لو عدت بذاكرتك إلى القرون الوسطى

وحاولت أن تتذكر شخصًا إنجليزيًا واحدًا تعرف اسمه

لن يسعفك اسم

باستثناء – ربما – ريتشارد قلب الأسد

الذي عرفناه من السينما ومن النوادر التاريخية

كان أحد ملوك الحملات الصليبية

ووقع مع صلاح الدين الصلح بعد معركة حطين

لكن ريتشارد لم يكن إنجليزيًا..

 لم يكن حتى يتحدث اللغة الإنجليزية.

ريتشارد قلب الأسد فرنسي حكم هذه الجزيرة المنعزلة كارهًا لوجوده فيها

كموظف نُقل إلى وظيفة أعلى لكن في الأرشيف

إنجلترا لم تكن حتى القرون الوسطى شيئًا يذكر..

لا شيء على الإطلاق…

مجرد جزيرة نائية!

فكيف وصلت هذه الجزيرة الصغيرة إلى أن تكون الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس؟

كيف صارت الإنجليزية لغة العالم، بعد أن كانت مجرد لغة محدودة لا يتحدث بها أهل الجزيرة أنفسهم. وكيف صار الأدب الإنجليزي الأشهر عالميًا؟

وكيف صارت مسؤولة عن نصف الاختراعات التي نعرفها حتى يومنا هذا. والشق الأنجح من الفلسفة؟ والشق الأنجح من النظريات الاقتصادية وتطبيقها؟ كيف؟

الإجابة لا يفهمها كثير ممن يتابعون الأخبار العالمية.. الإجابة مفاجئة بعض الشيء: بسبب البريكزيت. حدث متكرر في تاريخ إنجلترا ومسؤول عن كل ما صارت إليه.

البريكزيت الأول

في القرن الخامس الميلادي خرجت من أوروبا قبائل تسمى Anglii متوجهة نحو جزيرة إلى الغرب من القارة تسمى بريطانيا. اسم القبائل المهاجرة لا علاقة له بالكلمة الإنجليزية ذات الأصل اللاتيني Angels والتي تعني الملائكة. بل أغلب الظن أن له علاقة بالكلمة الإنجليزية ذات الأصل الألماني Angle والتي تستخدم لوصف زاوية في مثلث. أصلها الألماني يعني ضيق. حيث كانت هذه القبائل تعيش في مساحة ضيقة من الأرض في شمال ألمانيا الحالية.

أسباب الهجرة غير معروفة. لكن السبب الأرجح هو التغيرات المناخية. تلك الحقبة شهدت انخفاضًا في درجة الحرارة في أوروبا أثرت على معدل نمو المحاصيل، ودفع كثيرًا من أهل الشمال إلى الهجرة بحثًا عن مناطق أكثر خضرة وخصوبة.

أهل الشمال الأوروبي (النورد) يختلفون عن أهل الجنوب البحرمتوسطيين في عدة نواحٍ، منها الأصول اللغوية، ومنها الدين. قبل التحول إلى المسيحية عبدت قبائل الشمال الأرض الأم وليس آلهة الأوليمب كما جيرانهم الجنوبيين.

نستطيع أن نرى أثر ذلك إلى يومنا هذا في أيام الأسبوع. فبينما تشتق معظم أيام الأسبوع في اللغة الفرنسية اللاتينية من أسماء آلهة الأوليمب، فإن معظمها في الإنجليزية مشتق من أسماء آلهة الشمال.

الجدول التالي يوضح هذا الفارق. لاحظ أن الاسم الانجليزي لأي يوم في الأسبوع ليس مشتقا من الاسم اللاتيني للإله المكتوب في العمود الثاني من ناحية اليسار. بل مشتق من اسم إله من آلهة الشمال الجيرمانيين الموجود في العمود الثالث أو الرابع (حسب القبيلة). الاستثناء الوحيد هو يوم السبت، ساترداي، المشتق من الإله اللاتيني ساترن (وذلك لعدم وجود إله شمالي مقابل).

لو كنت تعرف اللغة الفرنسية، كمثال للغات اللاتينية، ستجد أن أيام الأسبوع فيها مشتقة من أسماء آلهة الرومان والإغريق الموجودة في العمود الثاني. ماردي (الثلاثاء) مشتق من مارس. le mercredi (الأربعاء) مشتق من ميركوري. وهكذا.

القصد، أنه على الرغم من المسيحية التي جمعتهم، فإن أيام الأسبوع لا تزال محتفظة بذاكرة الاختلاف الأوروبي بين ثقافة أهل الجنوب البحرمتوسطيين، وأهل الشمال.

هذا البريكزيت الأول وضع لبنة الهوية الأكثر تميزًا لإنجلترا، بداية من اسمها إنجلاند، وصولًا إلى لغتها، والتي سادت في قرون لاحقة على ما جاورها من لغات في الجزيرة البريطانية، في إسكتلندا وويلز قبل أن تمتد إلى جزيرة أيرلندا المجاورة.

الإنجليزية التي نشأت مع هذه القبائل مختلفة كثيرًا عن الإنجليزية التي نعرفها حاليًا. الغزو النورماني الفرنسي على يد ويليام الفاتح في القرن ١١ الميلادي خلط تلك اللغة القديمة باللغة الفرنسية اللاتينية وأنتج الإنجليزية الوسطى.

كل هذا وبريطانيا لا تزال مجرد جزيرة منعزلة لا مكان لها على الساحة الدولية. لو حاولت أن تتذكر علمًا من أعلامها في تلك الحقبة لن يسعفك ذهنك.

فكيف تحولت إنجلترا إلى دولة عظمى؟ وكيف تحولت الإنجليزية إلى لغة عالمية؟ بعد البريكزيت الثاني.

البريكزيت الثاني

البداية كانت مع البريكزيت الثاني ١٥٣٤. حين قررت هذه الجزيرة أن تنفصل “دينيًا” عن أوروبا الكاثوليكية اللاتينية. وأن تنشئ كنيستها الخاصة. لم تعد مرتبطة بـ “روما” اللاتينية الكاثوليكية.

ليس المهم هنا تفاصيل ولا دوافع الانفصال. المهم أنه حدث واستمر. ما كان ليحدث ويستمر لو لم تكن البذرة الانفصالية موجودة داخل مجتمع “إنجلاند” – إنجلترا – على الأخص. موجودة في الروافد الثقافية المختلفة ومنها هؤلاء الإنجلز الذين خرجوا من أوروبا حاملين ثقافة أهل الشمال، وحلوا في البلد وتسمت على اسمهم.

الثقافة هي اللغة، المطبخ، الهواء، درجة الحرارة، المزاج، الذوق، … هي ككل واحد من هؤلاء، غابة من المفردات، ثم هي كل هؤلاء مجتمعين وأكثر.

الكنيسة الكاثوليكية، كغيرها من الأديان والطوائف، سعت حثيثا إلى صبغ مجموعة بشرية واسعة، ومتنوعة، بلون واحد. لكنها لم تستطع.

ظل البيزنطيون في اليونان وتركيا والبلقان مسيحيين أرثوذوكس. واللاتينيون كاثوليكا. أما أهل الشمال فسارعوا مع أول فرصة إلى التخلي عن الكاثوليكية وتبني الفكرة الجديدة – البروتستانتية.

في الفترة التالية لهذا البريكزيت الثاني بدأت بوادر “العظمة” الإنجليزية. ظهر ويليام شكسبير في الأدب. ظهر نيوتن في الفيزياء. جون لوك وفرانسيس بيكون في الاجتماع والسياسة. ثم بعد إعلان “بريطانيا” في القرن الثامن عشر، ظهر الأسكتلندي ديفيد هيوم، وكان يكتب بالإنجليزية ويشجع الأسكتلنديين على تعلمها، وتجاوز رفضهم لها بوصفها لغة الإنجليز المحتلين.

وديفيد هيوم هو الفيلسوف الذي أكمل “البناء الإمبريقي” أو التفكير التجريبي الذي تميزت به بريطانيا عن أوروبا.

وقريبًا من تلك الفترة ظهر أيضًا آدم سميث، المفكر الاقتصادي الأعظم، الذي استفاد من ذلك الفكر التجريبي، لكي يختبر الاقتصاد بالتجربة، ويضع التنظير الفكري لأفكار كانت في زمنه غير معهودة، وتضرب مسلمات قديمة عن حركة الاقتصاد وما يفسده وما ينفعه.

بعد آدم سميث بما يزيد على قرن سيكتب الألماني ماكس فيبر عن ارتباط الرأسمالية بالأخلاق البروتستانتية. ولو تتبعنا البروتستانتية نفسها رجوعًا لوجدنا تأثيرات من معتقدات أهل الشمال، مثلهم مثل الأرثوذوكس في حوض المتوسط الشرقي، والكاثوليك في جنوب أوروبا المتوسطي، كما سبق الإشارة.

كررت هذه الأمة، والإنجليز في القلب منها، نمطًا نراه كثيرًا في التاريخ. أمة كانت على هامش التاريخ، ليس لها ماض تليد يثقل كاهلها، وينوء بها، ويثقلها عن الحركة في اتجاه الجديد، تتحول عند لحظة تاريخية من الهامش إلى قلب المتن ورأس الرمح. وتجري كالفرس الرشيق.

تفسير هذا غالبًا أن افتقاد هذه الأمة للتاريخ العريق، العزيز إلى درجة لا تسمح بالتخلي عن أفكاره، يعفيها من قيود الماضي. يسمح لها بالسفر إلى المستقبل بخفة، وصياغة الأفكار العصرية بحرية.

الانفصال جعلها تبحث عن نفسها لا عن أن تكون ترجمة ركيكة لغيرها. الترجمة الركيكة لا يقرأها التاريخ. لماذا يفعل ولديه الكتاب الأصلي!

الأمة الجديدة تنظر إلى الآخرين، تلاحظ، ثم تختار لنفسها طريقها الخاص. لها حرية أن تكتسب ما تريد، ليست مكبلة بمهمة الحفاظ على ما ورثت ولا إفناء الوقت في التخلص منه.

إن فهمنا هذا الماضي الإنجليزي، سنفهم البريكزيت الثالث بشكل أفضل.

ثورة فرانكنشتاين | خالد البري | رواية صحفية في دقائق

البريكزيت الثالث

الاتحاد الأوروبي في صورته الأولى كان تجمعًا تعاونيًا، نشأ في زمن الحرب الباردة. وقتها كانت أوروبا منقسمة إلى قسمين، كتلة شرقية محكومة غالبا من موسكو. في مواجهة الدول الغربية. ويفصل بينهما حائط يشق برلين. ألمانيا نفسها كانت منقسمة إلى ألمانيا الشرقية، قبلتها موسكو، وألمانيا الغربية.

في هذه الظروف كانت الدول الغربية في حاجة إلى تكتل، يختلف عن مثيله الشرقي في أنه لا يدور في فلك عاصمة. بل تكتل تعاوني.

تطور الاتحاد عبر السنين. لكن بعد سقوط جدار برلين، وانهيار الكتلة الشرقية، عام ١٩٨٩، بدأ في منحى أقلق حتى رعاته الأوائل. مرجريت ثاتشر، على عادة إنجلترا، كانت أول المحذرين من السعي إلى تحويل بروكسل إلى “دولة عليا”، تتحكم في اختيارات الدول الأخرى عن طريق “سلطة عليا” عابرة للدول. لكن هذا ما حدث. على الأقل من وجهة نظر أنصار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

القواعد الجمركية والتعريفات تصدر حسب سلطة بروكسل. ولا تستطيع دولة من الدول الأعضاء الانفراد بسياستها الخاصة، ليس فقط في التداولات التجارية البينية داخل حدود الاتحاد، بل في التعاملات التجارية مع العالم. لأن الاتفاقات التجارية خارج أوروبا تتم أيضًا عبر قواعد الاتحاد الأوروبي ومن خلاله.

صارت المحكمة الأوروبية متجاوزة لسلطة القانون المحلي. وبالتالي يجب أن تتوافق التشريعات المحلية مع هذه القوانين الأوروبية. إن قضت المحكمة الأوروبية بأن القانون المحلي في قضية ما يخالف قواعدها فلا بد من الخضوع لرأيها. أثر هذا على قرارات اجتماعية وعلى ملف الأحوال الشخصية وقوانين العمل.

ناهيك طبعًا عن حرية الحركة، التي تجعل قرارًا كقرار ميركل باستقبال عدد كبير من اللاجئين في ٢٠١٥ يؤثر على بقية دول الاتحاد. بمجرد أن يحصل هؤلاء المهاجرون على الجنسية الألمانية سيصيرون قادرين – تلقائيًا – على الانتقال إلى أي دولة أخرى داخل الاتحاد.

في السياسة والاقتصاد والأيديولوجيا.. تأثيرات عالم ما بعد البريكزيت ستطال الجميع | مينا منير

ليس مقصدنا هنا أن نناقش جودة القرارات من عدمها، بل شرح ما حدث. لقد تغولت بروكسل إلى كل مفصل من مفاصل الحياة المحلية. بعبارة أخرى، روما القرون الوسطى عادت من جديد في صورة بروكسل. الأولى كانت ترسم السقف وتخط الحدود في كل أوروبا حسب الدين المسيحي الكاثوليكي، والثانية تفعل نفس الشيء، حسب النسخة السياسية من قيم الدين الكاثوليكي.. الديمقراطية الاجتماعية.

عقائد المجتمعات تنعكس على اختياراتها السياسية. أشرنا سابقًا إلى ماكس فيبر وأنه أعاد القيم الرأسمالية إلى القيم البروتستانتية. بنفس المنطق سنجد أن الدول الكاثوليكية سابقا صارت في الأغلب “سوشال ديمقراط”، وأن الدول الأرثوذوكسية سابقًا تحولت في الأغلب إلى شيوعية في القرن العشرين. أقول في الأغلب لأن السياسة والأحلاف فرضت في بعض الأحيان على الدولة نمط حكم لا يتناسب مع هذا التقسيم.

معضلة تركيا – ترامب ومشروع ماكرون البديل.. هل تخرج أوروبا من عباءة الناتو؟ | س/ج في دقائق

يبدو أن القادة الأوروبيين كانوا واعين لهذه الحقيقة حين اختاروا بروكسل بالذات لتكون عاصمة الاتحاد المسيحي الجديدة.

بروكسل عاصمة بلجيكا، البلد التي تتجاور فيها الثقافة اللاتينية (الشق الفرنسي) مع الثقافة النوردية الشمالية (الشق الفليميش). فكأن الاختيار الرمزي لبروكسل هو اختيار لعاصمة الثقافتين.

هذا من ناحية الشكل أما من حيث المضمون، فالاتحاد الأوروبي، عبر المحكمة الأوروبية، تحول إلى فارض لقيم الديمقراطية الاجتماعية.

بل إنه خلق سلطة علوية تشبه سلطة الكاردينالات في روما البابوية، تحت اسم المفوضية الأوروبية. هذه السلطة لا تنتخب انتخابًا مباشرًا، وقراراتها لا تخضع للتصويت الشعبي. سلطة تركت جزءًا صغيرًا من سلة القرارات للمجتمعات المحلية، بينما رسمت هي القوالب الأساسية. القوالب الأساسية التي تضعها هي ملزمة، لا تستطيع السلطات المحلية أن تعدل فيها.

بالتحكم في التجارة، والعلاقات الاجتماعية، وعلاقات العمل، تحولت الرؤى السياسية للديمقراطية الاجتماعية إلى أحكام دينية. وبالمفوضية الأوروبية تحولت السلطة الأوروبية غير المنتخبة إلى سلطة فوق حدود المساءلة المحلية المباشرة، وتحول الحكام المحليون إلى طبقة عازلة بين هذه السلطة السوبريم وبين الشعوب الأوروبية.

هناك اعتبارات أخرى تتعلق بإخضاع الاتحاد الأوروبي إلى رغبات ومخاوف القوى الأوروبية التاريخية، ما تريده ألمانيا وفرنسا. المهم أن هذا كله جعل إنجلترا، الرأسمالية البروتستانتية، الجزيرة الاستقلالية بطبعها، تشعر أنها تنفق أكثر ما تجني، وتخسر أكثر ما تربح.

نحو فهم البريكزيت: الاتحاد الألماني الفرنسي زواج تمليه الجغرافيا .. عليهما فقط | الحكاية في دقائق

تعمدت هنا أن أقول إنجلترا، وليس بريطانيا. لأن الواقع أن البريكزيت ظاهرة إنجليزية أكثر ما هو ظاهرة تعبر عن الكيان البريطاني الاتحادي. الأغلبية في أسكتلندا كانت ضد الخروج. الأغلبية في أيرلندا الشمالية كانت ضد الخروج. الأغلبية في صفوف الأقليات المهاجرة كانت ضد الخروج. الصوت الإنجليزي هو الذي صوت بأغلبية وازنت هذا كله وتفوقت عليه. الإنفوجرافيك التالي يظهر التصويت حسب التوجهات الدينية. مرة أخرى، هذه مجرد إشارة.

تايم لاين: البريكزيت عبر التاريخ

لم يكن الغرض من هذه الرواية الصحفية إقناعك بموقف

بقدر ما كان الغرض شرح جانب ربما يغيب عن غير البريطانيين


   للمزيد:  روايات صحفية في دقائق


 

Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%B2%D9%8A%D8%AA">
Twitter
Close Bitnami banner
Bitnami