في فيلم The ODESSA File، المأخوذ عن رواية بنفس الفيلم لضابط المخابرات البريطاني Frederick Forsyth، يبدأ المشهد الأول بزيارة رئيس الموساد لضابط كبير في معسكر بالصحراء. يُبلغ الضابط رئيس الموساد بتلقيه معلومات موثقة عن وجود مصنع في حلوان – مصر، يُشرف على خطة لتصنيع 400 صاروخ طويل المدى قادرة على “مسح إسرائيل من على وجه الأرض”.

المعلومات كشفت أن تصنيع الصواريخ يخضع لإشراف عدد ضخم من العلماء الذين كانوا ينتمون للجيش الألماني في الحقبة النازية، بعدما وفر لهم جمال عبد الناصر الحماية، وأن المواد المطلوبة للتصنيع تصل من مصنع سري في ألمانيا، يخضع لتأمين ODESSA؛ وهي منظمة سرية أسسها ضباط هتلر لحماية وتهريب النازيين وتقوية مراكزهم على أمل عودتهم للحكم. وبالتالي، سيتولى الموساد مهمة الكشف عن المصنع، واتخاذ كل التدابير اللازمة لإيقاف إمداداته لمصر.

الرواية لم تكن من خيال المؤلف. التفاصيل السابقة، بما في ذلك الـ (400 صاروخ) حقيقية. في هذا المقال، سنعرض صورة عامة عن سر برنامج الصواريخ من الكتب والأبحاث الغربية، لكن يلزم التنويه لنقطة مهمة:

ليس الغرض من المقال الدفاع عن جمال عبد الناصر. لا يهدف كذلك للرد على توظيف الموضوع في الإعلام المرتبط ماديًا بقطر، والذي كان يسخر منه دائمًا، وإنما تسليط الضوء على واحدة من أهم وأطول المعارك المخابراتية بين مصر وإسرائيل حول قضية سبقت وصول جمال عبد الناصر نفسه للسلطة.

نازيون بين القاهرة وتل أبيب: (1) أولريخ شنافت | مينا منير | دقائق.نت

   وكأن السماء تسقط علينا 

في كتابه الصادر منذ شهور فقط، – قدمناه هنا – يشرح رونين بيرجمان – من واقع وثائق للموساد نجح في جمعها – كيف تلقت أجهزة الأمن الإسرائيلية أنباء نجاح تجربة صواريخ قاهر وظافر. في صباح 21 يوليو/ تموز 1962، استقبل الموساد تقريرًا عن حضور جمال عبد الناصر وقادة الجيش إطلاق الصاروخ ظافر من قاعدة شرق القاهرة.

 صباح اليوم التالي، خرجت الأهرام بصور وتقارير مفصلة.

ثم يأتي “عيد الثورة” في الثالث والعشرين من يوليو/ تموز، وينقل المصريون تقريرًا مصورًا للعرض العسكري في القاهرة، وفيه تتصدر الصواريخ المشهد.

تلقى الموساد الأيام الثلاثة في صدمة بكل المقاييس، وظل رجاله يكررون مشاهدة التقارير والتسجيلات السابقة في صمت.

ينقل بيرجمان عن أشير بن ناتان، وزير الدفاع، قوله: “كنا نشاهد الأمر ونشعر وكأن السماء تسقط علينا“؛ “فالكارثة المهينة” بحسب وصفه كانت تتلخص في حقيقة أن جهاز الموساد لم يفلح في معرفة شيء عن نجاح البرنامج إلا قبل ساعات من إطلاق الصواريخ. استدعى الأمر من إيزر هارل خطة استثنائية.

   البداية.. مصطفى النحاس 

مع سقوط الرايخ الثالث في مايو/ أيار 1945، دخلت دول الحلفاء في سباق حثيث على اقتناص العلماء والاستفادة من خبراتهم. كان التقدم الألماني كبيرًا في مجال الطيران والصواريخ، بعد تصميمهم لمحركات الحرق (Propelled Engines). قبلها كانت الطيارات تعتمد فقط على المراوح، أما الصواريخ فكانت مقذوفات تلقى على الهدف بالسقوط الحر. أما الآن فصارت الصواريخ والمحركات أسرع بكثير، ولديها الإمكانية لقذف أماكن بعيدة وبدقة أكبر.

قدم العلماء الألمان قبل نهاية الحرب النماذج الأصلية لما سيخضع للتطوير بعد الحرب ليُعرف بطيران F-16، والصاروخ الذي سيصل إلى القمر، والذي صممه الألمان في إحدى القواعد السرية شمال ألمانيا ويُعرف بالـ Peenemünde.

كثير من المهندسين والضباط الألمان الذين أشرفوا على تلك المشاريع الطموحة عرضوا خدماتهم على دول الحلفاء، مقابل مسح سجلاتهم النازية وإعطائهم حماية من الملاحقة الأمنية. منهم أيضًا من عاش في ظل نوع من الاتفاق المجتمعي البراجماتي في ألمانيا الغربية على قبولهم؛ لعدم وجود بدائل للنهوض بالصناعة في ألمانيا ما بعد الحرب.

في ضوء التنافس العالمي على ضم العلماء الألمان، كانت مصر أيضًا تسعى بالإغداق المادي عليهم لبناء مؤسساتها العسكرية وتقديم تكنولوجيا الصواريخ المتقدمة.

يقول أفري إلعاد، الجاسوس الإسرائيلي الذي كان نشطًا وسط المجتمع الألماني الضخم في مصر مطلع الخمسينيات، إن بداية التقارب كانت بفضل مصطفى باشا النحاس سنة 1948، حيث كشف عدد من كبار رجال الصناعة الألمان عن تقديمه عروضا مالية سخية مقابل توطين هؤلاء في شرق القاهرة، وحمايتهم، والعمل على برنامج صواريخ طموح لتقوية الترسانة العسكرية الملكية.

سواء كانت البداية فعلًا مع مصطفى النحاس أم لا، فالمؤكد أن الملك فاروق توجه بالفعل لمفاوضة ألمانيا الغربية المنهكة اقتصاديًا سنة 1951 على جلب عشرات العلماء ورجال الجيش من الحقبة النازية لبناء قدرات المؤسسات العسكرية، كما يدلل على ذلك بعض الباحثين، وكان هؤلاء يعملون تحت قيادة الجنرال Wilhelm Fahrmbacher.

الجنرال فاهرمباخر يشرح لرومل تحصينات ألمانية في فرنسا

   حركة الجيش.. تواصل البرنامج 

لم يتغير الاهتمام بالعلماء الألمان بعد حركة الجيش في يوليو/ تموز 1952، بل أخذ شكلًا منظمًا مع اهتمام الدول الغربية بكسب الضباط الشبان في صفهم.

في انتظار استقرار الحكم، أمضى الألمان أيامًا سعيدة في مصر؛ فقد كان عددهم كبيرًا، حتى أنهم أسسوا جمعيات لألمان الإسكندرية، حلوان والقاهرة. أما نادي هليوليدو، وقصور حي الزيتون، فقد كانت مراكز سهراتهم التي افتقدوها بعدما صارت ألمانيا في وضع اقتصادي صعب، والحياة فيها لا تسمح بأي نوع من الحفلات والبذخ.

رولف إنجل

مع تنحية محمد نجيب واستقرار ملامح المرحلة الجديدة، متمثلةً في شخص جمال عبد الناصر ورجاله، صارت مهمة السيد زكريا محيي الدين الإسراع في إنجاز مهام الألمان على الصعيدين المخابراتي والعسكري، بتأسيس شركة معدات تعمل كغطاء شرعي لاستيراد المواد المطلوبة لتصنيع الصواريخ، وكان مقرها في حلوان واسمها CERVA) Compagnie des Engines à Réaction pour Vol Accéleré) وأشرف عليها القائد الألماني الذي أشرف على مشروع بينمونده نفسه، الجنرال رولف إنجل.

كان الهدف واضحًا لإنجل وزملائه: مصر الآن لا تمتلك القدرة على الدخول في حرب؛ لأن طائراتها وصواريخها ليست بالقدر الكافي من التقدم، وإن كان عددها قادرًا على الدفاع عن المدن الكبرى (القاهرة والإسكندرية) وخوض معارك داخل عمقها الإستراتيجي.

الحل يكمن في خلق قاعدة صناعية قادرة على إنتاج صواريخ وطائرات بتكنولوجيا ألمانية متقدمة تسمح للمصريين بخوض المعارك حتى عمق إسرائيل.

رأى الألمان أن الأمر يتطلب ما بين سبع إلى 10 سنوات من العمل المنظم، بافتراض غياب أية عقبات اقتصادية أو سياسية أمام المهندسين والضباط الألمان، وهذا كان مربط الفرس: كيف يمكن تأمين عملهم بطول تلك المدة؟

هنا يوجه زكريا محيي الدين بالتعاون مع ذئب الإستخبارات الألماني رينهارد جيهلن، الذي سيصير (بصفقة أمريكية هي الأغرب في تاريخ المخابرات) رئيسًا لمخابرات ألمانيا الغربية.

رينهارد جيهلن

بدأ التنسيق أمنيًا، ومعه تدريب كوادر مخابراتية مصرية لتأمين عملية نقل الفنيين الألمان والمواد المطلوبة للصناعة دون مشكلات سياسية أو إقليمية تُذكر. إلا إنه من السذاجة الاعتقاد في أن المخابرات الغربية لم تتابع الأمر.

كانت الضبابية السياسية في مصر وعدم وضوح الرؤيا بخصوص توجه الضباط يسمح للولايات المتحدة تحديدًا بالتساهل والسعي للتعاطي مع جمال عبد الناصر على أمل أن يكون حائط صد للزحف اليساري في المنطقة.

تُنشر لأول مرة | كابتن إسرائيل: باع أسرارا عسكرية لمصر حيًا.. وأسقط رئيس الموساد ميتًا

   الوحدة 131 

في صيف 1954 في باريس، وصل أفري إلعاد، الجاسوس الإسرائيلي الذي تستر في مصر باسم رجل أعمال ألماني اسمه باول فرانك، وقابل رئيسه في الموساد موردخاي (موتكه).

أعطاه موتكه تكليفين خطيرين: قيادة الوحدة 131 في الإسكندرية والقاهرة لتنفيذ تفجيرات تستهدف مصالح الولايات المتحدة وبريطانيا؛ لإجبار الأخيرة على عدم الانسحاب، ولتشكيك الأولى في مصداقية وقدرة النظام الجديد في مصر على ضبط الأمن، وذلك فيما سيُعرف بالعملية سوزانة (فضيحة لافون).

أما التكليف الثاني والذي لا يعرف عنه كثيرون، فهو قتل الأسماء الألمانية الموجودة على قائمة اغتيالات تسلمها إلعاد، وعلى رأسها إنجل وفاهرمباخر في القاهرة؛ لإيقاف البرنامج الصاروخي المصري.

بعد تفجير البوسطة في الإسكندرية على يد رجال الوحدة (فيكتور ليفي وفيليب ناتانسون)، قرر إلعاد (كما يقول في مذكراته) البدء في تنفيذ الاغتيالات، فذهب إلى القاهرة لمقابلة صديقه فاهرمباخر، فأخبره السكرتير أن الأخير في مقر القيادة العامة للجيش المصري.

 توجه إلعاد إلى هناك لمقابلته، فوجده يقترب منه بصحبة رجلين من الشرطة العسكرية المصرية، وهما يشهران مسدساتهم نحو إلعاد. دب الخوف في قلبه، إلا أن فاهرمباخر أخبره بألا يقلق منهما، فهما حاضران لحمايته، بعدما تلقت المخابرات المصرية معلوماتٍ عن نية الموساد استهدافه.

قرر إلعاد إلغاء التكليف الثاني، والسفر إلى فرنسا للقاء رجال الموساد.

يقول إلعاد في مذكراته (Decline of Honor) إن الموساد كان مصدومًا؛ فكيف عرفت المخابرات المصرية بالأمر؟ لم يعرف إلعاد أن رجال زكريا محيي الدين نجحوا في اخترقوا الوحدة، وأن أحد مخترقيها كان شابًا مصريًا بسيطا يُدعى رفعت الجمال.


حقيقة رأفت الهجان بين التاريخ والسياسة: ١- الرواية الإسرائيلية

رأفت الهجان بين الحقيقة والخيال: ٢- ملف المخابرات المصرية الذي أبكى صالح مرسي| دقائق.نت

شكوك مصرية: هل كان رفعت الجمال عميلًا مزدوجًا؟ | مينا منير


مع فشل العملية سوزانة التي تسببت في تبعات كارثية على علاقة إسرائيل بالغرب، حُلت الوحدة 131، وصدر قرار بوقف عمليات القتل والتخريب الميداني.

ومع جنوح جمال عبد الناصر لمعسكر الشرق بعد العدوان الثلاثي، تهيأ لإسرائيل أن برنامج الصواريخ الألماني في مصر قد انتهى، لكن الأمر لم يكن كذلك، وهذا سبب المفاجأة سنة 1962.

   نهاية مفتوحة 

شاهدت أجهزة إسرائيل العرض العسكري الذي يتقدمه صاروخ ظافر وصاروخا قاهر في عيد الثورة سنة 1962، وكان السؤال: هل فات الأوان لإيقاف البرنامج؟ في المقال التالي سنسرد المنازلة الأخيرة والمثيرة وإلى أين آل الأمر بتلك الصواريخ.


اضحك صورة ديمونة تطلع حلوة.. ألغاز “الجاسوس الكامل” كيبورك يعقوبيان

ألكسندر يولين.. بطل إسرائيل الذي خدم المخابرات المصرية | مينا منير | دقائق.نت


Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:
اشترك في قناتنا على يوتيوب
شاهد أيضا
المعرفة في دقائق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D8%A8%D8%B1%D9%86%D8%A7%D9%85%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%88%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B5%D8%B1">
Twitter