هل تريد أن تعرف كيف حصلت على هذه الندبات؟

السؤال السابق يردده الجوكر 3 مرات، في فيلم المخرج كريستوفر نولان The Dark Knight. في مرتين منهما نسمع قصتين مرعبتين مختلفتين على لسان الجوكر، وفي الثالثة يقاطعه باتمان قبل أن يلقي علينا إجابة وكذبة أخرى.

هذا الغموض جزء من عنفوان وهيبة الجوكر منذ بدايته عام 1940 في عالم الكومكس. ظهرت لاحقًا من عقد لآخر قصص تفسر نشأته وشكله، لكن أغلب أباطرة الكومكس فضلوا الإبقاء عليه كما بدأ، وكما شاهدناه في فيلم نولان؛ سايكوباتي فوضوي شرير لا أحد يعرف بالظبط أصله ونشأته.

هيث ليدجر في The Dark Knight

بفضل هذه النسخة التي جمعت بين جينات الشخصية الأصلية في الكومكس، وذكاء نولان، وموهبة ليدجر، قطع الجوكر تذكرته للأوسكار عام 2009، ونال هيدجر جائزة أفضل ممثل مساعد.

في فيلم الجوكر Joker لم يكتف المؤلف والمخرج تود فيليبس وشريكه في السيناريو سكوت سلفر بكسر هذه التركيبة، والتعرض لقصة منشأ الجوكر، والتوغل في ندباته النفسية التي جعلت منه هذا المجرم المعقد، بل قرر أن يجعل هذا الخيط الدرامي الأساسي.

فيلمنا هذه المرة كما هو واضح من عنوانه يخص الجوكر، ولا يخص باتمان. ولمزيد من الدقة، هذا ليس فيلم عن الجوكر، بقدر ما هو فيلم عن أرثر فليك ومأساته التي خلقت منه في النهاية الجوكر.

إعلان فيلم Joker

الأهم من هذا أنه فيلم يأخذ من كل المعالجات السينمائية السابقة للشخصية اسم الجوكر فقط، وشهرته التي تضمن الكثير في شباك التذاكر، دون أدنى اهتمام بالباقي. لا وجود يذكر أيضًا للأكشن والإبهار البصري، أو أي جينات تخص عالم الكومكس وثوابته السينمائية. ولا تقيُد حتى بالتصنيف الرقابي PG-13 الذي يسمح بحضور الأطفال والمراهقين.

القالب الذي اختاره فيليبس لفيلمه الذي تدور أحداثه عام 1981 أقرب لأفلام حقبة السبعينيات وأوائل الثمانينيات السوداوية المتعلقة بالجريمة والعنف. والأستاذ الذي اختار أن يقتبس الكثير والكثير من أعماله، سواء دراميًا أو بصريًا هو سكورسيزي، وبالأخص فيلمي سائق التاكسي (1976) وملك الكوميديا (1982)، وكلاهما من بطولة روبرت دي نيرو.

في “سائق التاكسي” نتابع بطلًا فقيرًا محبطًا، يتعرض للكثير والكثير من مجتمعه الفاسد القاسي، الى أن يصل لنقطة الانفجار. وفي “ملك الكوميديا” نتابع مقدم برامج كوميديا مغمور يحاول التعرف على نجم في هذا المجال. كلا الخطين متوفر في الجوكر.

هذا التأثر يظهر أيضًا في طبيعة الاختيارات البصرية. الأحداث في مدينة جوثام، لكن لا وجود هنا لأجواء وتكوينات أفلام المخرج تيم بيرتون السيريالية عن عالم باتمان. الشكل هنا واقعي وأقرب ما يكون لنيويورك أواخر السبعينيات. مع طبيعة باهتة للألوان تتضمن باستمرار درجات من الأخضر الباهت والرمادي، تلامس أفلام سكورسيزي المذكورة، وأيقونات أخرى من نفس الحقبة.

لاحظ الألوان والشكل الباهت العام هنا

وللمزيد والمزيد من التحية لأستاذه وللفيلمين المذكورين، اختار فيليبس روبرت دي نيرو ليقدم دور نجم برامج كوميدية. بل وأعاد أيضًا استنساخ لقطات من سائق التاكسي، أشهرها المونولوج الذي يقدمه البطل، وهو يحمل مسدسًا.

هل تريد معرفة المزيد عن علاقة سكورسيزي بالجوكر؟

الأخبار الأولى عن التحضير للفيلم في 2017 تضمنت سكورسيزي كمنتج منفذ قبل أن يختفي اسمه. الغالب أن وارنر أرادت وجوده لأغراض تسويقية، لكن المفاوضات فشلت لسبب ما غير معلن.

رحلة الجوكر السينمائية هذه المرة، باختصار، لا تسير على خطى أفلام الكومكس، بقدر ما هي رحلة نفسية ودراسة لشخصية، تحمل ملامح سينما السبعينيات القاسية جدًا على البطل والمتفرج. وأهم أسلحتها هنا الممثل واكين فينيكس الذي يحمل الفيلم على أكتافه، ويرتقي به من مرحلة الفيلم الجيد جدًا، لمرحلة الامتياز والأصالة.

فقدان الوزن هراء يمكن للكل أن يحققه بمجرد الإصرار. إنجاز فينيكس الحقيقي هنا هو تأسيس أداء حركي وصوتي وسلوكي مميز للشخصية.. أداء يسحب من المتفرج مزيجًا من الشفقة والقلق والتوتر، نجح فيليبس كمخرج في بلورته أكثر وأكثر، بزوايا التصوير التي يختارها، والطريقة التي يحدد بها كيف يدخل أو يخرج بطله من الكادر.

هذا الأداء الذي انطبع حتى على ضحكة الجوكر، لتصبح هنا مختلفة الأسباب والمعنى والدلالة والتأثير عن كل ضحكاته سابقًا، يجعل لكل ثانية في الفيلم تقريبًا تأثيرًا مقبضًا وموترًا. الجوكر هنا شيء مختلف بفضل فينيكس. شيء يتسلل إلى روحك ولا يتركك حتى النهاية.

عن ذلك يقول المخرج إنه لم يحاول خلال مرحلة التحضير والتنفيذ، تطويع فينيكس لخدمة أفلام الكومكس، بقدر ما أراد تطويع عالم الكومكس لخدمة عوالم وشخصيات ومهارات فينيكس المعقدة.

10 اختيارات تمثيلية رفضها الجمهور ثم أثبتت صحتها | حاتم منصور

قد يكون من المهم أن أذكر فيلم The Master الذي أخرجه بول توماس أندرسون عام 2012 وقدم فيه فينيكس أولى علامات تألقه في هذا النوع من الشخصيات التي تحتاج لتأسيس أداء حركي ولغة جسد خاصة.

لم يعد السؤال هل سيترشح فينيكس للأوسكار عن الجوكر أم لا. السؤال الحقيقي هل يمكن أن يخطف مرشح آخر الأوسكار من قبضته هذا العام؟! وما هو الوارد تقديمه لاستحقاق الجائزة بدلًا منه؟

على ذكر الأوسكار، غالبًا سينافس الجوكر على غنائم أخرى مثل أفضل فيلم، بالإضافة إلى فروع تقنية ومنها التصوير وتصميم الإنتاج. تجدر الإشارة أيضًا إلى الموهوبة صاحبة البصمة السوداوية هيلدور جونادوتور التي تقدم هنا استمارة اعتمادها الثانية هذا العام، وسط عمالقة الموسيقى التصويرية، بعد مسلسل تشرنوبل.

تشرنوبل.. الانفجار السينمائي القادم من مفاعلات التليفزيون | حاتم منصور

رغم كل ما سبق وكعادة أي فيلم عظيم، توجد بعض العيوب، وعلى رأسها إصرار فيليبس كمؤلف ومخرج على توضيح وتأكيد مغزى الفيلم في حوار مباشر يتردد على لسان الجوكر، وكأنه غير واثق من أن ذكاء الجمهور كافٍ لالتقاط هذا المغزى.

لكن هذه العيوب لا تغير تصنيف الفيلم ولا تسقط عنه صفة الامتياز، وبالتأكيد تستحق شركة وارنر التقدير والتحية على تصحيح مسارها بمغامرة من هذا النوع.

ميلاد هذا الفيلم الفريد، حصيلة مسار آخر 5 أعوام، بعد أن أخفقت وارنر في بناء عالم سينمائي متكامل ومترابط من شخصيات دي سي كومكس على غرار عالم مارفل السينمائي، وأحبطت الجمهور والنقاد في عدة أعمال، كان أسوأها من وجهة نظري Justice League الذي عُرض في أواخر 2017.

ستان لي وأفنجرز.. رحلة التحديات من الورق إلى السينما |حاتم منصور

المسار الجديد هو تأسيس شركة وفريق موازٍ مهمته صناعة أفلام فردية عن شخصيات من هذا العالم، لكنها غير مترابطة في سلاسل أو أجزاء، وفيلم الجوكر هو أول ثمار هذا المسار.

بالتأكيد شهدت السنوات الأخيرة مغامرات هوليوودية أخرى بخصوص عالم الكومكس، كان منها (ديدبول – لوجان) وكلاهما دموي وعنيف، وبتصنيف غير مناسب للأطفال، لكن في النهاية هذه أفلام تحتفظ بالكثير من جينات وتوابل عالم الكومكس (الأكشن والإبهار البصري).

فيلم الجوكر بجنونه بالمقابل لا يخرج فقط من دائرة (ثوابت أفلام الكومكس) بل يخرج من دائرة (أفلام الكومكس) نفسها! وعلى ضوء البشائر الأولى للإيرادات، فالواضح أن الجمهور يبارك هذا التسلل لدرجة تفوق كل أحلام وارنر. لنأمل أن يكون هذا النجاح درسًا للباقين في هوليوود، ومقدمة لمغامرات إنتاجية أخرى سواء في أفلام شخصيات الكومكس أو غيرها.

أسوأ 10 أدوار في أفلام الأبطال الخارقين | حاتم منصور

بقي أن أذكر أن هناك بعض المهاترات السياسية والأيدلوجية، التي ألصقتها الميديا اليسارية الغربية بالفيلم دون داع. تعمدتُ تجاهلها هنا؛ لأنها دخيلة ومُفتعلة من ناحية، ولأنها تحتاج لمساحة كبيرة للنقاش وتستوجب حرق أحداث من ناحية أخرى.

سنتعرض لها غالبًا مستقبلا رغم ذلك، خصوصًا أنها ستترك تأثيرًا على الفيلم في موسم الجوائز. حتى ذلك الحين، يمكنكم معرفة الخطوط العريضة عنها، بفضل موضوعين نشرناهما سابقًا على صفحة “دقائق” على فيسبوك، ستجدونهما هنا في ختام الريفيو.

باختصار:

واكين فينيكس والمخرج تود فيليبس يعيدان الجوكر للقمة ولسباق الأوسكار، في فيلم لا يمثل فقط محطة أمجاد للشخصية، بل يمثل أيضًا محطة أمجاد في تاريخ أفلام شخصيات الكومكس عامة، وجوهرة سينمائية ستظل محور نقاشات ومقارنات لسنوات وسنوات مقبلة.


مخرج فيلم الجوكر تود فيليبس:لدينا الآن يسار متطرف لا يختلف عن اليمين المتطرف ويفعل أى شىء لخدمة أجنداتهعندما عُرض…

Posted by ‎دقائق‎ on Friday, 27 September 2019

مخرج الجوكر يواصل ضرباته ضد اليسار وثقافة الصوابية السياسية ويتهمهما بقتل الكوميدياعندما تم الإعلان عن التحضير لفيلم "…

Posted by ‎دقائق‎ on Wednesday, 2 October 2019

Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D8%B1%D9%8A%D9%81%D9%8A%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%88%D9%83%D8%B1">
Twitter