حالة الجدل التي بدأها المخرج الأمريكي الكبير مارتن سكورسيزي بتصريحاته ضد شرائط شركة مارفل، كلما أوشكت على الانتهاء تجددت بصورة أكثر حدة، خاصة بعد دخول زميله فرانسيس فورد كوبولا على الخط.

تصريحات سكورسيزي بدأت في ندوة صحفية للترويج لفيلمه المنتظر The Irishman

سكورسيزي لم يقل أكثر مما قلناه على مدار شهور على هذه المنصة، وما قاله غيرنا شرقًا وغربًا. حتى من دافعوا عن مارفل يدركون في أعماقهم أن خللًا ما مرتبط بصعود هذه الجهة الإنتاجية.. خلل غير مسبوق في أية مرحلة مراحل فن السينما.

بقدر المؤيدين للتصريحات، ظهر مدافعون عن مارفل من نجوم وصناع تلك الأفلام، أو بعض النقاد والمتابعين على السوشال ميديا. هنا نفند تلك الردود.

   1- الانتقاد مصادرة! 

يقولون: “لا يجوز انتقاد مارفل؛ فتلك مصادرة على محبيها وإهانة للمختلفين عنا في الذائقة الفنية”!

التفاف الملايين حول فكرة أو أيديولوجية أو سلعة ما، لا يجعلها معصومة من الهجوم، ولا يشخصنه بالضرورة.. سيبدو هذا بديهي للكثيرين لكن علينا قوله هنا.

يبدو أن البعض نسي أن النقد ليس حكرًا على النقاد المحترفين، ولا المقالات المدونة بهذا الشكل. يحق لأي شخص التعبير عن إعجابه أو رفضه لأي عمل فني، أو نوعية كاملة من الفنون، طالما لم يمارس سلطته لمنعها أو منع تداولها. ما بالك حين يكون هذا الشخص أحد كبار المهنة ويملك المعرفة بتاريخها وحاضرها وتطورها؟!

أكثر المقولات إلهامًا حول صناعة الأفلام

   2- مشكلة التصنيف! 

“ليست المشكلة في انتقاد مارفل، بل بالتصنيف، بتحديد ما هو السينما وما هو ليس كذلك”..

مشكلة الرد أنه يختزل ما قاله سكورسيزي وغيره في عبارة مقتطعة السياق، ومتبوعة بكثير من الاسترسال والشرح والتبرير للرأي، سواء في التصريح الرئيسي، أو في مناسبات لاحقة ظهر فيها سكورسيزي وكوبولا ليوضحا الأسباب التي بنيا عليها تصريحاتهما.

المشكلة الثانية أنه تجاهل حقيقية أنه ما من نقد فني يُكتب أو يقال بأسلوب حَرفي، دون مبالغة أو بلاغة، حصرًا وتعميمًا وتصويرًا وتمثيلًا.

وبرغم الشق البلاغي في حديث سكورسيزي، ثم استرساله في شرح ما قصده حرفيًا، ما زال هناك بعض الوجاهة في التشكيك بانتماء مارفل للسينما التي نعرفها. سنتناوله لاحقًا.

قصة المونتاج.. الفن الذي ميّز السينما عن بقية الوسائط | أمجد جمال

   3- المسألة خاضعة لمنطق العرض والطلب 

هذا الخضوع السطحي لمنطق السوق الحر يتجاهل عنصرًا مهمًا في أية معادلة اقتصادية، هو الدعاية والتوجيه بنوعيه السلبي والإيجابي، في عصر أصبح كل فرد منا آلة دعائية قائمة بذاتها.

فإذا كان من حق مارفل وديزني كسب المليارات بدعاية ضخمة لمنتجاتهما مع تسيّد الثقافة الجماهيرية بصيحات معظمها مصطنع ويعتمد على حالة “الترند”، فمن حق المعسكر الآخر أن يستخدم كل آليات الدعاية المضادة للترويج لسوق مختلف، وإلا سنصل لمرحلة أن يذهب راغبو السينما المختلفة للصالات فلا يجدون الأفلام التي تشبههم، ولن يستطيع تيار آخر من المبدعين العمل إلا في أفلام الفرنشايز كمارفل.

محبو أفلام مارفل وشبيهاتها مجاهرون بقوة في حبهم لهذه الأفلام، وهو ما يقود السوق السينمائي والترفيهي لحالة فقاعة دعائية تجعل الشركات تسيء تفسير معادلة العرض والطلب، ينبغي معها على الآخرين الجهر باختلافهم بنفس القوة لإحلال بعض التوازن والتنوع الحقيقي. هذا لن يبدأ إلا بظهور أصوات رفيعة ترفض هيمنة مارفل كما فعل المخرجان.

فن كتابة السيناريو.. 5 نصائح من كاتب THE SOCIAL NETWORK آرون سوركين | أمجد جمال

   4- شرائط مارفل سينما لأنها تعرض في صالات السينما 

من يقول ذلك يجهل بعض الحقائق عن تاريخ السينما؛ فأول أفلام صنعت والتقطت بالكاميرات لم تكن تعرض بصالات عرض بالأساس، بل كانت تخضع لمبدأ المشاهدة الفردية.

أما في فترة بعد اختراع آلة العرض (projector)، وحتى اختراع التلفزيون في الخمسينيات، فكانت السينمات تعرض النشرات الإخبارية في برامج عرض مستقلة، أو برامج مصاحبة للأفلام، فهل النشرات تعتبر سينما لمجرد عرضها في السينما؟!

كيف افترست التكنولوجيا السحر والخيال في “الملك الأسد 2019″؟ | حاتم منصور

   5- نفس الهجوم تعرضت له نوعية السينما الشعبية في كل زمن 

من يسوق الحجة غالبًا يعطي أمثلة بأفلام الويسترن والعصابات في الحقبة الكلاسيكية لهوليوود باعتبارها المعادل الفني لأفلام مارفل.

هل أفلام مارفل معادل عصري لأفلام الويسترن والعصابات؟

هل أفلام مارفل معادل عصري لأفلام الويسترن والعصابات؟

الفروق شتى.. أفلام الويسترن صُنعت قطعة بقطعة، عرفت بالكاد مبادئ السلاسل والفرانشايز والاشتقاق. قدمت قصصًا أصلية. لم تتمتع بميزانيات إنتاج هائلة مقارنة بفئة الأفلام الملحمية والاستعراضية آنذاك، ما لا يجعلها معادلًا حقيقيًا لمارفل.

أفلام الويسترن تنوعت في جونراتها؛ هناك العائلي، والحربي، والأكشن، والرومانسي، وهذا غائب عن أفلام مارفل التي تخضع كلها لمعادلة الأكشن.

أفلام الويسترن تقودها شخصيات معقدة ومركبة وخاضعة للتطور والتعلم. الشر فيهت متوازن مع الخير، ليسوا نبلاء دائمًا، منهم خارجون على القانون، ومترحلون يبحثون عن المأوى والمعنى في حياتهم، قطاع طرق، وهاربون من أحكام، أقوياء وضعفاء، شخصيات من لحم ودم بعيدين عن المثالية. صراعاتهم داخلية وخارجية، شخصيات تكبر وتنمو مع دراما القصة، باختصار كانت أفلام موجهة للكبار.

لا شبه بين Avengers وStagecoach، والمقارنة جريمة. أفلام مثل Angels With Dirty Faces وWhite Heat وEnemy of the State ليست مختلفة عن سلسلة “كابتن أميركا” وحسب، بل مناقضة لها.

مؤخرًا، انتقد المخرج الإسباني الكبير بيدرو ألمودوفار أفلام مارفل لافتقادها عامل الجنسانية المهم في شخصيات البشر. الأبطال الخارقون لا يقعون في الغرام أو الشهوة، وليسوا مثيرين جنسيًا.

ألمودوفار وصف هذه الشخصيات بالمخصية! والأفلام بأنها تهتم فقط بالمغامرة لا بأشخاصها. ألمودوفار محق، ويمكن استخدام انتقاده في مقارنات بين مارفل وأفلام الترفيه الكلاسيكية. على سبيل المثال لم يوجد بالأولى امرأة بفتنة وتعقيد ريتا هايورث في Gilda أو آفا جاردنر في The Killers.

لا يعيب أفلام مارفل فقدانها للجنس والإيروسية بكل تجلياتها، لكن مقارنتها بأفلام عصر آخر عاجزة عن التفريق بين الفيلم الترفيهي الموجه للكبار، والكارتون الترفيهي الموجه للأطفال.

مجددًا، لسنا ضد الكارتونية. المشكلة أن هناك من يرغب بإخراس من يسمي الأشياء بمسمياتها بدعوى التنوع واتساع الأفق.

ستان لي وأفنجرز.. رحلة التحديات من الورق إلى السينما |حاتم منصور

   6- ليس مفترضًا أن تصير كل الأفلام نخبوية 

لكن سكورسيزي وكوبولا، لم يكونا يومًا من مخرجي النخب، The Godfather لكوبولا مثلًا لم يكن فيلمًا وجوديًا غامضًا ورتيبًا، بل فيلم عصابات تشويقي وترفيهي اكتسح شباك التذاكر في سنة عرضه، وظل متربعًا على عرش الإيرادات لهوليوود لفترة.

ومن طالع تنظيرات سكورسيزي عن السينما وتاريخها يجد معظم الأفلام التي توقف عندها هي أفلام جونرا، بعضها ينتمي لأفلام الفئة ب (B-Movies) كفيلم الرعب Cat People.

إذًا، الهجوم على مارفل لا يتم لصالح نوع من السينما النخبوية غير الترفيهية.

هل خلود الفن معيار لجودته؟ خمس ثغرات لهذه النظرية | أمجد جمال | دقائق.نت

   7- أفلام مارفل صمدت في عصر التلفزيون 

صحيح، لكنها بذلك لم تحفظ للسينما مكانتها وتواجدها، بقدر ما نقلت التلفزيون نفسه إلى صالات العرض؛ فالارتباط التسلسلي بين هذه الأفلام وبعضها جعل أفلام السينما تبدو كحلقات التلفزيون في فلسفة الحكي، رغم أن السينما منذ فجرها عرفت مبدأ السلاسل والعوالم ليس بنفس القدر والفكر والخضوع لمبدأ مصانع الإنتاج الضخم التي تقدمه مارفل ومن ورائها الشركة الأم “ديزني”، وقد أصبحت باقي الشركات تقلدهم فيه.

هذا التسلسل المشبوه للأعمال يجعل التشكيك في انتمائها للسينما أمرًا لا يخلو من بعض الوجاهة.

TERMINATOR: DARK FATE.. المصير الهوليوودي المظلم مستمر بفضل الأجندات النسوية والعرقية | حاتم

   8- مارفل ليست مسؤولة عن فشل الآخرين 

مارفل مجرد فرع لأصل يسيّر كل شيء وهو ديزني الشركة الأم لمارفل، وسنجد الممارسات الاحتكارية الأخيرة لشركة ديزني بشراء “فوكس” وفرض معاييرها الفنية والأخلاقية على هذه الشركة، وتحويل هويتها نحو مدرسة سينما الفرنشايز، يثبت عكس الادعاء. نعم ديزني مسؤولة لدرجة كبيرو عن تحول المشهد السينمائي لما وصل إليه، بوقائع محددة ذكرناها في هذا المقال السابق:

أزمة هوليوود الجديدة: فوكس في قبضة ديزني “المهذبة”.. توسع فني أم استعراض قوة؟! | أمجد جمال


عصر هوليوود الذهبي لم يصدأ بعد: 5 مفاهيم مغلوطة (جزء 1) | أمجد جمال | دقائق.نت

عصر هوليوود الذهبي لم يصدأ بعد .. القصة والأسلوب شيء واحد (جزء 2)| أمجد جمال | دقائق.نت

عصر هوليوود الذهبي لم يصدأ بعد (3).. كيف انتصرت لنا على السلطة الأخلاقية | أمجد جمال


Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:
اشترك في قناتنا على يوتيوب
شاهد أيضا
المعرفة في دقائق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D8%B3%D9%83%D9%88%D8%B1%D8%B3%D9%8A%D8%B2%D9%8A-%D9%85%D8%A7%D8%B1%D9%81%D9%84">
Twitter