في الحلقة الأولى، أشرنا لخطوة ما يمثله “العقل النصي” في صناعة بذور وجذور الإرهاب. نتوقف هنا مع فكرة “شمولية العبادة” باعتبارها باب هذا العقل النصي؛ كون النص الديني المطلوب تحريك عقل الإرهابي به لا مبرر له بدون تلك العبادة الشمولية التي تستوجب فرض هذا النص في جميع تفاصيل حياته.

المشهور أن العبادة مجموعة شعائر وطقوس تعبدية مثل الصلاة والصيام والحج وما في حكمها، لكن ابن تيمية وسع المعني لتكون العبادة: “اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال”. من هنا دخلت المعاملات والسلوكيات العامة تحت مظلة “العبادة” حتى شملت الحياة كلها.

في كتابه “في ظلال القرآن” يُكفّر سيد قطب من يفصل بين العبادات وبين المعاملات، فيقول:

بعض الناس يفهمون أنهم يملكون أن يكونوا مسلمين إذا هم أدوا نشاط العبادة وفق أحكام الإسلام، بينما هم يزاولون كل نشاط المعاملات وفق منهج آخر، ولا يتلقونه من الله ولكن من إله آخر. وكل من يفصم الإسلام إلى شطرين يخرج من هذا الدين

بهذا المنطق الشمولي أصبح الهدف الوحيد من وجودنا في هذا العالم هو عبادة الله عبر الالتزام بكتالوج إلهي محدد في كل تفاصيل الحياة. لذلك يقول سيد قطب:

ليس في التصور الإسلامي نشاط إنساني لا ينطبق عليه معنى العبادة. والمنهج الإسلامي كله غايته تحقيق معنى العبادة أولًا وأخيرًا

   ليست هدف الخلق الوحيد 

يظن أغلبنا أن الهدف الوحيد من خلقنا ووجودنا في هذا العالم هو عبادة الله فقط، طبقًا لظاهر آية: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ”. وهو ظن غير صحيح بالمرة.

القرآن نفسه عدد أهدافًا للحياة،  منها أهداف تخص الله، مثل هذه الآية، وأهداف أخرى تخص الإنسان، مثل آية: “وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا”. فهي تشير إلى السكن النفسي كأحد أهم غايات الحياة، وكذلك آية: “تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً”، التي تشير للتنافس كأحد تلك الأهداف، وآية: “هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا”، التي تضيف هدف عمارة الدنيا بجوار أهداف كثيرة، منها ما ترك للإنسان يصنعها بنفسه.

أمام هذا المعنى، من يفهم العبادة باعتبارها مجموعة الطقوس والشعائر فقط، ويقرر أن يُطلّق الدنيا والحياة وينشغل فقط بأداء هذه العبادات باعتبارها الهدف الوحيد من وجودنا في هذا العالم، لن نجني من ورائه إلا المزيد من التخلف، بينما العالم يتقدم بالانشغال بالعمارة والتنافس على أحسن الأعمال لجعل حياة الناس أفضل وأسهل.

كذلك الحال مع من يفهمون أن العبادة كالتزام مجرد بمنهج محدد في جميع تفاصيل الحياة، فيرفضون شتى النظم الحديثة، ويحاربون كل جديد، ويعطلون كل محاولات التطور والتقدم بحصر البشرية في نظام رجعي واحد غير قابل للتعديل والتطوير.

أما فهم العبادة باعتبارها مجموعة الشعائر وما يتبعها من علاقة روحية بين المرء وربه، وأنها ليست الهدف الوحيد من خلقنا، فلا يمكن أن يعيق أي تقدم أو يصنع عنفًا وإرهابًا، وهو ما لا يرضي من يرغبون في استخدام تلك العبادة الشمولية في صناعة الإرهاب والتطرف.

سيد قطب| قصة معالم في الطريق | عبد السميع جميل

   لغم العبادة الشمولية 

شمولية العبادة بمعناها الروحي يمكن فهمها في سياق كونها شأنا شخصيا روحيا يحكم ضمير الإنسان، أما شمولية العبادة بمعناها النصي القائم علي تدخل الدين في جميع تفاصيل الحياة بفرض نصوص محددة في صورة كتالوج إلهي مزعوم كشرط لإكمال العلاقة مع الله فخطير؛ لأنه سبب الجمود والعداء لكل ما هو جديد من القيم والنظم وحتى المنتجات والآلات الحديثة؛ كونه يدفع متبعه لرفض محاولات التقدم، وإزاحة جميع النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية والحضارية الجديدة باعتبار الإسلام شمل كل هذه النظم بداخله وليس في حاجة إلي نظم جديدة!

ومن ثَّم لا يمكن للإنسان – وفق هذا التصور – تطوير حياته مع هذا “الكتالوج الإلهي” الذي لا يجوز الاعتراض عليه أو تغييره أو تعديله!

أقسام التوحيد عند ابن تيمية.. مفتاح تكفير المسلمين | عبد السميع جميل

يستميت دعاة الجماعات الدينية في الترويج لتلك الفكرة عبر آيات كثيرة، منها آية: “قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ” رغم وضوح قصد الآية في إخلاص النية لله، دون أدنى إشارة لفكرة المنهج الإلهي الشامل لضبط جميع تفاصيل الحياة، كما يزعمون في ما يُسمى بالاقتصاد الإسلامي، والطب الإسلامي، والفن الإسلامي، وقواعد المرور الإسلامية، وغيرها من الأمور التي لا علاقة لها بالإسلام.

مراعاة الله في الالتزام بقواعد المرور أثناء قيادة السيارة مثلًا لا تعني أن لقواعد المرور نفسها نظاما إلهيا، وكل من يزعمون أن لقواعد المرور نظاما إلهيا خبثاء يبتدعون أمورًا لا علاقة لها بالدين تحت ستار شموليته لجميع نواحي الحياة حتى يتمكنوا من التحكم فينا في النهاية باعتبارهم شارحي هذا الدين!

يساعدهم في ذلك معاني الخضوع والإذعان الأعمى الكامنة داخل مفهوم العبادة عند الناس، فعبادة الله عندهم لا تختلف عن العبودية، حيث الخضوع للأوامر بلا اعتبار لأمور مثل الرضا والاقتناع شأن كل علاقات العبيد بأسيادهم. الأمر الذي ذهب القرآن إلي نقيضه تمامًا حين خاطب المسلمين باعتبارهم “عبادًا” وليسوا “عبيدًا”، وقدم علاقة الله مع الإنسان باعتبارها قائمة علي أساس عقلي وروحي قائم علي إرادة طوعية حرة ناشئة من التدبر والتفكر والانحياز الروحي، وإلا أصبحت علاقة شكلية تجعل من “الأخلاق” – الناتجة من تلك العلاقة – ممارسات شكلية واجبة النفاذ بلا أساس عقلي وروحي من داخلها، ما يؤكد على أن فاعلية الإنسان مع الأوامر الدينية بالفهم والتفسير والتحليل والتعديل والتطوير والتجاوز أحيانًا أمر في غاية الضرورة، وإلا أصبحت العبادة أحد أهم القواعد المؤسسة لصناعة الإرهاب والتخلف.


البنا وقطب والقرضاوي ثالثهما.. 5 معالم لمؤسس فقه عصور التحول | هاني عمارة

من “حديث مع الله” إلى أزمة المناديل والقمر.. 3 معارك في حياة الشعراوي | هاني عمارة

محمد عبده “الكافر” الذي أسس جماعات الإسلام السياسي| عبد السميع جميل

محمد الغزالي.. إمام الوسطية المزيف خاض معارك تكفير طالت حتى مرشد الإخوان | عبد السميع جميل


Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:
اشترك في قناتنا على يوتيوب
شاهد أيضا
المعرفة في دقائق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D8%B4%D9%85%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D8%A9">
Twitter