مصطلح “الواقعية” يرتبط بأي حديث عن المخرج صلاح أبو سيف، حتى لو كانت الكلمة نفسها ما زالت حتى اليوم تعبر عن مفهوم معقد ومثير للغط والاختلاف أكثر من التعريف والتحديد.

ولعل فضيلة صلاح أبو سيف الكبرى لم تكن في الواقعية كمفهوم مجرد، بل بإضفاء معانٍ واضحة للمصطلح المطاط. العقل الجمعي للمصريين قد يجهل ما هي الواقعية، لكنه يعرفها جيدًا حين يكون صلاح أبو سيف مرجعًا لها.


سينما المؤلف والمخرج.. الفن يتسع للجميع


   دراسة السينما بالسينما 

ولد صلاح أبو سيف بأحد أحياء القاهرة الشعبية (بولاق) في فترة الحرب العالمية الأولى، ودرس السينما بالذهاب لصالات السينما نفسها لا المعاهد والكليات.

علّم نفسه بنفسه، مشاهدًا وقارئًا نهمًا. نجح في تثقيف نفسه رغم نشأته في بيئة فقيرة. يقول إنه اضطر في صباه إلى نقل كتاب “الفن السينمائي” لفيسفولد بودوفكين بأكمله في كراسة صغيرة؛ لأنه لم يكن يملك من المال ما يكفي لشراء الكتاب حينها.

تأثر صلاح أبو سيف في شبابه بالأدب الواقعي الأوروبي، خاصة روايات “إيميل زولا” و”بلزاك” و”فلوبير”، وانجذب سينمائيًا لأعمال المخرجين الأمريكي “جون فورد”، والألماني “فريتز لانج”. درس الواقعية الإيطالية. وهو من علّم صديقه الأديب نجيب محفوظ فن كتابة السيناريو، بينما اقتبس بعض رواياته في روائع سينمائية أخرى مثل “بداية ونهاية”، كما كان له الفضل في تقديم الموهبة السينمائية شادي عبد السلام، جاره الشاب الذي درس الفنون الجميلة وأراد العمل في السينما، فاستعان به أبو سيف كمساعد في فيلم الفتوة.

بدأ أبو سيف مشوار السينما في قسم المونتاج باستوديو مصر سنة 1935، وظل به سنوات، ثم تدرج في مهام صناعة السينما، وكانت النقلة الكبيرة حين اختاره المخرج كمال سليم مساعدًا له في فيلم العزيمة، ليقدم بعدها أبو سيف أفلامًا طويلة من إخراجه.

مشوار ممتد من الأربعينيات وحتى التسعينيات، حافل بالنجاحات، لا يخلو أيضًا من إخفاقات ومعارك ودروس حياتية.

أسلوبه الفني تميز بالبساطة، وانجذابه للمواضيع المتعلقة بالظلم الاجتماعي بأنواعه. اقترب من جوهر الشخصية المصرية، ورسم هموم مجتمعه بنظرة غير دخيلة.

ونحن نحتفل هذا الشهر بذكرى ميلاده، قررنا أن نتناول ملامح فنية من مشواره من خلال تصريحات سابقة أدلى بها في حوارات مختلفة على مر عقود.


تأثير مانديلا في السينما.. ذاكرة مزيفة أم إبداعية؟ | أمجد جمال


   سينما بلغة الرموز 

مما يميز سينما صلاح أبو سيف استخدامه للرمزيات، والتوريات البصرية سهلة الفهم على المتلقي، لا ننسى لقطات بعينها من أفلامه. في فيلم الزوجة الثانية مثلًا بعد موافقة “فاطمة” (سعاد حسني) على الزواج من العمدة، نرى بعدها مشهدًا لبقرة تُباع. وفي فيلم شباب امرأة نرى في مشهد “شفاعات” وهي تصحب “إمام” في الشارع بينما على الجهة الأخرى شخص يجر خروف، وغيرها من اللقطات بحيث يكون التعبير بالصورة.

لهذا الميل عدة أسباب منها خوف أبو سيف من عدم فهم المتفرج، ورغبة في تكرار المعلومة بشكلين مختلفين، وهناك أسباب أخرى، يقول:

الرمز، خاصة الذي يشير إلى الجنس، هو أسلوب ولاد البلد، أسلوب التلميح لا التصريح؛ لأن أولاد البلد يتسمون بالخجل وحب الحياة أيضًا. وهذا ما يجعلهم يفضلون الإيحاء الذكي المشبع بالجنس؛ لأن كشف الأمور يؤلم المتفرج أحيانًا، ويهين فطنته دائمًا. كما أن هذا الأسلوب تفرضه ظروف الرقابة. وفيما بعد، اكتشفت أن لغة الرموز عالمية، ينفعل ويتفاعل معها المتفرج في أي مكان. ففي مشهد زواج محجوب عبد الدايم وإحسان في فيلم القاهرة 30 تعمدت أن يجلس محجوب تحت قرون معلقة على الحائط، لم أستطع أن أقول إنه قواد، قَبِل الزواج بعشيقة الباشا وهو يعرف ذلك. فلجأت إلى هذا الرمز الذي فهم بسهولة، ليس في مصر فقط ولكن في إيطاليا وتشيكوسلوفاكيا أيضًا، فقد ضجت دور السينما بالضحك من هذا المشهد


أحمد زكي.. كيف استحق اعتذار روبرت دينيرو عن “زوجة رجل مهم”؟ | أمجد جمال

أفضل طرق اختيار عنوان لفيلمك، وأنجحها في تاريخ السينما | أمجد جمال | دقائق.نت


   الانقلاب على الواقعية 

قلنا إن تصنيف الواقعية ارتبط بسينما صلاح أبو سيف، وبقدر ما استفاد بهذا التصنيف بقدر ما أضره حين حصره البعض في نوع معين من الواقعية، وبقصور في تعريف الواقعية. ففي فترة من مشواره، ابتعد عن تقديم قصص الفقراء وقدم أفلامًا عن الطبقة المتوسطة، معظمها مقتبس عن روايات إحسان عبد القدوس مثل أفلام أنا حرة، والوسادة الخالية والطريق المسدود ولا تطفيء الشمس، واتهم وقتها بالحياد عن مدرسته الواقعية، يقول عن هذه المرحلة:

إنها لا تقل أهمية عن سابقته؛ لأنها تعالج قضية المرأة وحريتها. وهل الحرية أن تخرج الفتاة وتدخن وترقص مع الأولاد؟ هذه قضية واقعية جدًا. هذه المرحلة لا تنفصل عن منهجي الواقعي بل هي استمرار لما أقدمه. البعض فهم الواقعية غلط. وكأن الواقعية أن تقدم ما يحدث داخل الحواري والأحياء الشعبية فقط، وإذا قدمت مشكلة تحدث في طبقة أخرى تكون قد انفصلت عن الواقعية. إنني في مرحلة إحسان عبد القدوس انتقلت إلى واقعية طبقة أخرى. والأفلام التي قدمتها مع إحسان من أفضل الأفلام التي قدمتها؛ لأننا كنا على درجة كبيرة من التفاهم؛ ولاقت هذه الأفلام نجاحًا كبيرًا


أكثر المقولات إلهامًا حول صناعة الأفلام

قصة المونتاج.. الفن الذي ميّز السينما عن بقية الوسائط | أمجد جمال


   طعنة المثقفين 

الجنس من القضايا التي ركزت عليها أفلام صلاح أبو سيف. وشكل العلاقات بين شخصيات أفلامه كثيرًا ما كان صادمًا، ودخل به في معارك مع الرقابة، من أشهرها معركة فيلم حمام الملاطيلي. يقول:

بعد صعوبات واجهها الفيلم مع الرقابة تم عرضه على لجنة في مجلس الشعب، ولما وافقت اللجنة على عرضه، هاجمها بعض الصحفيين، كما لم يحظ الفيلم بتقدير النقاد فهاجموه بشدة، وكانوا أقسى على الفيلم من الرقابة، حتى الذين أحترمهم ومنهم رؤوف توفيق هاجم الفيلم. وقد آثار الفيلم مخاوف الرقابة بعد أن وافقت عليه، فأخذت كل يوم تقطع جزءًا منه

رؤوف توفيق كتب مقالًا ساخرًا في مجلة الكواكب بعنوان “صلاح أبو سيف في الحمام” .. ووصف سمير فريد الفيلم في جريدة الجمهورية بأنه “سينما فاضحة”. وفي مجلة الكواكب يصيح فهمي حسين عمر “صادروا هذا الفيلم”.

الرمزية كما أشرنا كانت وسيلة للتحايل على الرقباء بأنواعهم، ولكن التحايل اتخذ أحيانا شكل المهادنة والسير على هوى المجتمع، يقول:

في فيلم “شباب امرأة” الذي أنتج عام 1955 كانت المسألة الأخلاقية أخطر من الآن، ولذلك أنهيت الفيلم بموت البطلة شفاعات “تحية كاريوكا”؛ لأنها أخطأت وأضاعت مستقبل شاب بريء، لكن إذا قدر وأخرجت هذا الفيلم اليوم لتركت نهايته مفتوحة! لماذا؟ لأن العقلية المصرية تفتحت الآن. ومن الممكن أن تكون شفاعات قد أعطته درسًا في الحياة وعلمته شيئًا


جرائم السلطة الاجتماعية في حارتنا .. الحلقة الغائبة بين الحكم والقانون

هل خلود الفن معيار لجودته؟ خمس ثغرات لهذه النظرية | أمجد جمال | دقائق.نت


   التاريخ أقوى من النقاد 

ربما يكون هجوم الصحفيين والنقاد متوقعًا على فيلم مثل “حمام الملاطيلي”، وإن كان غير مبرر فنيًا ويتسم بالرجعية، لكن المدهش للأجيال الجديدة أن روائع مثل “القاهرة 30″ و”البداية” و”الزوجة الثانية”، نالت قسطًا من الانتقادات الفنية بعد عرضها. يقول صلاح أبو سيف:

أحمد صالح مثلًا لم يعجبه فيلم واحد من أفلامي، حتى أفضلها مثل القاهرة 30 والبداية. ثروت أباظة يعتبرني شيوعيًا ولذلك لا تعجبه أفلامي. فتحي فرج لم يجد غير أفضل ما في القاهرة 30 واعتبره عيوبًا. هناك من يريد أن يثبت للقارئ أنه يفهم أفضل وأنه ناقد ينظر من أعلى. سمير فريد كتب في الجمهورية نقدًا لاذعًا لفيلم الزوجة الثانية تحت عنوان “أيتها الواقعية كم من جرائم ترتكب باسمك” صدمني العنوان، هل أصبحت مجرمًا في حق السينما التي أعتبرها رسالة وأتعامل معها بكل جدية؟ ووصل بي التأثر من هذا المقال إلى درجة أنني قررت أن أترك السينما. وراجعت نفسي وقررت أن أستمر طالما أنني مقتنع بسلامة ما أعمله ولدي ما يعوضني عن هذه الإهانات، وهو ما ألقاه من تقدير من مجموعة من النقاد والمثقفين والجمهور


ستان لي وأفنجرز.. رحلة التحديات من الورق إلى السينما |حاتم منصور

LEAVING NEVERLAND.. قضية مايكل جاكسون: السينما قاضٍ والجمهور هيئة محلفين | أمجد جمال

العظماء السبعة: نجوم لا يجوز استبدالهم في هوليوود


Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:
اشترك في قناتنا على يوتيوب
شاهد أيضا
المعرفة في دقائق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%AD-%D8%A3%D8%A8%D9%88-%D8%B3%D9%8A%D9%81">
Twitter