قبول التعددية بصورتها الإيجابية، والتي يحدث فيها تعاطٍ وتفاعل إيجابي من الناحية الاقتصادية مع الجار.

في القرن الأول كانت الإشكالية الأساسية في وجود تعددية اقتصادية وتنافس كبير بين الجزء اليوناني وبعض مقاطعات آسيا الصغرى قد أدت إلى اهتزاز استقرار السلطة الرومانية، فكان الحل أيديولوجيًا وليس أمنيًا: لقد فشل التعايش في إيجاد صيغة إيجابية ومتينة تحقق السلام الروماني، فكان الحل في تقديم فكرة السلام مصحوبًا بالوفاق كسبيل لقبول النهضة الاقتصادية والعيش الرغد.

كان جزءًا من الأيديولوجة الأوغسطية هو تكوين، ولأول مرة، هذا الاصطلاح المزدوج الذي يستخدمه السادات وكارتر: Pax et Concordia. وجعلوا منه صورًا للألوهية، فبات الاصطلاح يُسك على العملات، وباتت هناك عبادة للمفهوم الذي بفضله تحقق السلام الروماني.

فسيفساء للـ Pax et Concordia على جدران أحد المعابد الرومانية

اهتمام منظري السلام الأمريكي بهذا الاصطلاح تحديدًا، يفسر فكرة أن العلاقات المصرية الإسرائيلية لم تقف عند حد التجاور، وإنما تخطتها إلى التبادل الدبلوماسي والتجاري الساعي إلى تجاوز حدود التعايش السلبي، وفتح علاقات اقتصادية، الأمر نصت عليه وثيقة كامب ديفيد نفسها (المادة 3.c).

   (٣)  الأصالة التاريخية – Pietas 

الملمح الأهم والأخطر في سيكولوجية السلام الروماني كان شرعنته.

في كل الشعوب، وليس فقط الدولة الرومانية، حينما يأتي مفكر بأمر جديد كمشروع أيديولوجي بضخامة السلام الروماني، يأتي دائمًا السؤال حول مشروعية النقلة نحو قبول هذه “الحالة الجديدة” مقابل ما هو قائم بالفعل.

كانت خطة أغسطس تكمن في تقديم مشروعه باعتباره أكثر قدمًا وتأصيلًا مما هو قائم، وبالتالي فهو ليس بدعة وإنما هو الأصل الذي حاد عنه الواقع.

هذا الأمر هو ما يُسمى بمفهوم الـ Pietas أو التقوى الرومانية: فعندما يقدم الكاتب الروماني المعاصر لأيديوولوجية أغسطس فكر السلام الروماني فعليه – كما فعل أغسطس نفسه في لائحة إنجازاته – أن يستهل الأمر بالتأكيد على أن هذا المشروع الأيديولوجي هو عملية استنهاض للأصل التاريخي الذي تأسست عليه روما.

هذا ما نجده أيضًا في نص مقدمة السادات حينما قال أن هذا السلام ليس إلا “استعادة للماضي التاريخي” الذي عاش فيه أبناء الطرفين في سلام؛ أي أن السلام مع إسرائيل ليس بدعة (Superstitio nova) وإنما هو الأصل الذي حادت عنه الأجيال اللاحقة التي حاربت من أجل الحرب لثلاثة عقود.

   القيمة الأيديولوجية 

حينما تجد كل تلك المفاهيم التي ألهها وعبدها الرومان كجزء من السلام الروماني، في مقدمة واحدة يلقيها رئيس جمهورية في دقائق معدودة، كجزء من مشروع يُسمى بالسلام الأمريكي، يستحيل أن يكون الأمر مصادفة.

كانت مقدمات كلمات الزعماء تعكس عقلية المفكر الأمريكي الذي – كما قال السادات – هندس عملية السلام، فصارت السلام الأمريكي، ولهذا قيمته؛ فمشروع Pax Americana الذي يعتقد الباحثون أنه بدأ بعد الحرب العالمية الثانية بمشروع مارشال الشهير، لم يصل إلى قيمته الحقيقية إلا حينما ظهر في كامب ديفيد بطريقته الأصلية الأوغسطية. فالباكس رومانا لم يكن مشروع هيمنة دموي أو محاولة براجماتية سياسية هشة، وإنما مشروع أيديولوجي قائم على مفاهيم تسعى لتحقيق سلام شامل ودائم من خلال أمور كالوفاق، والـ Pietas، إلخ.

رأى كارتر في باكس أمريكانا فرصة لنفوذ أمريكي يمكن بسطه في المنطقة، وقد كان الأمر محققًا بعد أن خرج الاتحاد السوفييتي تدريجيا من المعادلة، وباتت أمريكا مظلة السلام الذي احتوى تطلعات القيادتين المصرية والإسرائيلية، وبالتالي حقق ما أراد له دون طلقة رصاص.

   لكن، هل نجح السلام الروماني في ثوبه الشرق أوسطي؟ 

يبدو لي أنه لم ينجح؛ لأنه لم يخرج عن كونه مشروعًا سياسيًا فشل في التحول إلى حالة، وظلت أصوات الناصرية وغيرها من “جبهات المقاومة” التي لم تحقق وفاقًا ولا تقوى تاريخية، ولا ازدهارًا اقتصاديًا، مستمرة في الذهن الجمعي للمصريين. فهل حان الأمر لاستعادة هذا المشروع بشكل أكثر نضجًا؟


40 عامًا من معاهدة السلام.. ماذا واجه السادات؟ وماذا جنت لمصر؟ | س/ج في دقائق

س/ج في دقائق: التقارب العربي الإسرائيلي.. هل صار أمرًا واقعًا؟

منتدى غاز شرق المتوسط.. خبر صغير في الجرائد وتطور كبير في السياسة | س/ج في دقائق


Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D8%A8%D8%A7%D9%83%D8%B3-%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%A7">
Twitter