بحسابات الاقتصاد.. بكين تملك الكثير من أوراق الضغط داخل موسكو

الروس يدركون المخاطر الأمنية المرتبطة باختراق التكنولوجيا الصين.. لكنهم لا يملكون منعها

الصين وكازاخستان ينفيان وجود الجيش الصيني في فناء روسيا الخلفي.. لكن حتى بوتين يعرف أنهم حاضرون

مسؤول طاجيكي سابق: الصين تفعل ما كان الاتحاد السوفيتي يفعله

خبير صيني: بكين لا تريد موسكو صديقة ولا عدوة.. لا ضعيفة ولا قوية

أبرز معارضي بوتين: من شبه المؤكد أن يصبح الزعيم القادم رهينة لسياسة بوتين تجاه الصين

س/ج في دقائق


روسيا، الصين، أمريكا، تاريخ من مثلثات الحب. هل العلاقة الآن صحية؟

تتبادل بكين وموسكو وواشنطن الشراكات الثنائية في مثلث السياسة العالمية باستمرار.

حاليًا، تشغل الولايات المتحدة مقعد الطرف الثالث، العزول، منذ دشن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جين بينغ شراكة البلدين في 2014، بعدما زاد التباعد مع الغرب حين روسيا ضمت شبه جزيرة القرم.

تاريخيًا، كان الطرف الثالث يدفع الثمن من خلال الضغوط العسكرية والدبلوماسية، إن تقاربت الصين وأمريكا دفعت روسيا الثمن، وإن تقاربت روسيا وأمريكا دفعت الصين الثمن. لكن موسكو تدفع الثمن هذه المرة رغم أنها في علاقة جيدة مع الصين، على الأقل من وجهة نظر المجلة الاقتصادية البريطانية العريقة.

تقول الإيكونوميست إن بكين تهيمن كليًا على كل جوانب الشراكة، وأن ما بدا براقًا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين حين أدار ظهره للغرب وحاول تضخيم النفوذ الروسي بات فخًا لن يخرج منه بسهولة، حيث لم تعد العلاقة شراكة ند بند، بل تحولت موسكو تدريجيًا إلى مجرد رافد لبكين.

قد يبدو الحكم قاسيًا بالنظر للسلاح النووي والمقعد الدائم في مجلس الأمن، والجيش القوي الذي لا تخشى القيادة السياسية دفعه في المعارك كما الحال في سوريا، لكن الزاوية الأخرى تكشف مسارعة موسكو للاعتماد على بكين.


الهيمنة الاقتصادية.. ماذا تملك الصين في روسيا؟

في عام 1949 كان ماوتسي تونج شريكًا صغيرًا شعر ستالين، بطل الحرب العالمية المهيمن خارجيا وداخليا، بأنه قادر على السيطرة عليه. اليوم يملك شي جين بينغ معظم أوراق اللعبة.

في أواخر 1989، كان الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد السوفيتي أكثر من ضعف ناتج الصين. اليوم، يبلغ إجمالي الناتج المحلي للصين ستة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لروسيا قياسًا بمعادلة القوة الشرائية.

تحتل روسيا عاشرًا بين الشركاء التجاريين مع الصين، أعلى قليلاً من الفلبين وأقل بكثير من الهند، لكنها ثاني أكبر مستورد من الصين بعد الاتحاد الأوروبي.

وتعد الصين سوقًا حيويًا للمواد الخام الروسية؛ إذ تعتمد روسنفت، عملاق النفط الروسي، على التمويل الصيني وتحول نفطها إلى الصين بشكل متزايد.

وتتمتع الصين بإمكانية الوصول إلى بعض أصول روسيا الأكثر قيمة؛ إذ تملك شركات الطاقة الحكومية الصينية خُمس مشروع الغاز المسال في القطب الشمالي. نصف معدات الحفر التي تستخدمها شركات النفط الروسية تأتي إليها من الصين.

وفي مايو 2014، وقعت روسيا صفقات مع الصين بينها عقد للغاز قيمته 400 مليار دولار لمدة 30 عامًا، ورفعت القيود غير الرسمية المفروضة على أنواع الاستثمارات التي يمكن أن تقدمها الصين في شركات النفط، وأتاحت لها المجموعة الكاملة من الأسلحة الروسية غير النووية، بما في ذلك منظومة S-400.

وعظمت روسيا احتياطاتها من اليوان  للتهرب من هيمنة الدولار، الذي انخفضت حصته بمقدار النصف إلى 23٪ خلال 2018، بينما ارتفعت حصة اليوان من 3٪ إلى 14٪.

مثل هذا التباين الاقتصادي يلعب في السياسة الخارجية. لكن الشركات الصينية الخاصة تحجم عن الاستثمار في روسيا؛ خشية من العقوبات الأمريكية، أو قلقًا من المحسوبية وغياب القواعد.


كيف استسلمت روسيا للغزو الغزو التكنولوجي الصيني؟

تعتمد روسيا في نموها التكنولوجي على الصين.

وا واي ( هواوي ) تستحوذ على طرح معدات اتصالات الجيل الخامس في روسيا، كما دخل عملاق التجارة الإلكترونية الصينية على بابا في مشروع مشترك مع ميل روسيا، مالك أكبر شبكات التواصل الاجتماعي في البلاد.

ونسخت روسيا قانونها الصارم بشأن السيادة على الإنترنت من الصين، وتأمل في استخدام التكنولوجيا الصينية لتنفيذها.

وتزود الصين مكونات حيوية لأنظمة الأسلحة الروسية المتقدمة، كما تعتمد على منتجات صينية لمراقبة الشوارع والتعرف على الوجوه.

يقول الصحفي ليونيد كوفاتشيتش، الذي يراقب استخدام روسيا للتكنولوجيا الصينية، إن المسؤولين الروس يدركون المخاطر الأمنية المرتبطة باختراق الصين ويحاولون استخدام البرمجيات والخوارزميات الروسية الصنع، لكنهم لا يستطيعون الابتعاد عن الأجهزة الصينية.

كيف تورطت هواوي في صراع السياسة والتجسس؟ | س/ج في دقائق


الفناء الخلفي.. كيف ورثت الصين جمهوريات الاتحاد السوفيتي؟

لا تزال روسيا تعتبر آسيا الوسطى، التي استعمرها القيصر في القرن التاسع عشر، فناءها الخلفي، خاصةً في الشؤون العسكرية، لكن الصين وسعت نفوذها هناك

ترحب روسيا بالصين في المنطقة طالما بقيت مصالحها استثمارية في الغالب، لكن الأمر تغير تدريجيًا.

في طاجيكستان – أفقر دول آسيا الوسطى – مثلًا، تنوعت هدايا الصين للحكومة، من بناء مباني مؤسسات الدولة إلى تأسيس المدارس والطرق والأنفاق، وتعدين الذهب والفضة، ومحطة توليد كهرباء وطاقة حرارية ضخمة، ومنح بـ 1.3 مليار دولار، أي ما يقرب من نصف ديون الدولة الخارجية.

وبحلول 2016، بدأت وحدات الجيش الصيني الظهور في طاجيكستان، وأجرت الصين تدريبًا عسكريًا مع الجيش الطاجيكي، الذي دربت بعض ضباطه الأصغر سنًا في شنغهاي.

ورغم إنكار حضور الصين عسكريًا، لكن الملحقين العسكريين رصدوا العشرات من العسكريين الصينيين ومعسكرات التدريب ومراكز الحراسة في جبال بامير، التي لعبت دورًا في الاستراتيجية الكبرى منذ عهد الإسكندر الأكبر.

توسع الصين حاضر في دول المنطقة الأكثر ثراء. مسؤول حكومي كبير في كازاخستان – أغنى دول المنطقة وأطولها حدودًا مع روسيا – يقول: “لا تزال روسيا تنظر إلينا كجزء من الإمبراطورية، في حين تتحدث الصين عن الصداقة”.

تقول الإيكونوميست إن روسيا تلوح بالعصى، بينما تقدم الصين الجزر، وتتغلب على الاستياء من إساءة معاملة مسلميها في شينجيانغ  بمزيد من الكرم، مؤكدة أن الطريقة أثبتت الطريقة جدواها، فرغم سيطرة روسيا ثقافيًا ولغويًا وسياسيًا، لكن “لا يهم من المستأجر إذا كنت الصين تملك المبنى”، كما يقول دبلوماسي غربي، ليضيف مسؤول طاجيكي سابق أن “الصين تفعل ما كان الاتحاد السوفيتي يفعله”.

يقول ألكساندر جابويف، كبير مراقبي البرنامج الروسي في مكتب كارنيجي في موسكو، إن النشاط العسكري المتزايد هز موسكو، لكن كما يشير أحد الدبلوماسيين الهنود، بالكاد يمكن أن لروسيا أن تشكو: “لا تستطيع روسيا مواجهة الصين، لأنها تعتمد عليها”.

رئيس تائه يا أولاد الحلال .. اختفاء رئيس كينيا يكشف للأفارقة توقف “الكرم الصيني” | س/ج في دقائق


لماذا انتهجت الصين تلك السياسة؟

اعتبر مسؤولو الحزب الشيوعي الصيني سقوط الاتحاد السوفيتي تهديدًا خطيرًا؛ كونه وضع دولًا جديدة ذات أغلبية مسلمة على حدودها، وفتح الباب لسيطرة الغرب على بعضها، لتصبح مهمة الصين الرئيسية ضمان بقاء روسيا كقوة عازلة، ودية بأحسن الأحوال ومحايدة على الأقل بينها وبين الولايات المتحدة. لم تكن تريد جارًا ضعيفًا.. ولا عظيمًا كذلك.

دفعت بالاستثمارات واشترت النفط والسلاح، ومالت للتصويت مع روسيا في مجلس الأمن، إلا عندما يتسبب في مشاكل إضافية مع الولايات المتحدة.

لم تنتقد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، لكنها لم تعترف بالخطوة التي استفادت منها؛ إذ قضت على أي خطر منظور للتحالف بين الولايات المتحدة وروسيا، وحولت انتباه الغرب عن الصين، وجعلت موسكو أكثر اعتمادًا على بكين.

مع ذلك، تتمسك الصين بتجنب التحالف أو العداء؛ باعتبار أن العلاقة مع الولايات المتحدة أكثر أهمية، بحسب رئيس مركز دراسات روسيا وآسيا الوسطى بجامعة فودان الصينية فنغ يوجون، الذي يضيف: “روسيا تعتمد على الصين أكثر من الصين على روسيا. لا نريد تكرار أخطاء ستالين وماو”.

الوضع يناسب الصين تمامًا؛ فهي تريد صداقة دائمة مع روسيا تؤمن حدودها الشمالية، وتحول دون تكرار مواجهات 1969 أو قلق التسعينيات عندما بدت روسيا وكأنها قد تنجرف إلى مدار الغرب.

كذلك تلعب روسيا بحماس دورًا طليعيًا في حملة الصين لاختراق الأفكار الغربية المتعلقة بحقوق الإنسان والديمقراطية العالمية، والتي تعتبرها البلدان تحريضًا على “الثورات الملونة”.


لماذا تقبل روسيا بهذا الوضع؟

بحسب الإيكونوميست، يمكن أن يشير بوتين إلى عدة حجج لشراكته مع الصين، ليس فقط العداء المشترك للمشروع الليبرالي، لكن العقوبات الغربية المتواصلة التي تركت روسيا دون بدائل.

كما منحت الصين غطاءً لعمليات روسيا العسكرية في سوريا، وإلى حد ما في شبه جزيرة القرم. وعلى النقيض من نهاية القرن السابع عشر، عندما كان بطرس الأكبر ينظر إلى أوروبا باعتبارها منبع التقدم، يستطيع بوتين أن يجادل بشكل معقول بأن المستقبل الآن للصين ونظام رأسمالية الدولة.

مع ذلك، فإن بوتين مخطئ. النسخة الروسية من رأسمالية الدولة هي ترخيص لزمرة بوتين بالسعي للريع وتقويض الإنتاجية والسرقة بحرية من خزائن الدولة – وهذا أحد أسباب محدودية الاستثمار الصيني في روسيا.

هناك أيضًا تناقض بين ادعاء بوتين بأنه يستعيد عظمة روسيا والواقع الواضح المتزايد لتبعيتها للصين.

وعلى مستوى ما ، تتباين أهداف روسيا والصين. يوجد حد أقصى لما يمكن للروس العاديين التخلي عنه من الحريات الغربية. إذا تمسك النظام بالتمادي في تقييدها عبر التكنولوجيا الصينية، فسوف يغذي الغضب الشعبي تجاه الصين وعملائها الروس.

دعم الروس يكشف عدم تناسق آخر. فالتقارب مع الصين يضرب على أوتار الهوية الوطنية في روسيا.

عرَّفت النخبة الروسية نفسها كقوة أوروبية غربية لعدة قرون، لذا لا تتقبل أن تصبح بلادها أول قوة أوروبية تدور في فلك بكين.

حتى بوتين – الذي لم يكن مؤمنًا بالقيم الغربية – كان ينظر إلى الغرب كنموذج لتحديث روسيا وبذل جهودًا مناسبة للاقتراب، قبل أن يشعر بأن الغرب يصده عبر ما رآه تعدٍ على النفوذ الروسي بدعم “الثورات الملونة” وكيل الانتقادات لانتهاكات حقوق الإنسان.


هل يمكن لروسيا الخروج من الفخ الصيني؟ ما دور الولايات المتحدة؟

ترى الإيكونوميست أن مدى عمق نفوذ بكين ومدى الضغط الذي يمكن أن تمارسه للحفاظ على نفوذها سيتضح فقط حال خروج فلاديمير بوتين من السلطة ومحاولة خليفته التقارب مع أوروبا، حيث سيكتشف أن موسكو فقدت مجالها للمناورة.

وتقول الصحيفة إن فكرة السعي لاختطاف روسيا من أحضان الصين لا تبدو مغرية في الولايات المتحدة مع وجود الرئيس ترامب الذي لا يهتم بحماية أفكار الغرب عن القيم العالمية، لتضيف أن التحالف نفسه قد يكون مفيدًا لواشنطن باستمراره باعتبار أن الشراكة قد تخفف تجاوزات روسيا عالميًا، أو بسقوطها باعتبار أن روسيا حال شعرت بالغضب من تراجع قوتها ستهاجم الصين لإظهار أنها لا تزال قوة يجب وضعها في الحسبان.

وكشريك لروسيا، يمكن للصين أن تكون بمثابة مصدر للطمأنينة على طول الحدود المشتركة، وتخفيف تجاوزات روسيا في جميع أنحاء العالم.

الـ NEVER TRUMP.. من محاربة ترامب للسعى للانضمام لإدارته.. ماذا تغير؟ | س/ج في دقائق


كيف استعدت الصين لمحاولات روسيا التفلت من الوضع الحالي؟

تستعد بكين من الآن لمحاولة روسيا التحول في الوقت المناسب إلى الغرب لأي سبب، بحسب الإيكونوميست.

تقول الصحيفة إن بكين دشنت لوبي قويًا مؤيدًا داخل الأوساط السياسية في موسكو، واستفاضت في تفاصيل من شأنها أن تصمد أمام أي تغيير سياسي في روسيا، كما يقول مدير البرنامج الروسي في مركز كارنيغي في موسكو ألكساندر غابويف.

شركاء بوتين يضغطون باتجاه استمرار العلاقات مع بكين، حيث يستفيد كثيرون منهم من الاستثمارات الصينية، بحسب غابويف، الذي يقول إن حصة الأسد من الأموال الصينية تذهب إلى أصدقاء الرئيس.

ويقول أندريه كورتونوف، رئيس المجلس الروسي للشؤون الدولية إن سياسة موسكو تجاه بكين تتشكل من خلال جماعات الضغط التي يتمتع بها أصحاب الأوزان الثقيلة في الكرملين.

لكن زعيم المعارضة الروسية أليكسي نافالني نفسه يقول إن ما يفعله بوتين اليوم سيجعل من شبه المؤكد أن يصبح الزعيم القادم لروسيا رهينة لسياسته تجاه الصين.


Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:
اشترك في قناتنا على يوتيوب
شاهد أيضا
المعرفة في دقائق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86">
Twitter