حين انتقلت للعيش في مدينة كامبريدج القديمة، قال لي صديقي أستاذ الأدب الإنجليزي، إن هناك أمرين مرتبطين بثقافة كامبريدج: روايات الأشباح Ghost stories، وروايات أخرى أكثر غموضًا.. التجسس.

كامبريدج بين ديترويت وموسكو

لدى مدينة الملك هنري الثامن المفضلة واحدة من أفضل جامعات العالم، أفرخت عبر 800 عام عقولًا مهمة في مختلف العلوم، وكانت أيضًا العقل الفاعل لجهاز المخابرات البريطاني في معركته المصيرية مع ألمانيا، فوفرت الخبرات المطلوبة للإبقاء على التفوق العلمي في مجالات التجسس والإشارة والحواسب الآلية، ما حسم الحرب لصالح بريطانيا.

في ردهات المخابرات البريطانية، يقال إنه إن كنت خريجًا من هذه الجامعة، ولديك سجل ناصع، وولاؤك لا غبار عليه، فانتظر ربتة على كتفك من شخص يعطيك بطاقة بها عنوان ما، ويرحل. ستفهم حينها أنه عرض من المخابرات. هذا كان حال خمسة من ألمع طلبة الجامعة، لكن الربتة على كتفهم كانت ربتتين: واحدة من المخابرات البريطانية، وأخرى من عميل روسي.

دونالد ماكلين ومجموعته

التحق الطالب اللامع دونالد ماكلين – المولود لعائلة أرستقراطية وأكمل تعليمه الأساسي بمدرسة مرموقة في نورفولك – بجامعة كامبريدج في 1931. هناك انضم لاتحاد طلاب حزب العمال آملًا في مواجهة الفكر الفاشي القومي الآخذ في الانتشار حينها، بتبني الفكر اليساري المواجه له.

سرعان ما تحول التبني التكتيكي إلى قناعة أيديولوجية، ذهبت به وبأربعة آخرين لتزعم حركة اتحاد الطلاب الشيوعيين.

الشاب دونالد ماكلين في كامبريدج

في تلك المرحلة، بزغ نجم ماكلين ومجموعته في الهجوم على ما اعتبروه نموذجًا أمريكيًا فاحش الرأسمالية، معتبرين أن حال العمال البائس في مدينة ديترويت الصناعية نموذجًا على ذلك، مدافعين عن المستقبل الواعد الذي ينتظر العالم إذا تقبل النموذج العادل الذي يطبقه النظام الشيوعي في موسكو، والتي باتت يوتوبيا بالنسبة لهم.

وقع هؤلاء ضحية الدعاية الشيوعية شديدة الحضور في جامعات بريطانيا حينها، والتي تقدم صورًا وردية عن الحياة الجميلة للفلاح والعامل الروسي. هنا التقط الروس الخيط.

الخونة الخمسة

بالإضافة لقائمة طويلة من ألمع رموز بريطانيا، والتي شملت ستة رؤساء وزراء وعلماء بوزن إسحق نيوتن، جيمز ماكسويل ونيلز بوهر، أخرجت كلية ترينيتي أيضًا “الخونة الخمسة” الذين تزعمهم دونالد ماكلين، والذين أقسموا على الولاء للفكر الشيوعي، متمثلًا في النظام السوفييتي الحاكم.

هنا تضافر الفساد الإداري، الصدفة، وظروف أخرى، كي يصل خماسي كامبريدج لأخطر المناصب الحساسة في الخارجية البريطانية وجهاز مخابراتها MI6، وهم على عهدهم بالولاء للاتحاد السوفييتي.

أحدهم وصل لرئاسة وحدة مكافحة التجسس السوفييتي، فكان على مدار عقدين يسلم السوفييت كل خطط بريطانيا لمكافحتهم! والآخر عُين مستشارًا للملكة، فظل ينقل تفاصيل ما يدور في قصر باكنجهام من لقاءات سرية وعلنية، أما الثالث فكان يدير ملف التعاون المخابراتي الأمريكي البريطاني، والرابع كان داخل الخارجية، ينقل مراسلات رئيس الوزراء.

الخامس كان دونالد ماكلين المعروف بالاسم الحركي (هومر) فقد عمل في المخابرات قبل انتدابه إلى الخارجية للإشراف على المحادثات السرية والحساسة مع الدول الكبرى.

بانتقاله للعمل في أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية، كانت إحدى أخطر المعلومات السرية التي نقلها للسوفييت تشمل طريقة صنع القنبلة النووية.

وبالتنسيق مع باقي الخلية، كان الرجل آمنًا على نفسه، حتى تغير الوضع مطلع 1949، حين رصدت المخابرات الأمريكية رسائل صادرة عن السفارة الروسية تفيد بأن مجموعة المعلومات المسربة مرتبطة بشخص بريطاني يُسمى حركيًا “هومر”.

وبخطوات ثابتة، بات كشف هوية العميل هومر وشيكًا.


سقوط الجاسوس إيلي كوهين.. أدلة جديدة تؤيد الرواية المصرية


فوضى على ضفاف النيل

هذا ما يخبرنا به فصل مهم بعنوان “فوضى على ضفاف النيل” عن نشاط العميل المزدوج دونالد ماكلين، أحد أضلاع “خماسي كامبريدج The Cambridge Five”، أخطر تنظيم اخترق المخابرات البريطانية، وعمل لصالح الاتحاد السوفييتي، في كتاب جديد للمؤلف رولاند فيليبس بعنوان:

A Spy Named Orphan: The Enigma of Donald Maclean

الكتاب اكتسح السوق البريطاني في تخفيضات إجازة عيد الميلاد؛ لما فيه من دراسة مركزة ومفصلة لوثائق المخابرات البريطانية التي اطلع عليها المؤلف، ودرسها بتدقيق شديد.

مصر الملكية.. صراع المخابرات

حينما يُذكر التجسس ومصر معًا، يحضر إلى ذهن القارئ جولات الصراع المخابراتي بين مصر وإسرائيل، بعد تأسيس المخابرات العامة على يد زكريا محيي الدين منتصف الخمسينيات، وصولًا إلى حرب أكتوبر 1973.

إلا أن حلقة أخرى في مسلسل الجاسوسية على أرض مصر تعود لحقبة ما قبل يوليو 52، حيث كانت مصر الملكية حلبةً لصراع أجهزة المخابرات العالمية أثناء الحرب العالمية الثانية، وما تلاها من صعود قوى جديدة (أمريكا والاتحاد السوفييتي) وأفول القوى الاستعمارية القديمة المنهكة، وعلى رأسها بريطانيا.

في تلك المرحلة المبكرة من الحرب الباردة، كان التساؤل الأساسي يدور حول موقع مصر على خريطة التوازنات الجديدة، وكيف ستكون أرضها حلبةً للصراعات المعلوماتية بين تلك القوى.

1- بريطانيا

يخوض المؤلف في تفاصيل عن أهمية الكيان الدبلوماسي البريطاني في مصر؛ فالسفارة البريطانية وملحقاتها لا يضاهيها حجمًا غير السفارة البريطانية في أمريكا.

الثقل الدبلوماسي البريطاني في مصر كان مركزيًا؛ لأنه كان مسؤولًا عن حضور عسكري ضخم على ضفاف قناة السويس، وقد تفرد في نفوذه الإقليمي بعد خسارة الهند، وبات نقطة التحكم في كل النفوذ الشرقي والأفريقي.

2- روسيا

أيقنت روسيا مبكرًا أن أمل السيطرة على مصر بلا معنى في وجود العائلة الملكية، فنقلت هدفها في الحضور القوي بالشرق الأوسط إلى تل أبيب.

عاصمة الدولة الجديدة لم تكن قد حددت بوصلتها الأيديولوجية بعد نحو اليمين أو اليسار، وتتمتع بقدرات عسكرية واعدة، خصوصًا بعد حرب 48، مما جعلها العدو الأوحد لمصر.

3- الولايات المتحدة

الحضور الأمريكي الآخذ في الازدياد بمصر، عبر السفارة الجديدة ومضاعفة التمثيل الدبلوماسي، كان يشكل تهديدًا للطرفين المذكورين سابقا على المدى الطويل.

القاهرة التي وصلها ماكلين

طلب دونالد ماكلين الانتقال إلى مصر ليبتعد عن الضغط الاستخباراتي المتزايد في واشنطن، الذي بات قاب قوسين أو أدنى من كشف حقيقته، ليجد نفسه مكلفًا بالتعامل مع هذا الواقع الاستراتيجي المعقد.

أما الواقع الاجتماعي للقاهرة، فبحسب المؤلف، كان له أثر لا يقل أهمية في تحديد مصير ماكلين، مما حذى بالمؤلف للحديث بشيء من التفصيل عن سحر القاهرة التي عرفتها الطبقة المخملية آنذاك.

بعد أن أخبر ماكلين الكي جي بي بنجاحه في تحقيق إرادته بالانتقال إلى القاهرة، تم التنسيق مع رجال المخابرات الروسية في القاهرة بمقرهم (Cairo rezidentura) القابع في منطقة الطبقة الفوق متوسطة بوسط البلد، بعيدًا عن أنظار دوائر الدبلوماسية المركزة في الأماكن الفارهة كالزمالك ومثيلاتها.

يخبرنا المؤلف عن أن الطبقة الأرستقراطية وحتى فوق المتوسطة في مصر كانت فرانكفونية الهوى، وإن كانت تقدر وتبجل الشخصية البريطانية، مما أدى إلى عدم نجاح للبريطانيين في الاندماج معهم تمامًا.

ماكلين وأسرته في الإسكندرية

هنا يظهر دور زوجة ماكلين، التي كانت أمريكية، بما جعل اندماجها واجتماعيتها وسط المصريين أكثر نجاحاً، فشقت طريقها سريعًا وسط سيدات ونبيلات مصر، اللائي يجتمعن بشكل يومي في جروبي، قبل إطلاق سهرات يومية لا تنتهي قبل الفجر.

اختراق القصر.. عربدة وأميرة

أما ماكلين، فقد كان تحت ضغط شديد؛ لأنه كان المسؤول رسميًا عن التواصل مع الملك وحكومته للتنسيق مع بريطانيا، الأمر الذي كان يمقته بشدة؛ فكراهيته للملك فاروق وحاشيته وبذخه الفاحش في مقابل وجود فقر مدقع لم تنجح الحاشية الدبلوماسية البريطانية في حجبه عن أعين ماكلين، وضع كل قناعاته اليسارية النظرية التي أتى بها من كامبريدج في امتحان حقيقي على أرض الواقع.، إلا أنه كان يعلم أن مهمته الأخرى، في التجسس لصالح السوفييت، ستحتاج منه أن يخترق الجهات الدبلوماسية الغربية والقصر.

ماكلين ووجهاء السلك الدبلوماسي في القاهرة

 

يحكي لنا المؤلف كيف أنه انغمس في العربدة والسهر حتى الفجر في ملاهي وسهرات أندية الجزيرة وهليوبوليس وقصور النبلاء والدبلوماسيين، حتى أن الشرطة المصرية وجدته ذات يومٍ نائمًا في حديقة الأزبكية وهو حافٍ، أو على رصيف شارع عبد الخالق ثروت كالمشردين.

كل هذا كان غطاءً للقاءاته المنتظمة بضابط الحالة الروسي المسؤول عن نقل الوثائق الخطيرة التي كان يسربها.

يذهب المؤلف إلى أبعد من ذلك ليحكي لنا عن علاقته بالأميرة فوزية، شقيقة الملك فاروق، والتي كانت بوابته الخلفية لقصر عابدين، الأمر الذي آلم زوجته كثيرًا، حتى أنها بالمقابل وقعت في غرام قائد الحرس الملكي الأمير إسماعيل داوود، والذي استضافها على يخته إلى إسبانيا لمدة أسبوع.

نبوءة الثورة

لم يخفِ ماكلين قراءته للموقف في مصر. رأى الملك فاروق نموذجًا للعربدة والبذخ والفشل في تحقيق العدل الاجتماعي والسياسي، بما وضع مصر على شفاه ثورة. راسلته الخارجية البريطانية مطلع 1950 حول إمكانية تجنيب مصر السقوط في براثن الشيوعية، فأجاب أن العدالة، التي لا يراها في نظام الملك، يمكنها إبعاد الخطر، مطالبًا بريطانيا بالتوقف عن التعامل معه، والتدخل إن أرادت حماية مصر من ثورة شيوعية.

يبدو أن استشرافه للمستقبل لم يكن مخطئًا بالكامل!

يحكي المؤلف أن الشاهد الأساسي على أفكار ماكلين في حفلاته، الصادمة في يساريتها، كانت أقرب أصدقائه آنذاك، إيزيس فهمي، أول صحفية قبطية في مصر.

من حفلة تنكرية تظهر فيها إيزيس فهمي وأحد أفراد عائلة رومانوف الملكية الروسية (بالقناع الصيني) وفي الخلف ماكلين بنظارة شمس سوداء

تكشف مذكرات فهمي المنشورة بالإنجليزية (Around the World with Isis) كيف رصدت أفكار ماكلين، ما يعكس بداية فقدان تماسكه كعميل مزدوج.

لا يتسع المقال لسرد كل أبعاد نشاط ماكلين، لكنها تكشف ملامح مهمة للوضع في مصر من منظور رجل غير عادي، ظن أنه ذاهب لمكان هادئ يختبئ فيه من نشاط المخابرات الأمريكية المركز للانتقام من “العميل هومر”، فاكتشف أن مصر كانت أصعب مراحل نشاطه.

من القاهرة الساحرة لكتل موسكو الإسمنتية: النهاية

لم أستطع تحديد إن كان ماكلين أحب الحياة في مصر أم لا، ففي الوقت الذي ظهر عليه الاستمتاع بالمعارك المخابراتية والدبلوماسية والرفاهية المفتوحة في القاهرة والإسكندرية، إلا أن شروخًا عميقة أصابت صلابته، لم يُشف منها حتى عاد إلى لندن، ليجد نفسه في نفس العام خاضعًا للمراقبة، بعدما تجمعت الخيوط، وبات العميل هومر مكشوفًا للأمريكيين.

بتنبيه من أحد أفراد حلقة خماسي المخابرات، أيقن ماكلين أن أيامه في وطنه باتت معدودة، وبهدوء شديد عبر القنال على ظهر سفينة ليصل إلى فرنسا، وهناك اختفى تمامًا كالشبح، ليظهر بعدها بسنة في موسكو، التي عاش فيها حتى مماته، مع بقية أفراد المجموعة الذين تساقطوا واحدًا تلو الآخر على مدار عشرين سنة لاحقة.

الكتاب يجمع بين الدقة البحثية، المتعة السردية، والأهم لقارئ العربية، أنه يعد نافذة على الوضع في مصر في مرحلةٍ حرجة استمتعت شخصيًا بقراءة تفاصيلها، ولذلك أوصي بهذا الكتاب.


الحرب الدائرة على أرضنا ولا نراها | خالد البري | رواية صحفية في دقائق

كيف دخل إلى هناك وكيف خرج إلى هنا.. جمال خاشقجي المفقود في الترجمة


Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:
اشترك في قناتنا على يوتيوب
شاهد أيضا
المعرفة في دقائق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D8%AF%D9%88%D9%86%D8%A7%D9%84%D8%AF-%D9%85%D8%A7%D9%83%D9%84%D9%8A%D9%86">
Twitter