هل تظن أن البريكزيت BREXIT (خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي) قضية بريطانية صِرف لا علاقة للعالم بها؟ هل تعتقد أن تبعاتها لا تستحق اهتمام الدول خارج أوروبا بمراقبة تطوراتها؟ الواقع ومشاهداته يذهبان لعكس ما تظن، ولهذا تراقب حكومات العالم ما يحدث عن كثب، ولكل منها أسبابه.. إليك بعض منها.

   من الكتل الأيديولوجية إلى الدول الوطنية 

لنفهم تبعات البريكزيت نحتاج لرؤية منطلقاته من الأصل.

انتصار بريطانيا الحاسم وتحريرها للقارة الأوروبية، بمساعدة دولة فتية تنتمي لمظلتها الأنجلوفونية اللغة (الولايات المتحدة) هو الذي صنع الاتحاد الأوروبي. هذا لا ينكره معظم الساسة الأوروبيين، حتى ميشيل بارنييه، رئيس لجنة التفاوض حول البريكزيت من الجانب الأوروبي. لكن بارنييه – مثل العديد من الأوروبيين – كان يشير دائمًا إلى دور تشرشل تحديدًا في صناعة فكرة الاتحاد، مشيرًا إلى خطابه في لاهاي سنة 1948.

ولأن الشيطان في التفاصيل كما يقول الإنجليز، فقد نسي بارنييه وساسة الاتحاد الأوروبي أن تشرشل ذكر في نفس الخطاب أن الاتحاد يجب ألا يعبر عن خيار ساسة أو أحزاب، وإنما الشعوب الحرة، أي أن حالة الاتحاد يجب أن تخضع لإرادة الشعوب، لا العكس.

عمليًا، وبعد رحيل تشرشل، صارت الحاجة لإعادة اكتشاف المبادرة في ضوء احتدام الحرب الباردة ضرورة. ضُخت ملايين الدولارات، خاصةً من مشروع مارشال، لخلق كتلة غربية قادرة على صد تضخم الكتلة الشرقية، فلم يكن “مجلس أوروبا” أكثر من رد فعل عملي لحلف وارسو. الاتحاد الأوروبي إذًا كان وليد عصر الكتل الإقليمية.

ومع انهيار الاتحاد السوفييتي، رأى ساسة الاتحاد الأوروبي فرصة ذهبية لتضخيم الاتحاد، سواء من خلال طبيعة تشريعاته أو ضم دول الكتلة الشرقية.

هنا يأتي البريكزيت كصيحة عمرها تقريبًا 20 عامًا، أرادت أن تقول للاتحاد الأوروبي أن الواقع تغير، وأن عصر الكتل الأيديولوجية انتهى، وأن العودة لسيادة الدولة الوطنية هي الإرادة الحقيقية للشعوب التي لا تقبل تشريعات تأتيها من عواصم أجنبية.

ولأن الاتحاد الأوروبي كان ينتقل من التكتل إلى الوحدة تحت راية واحدة كدولة جديدة تسمى بالـ Superstate، فإن الدول المكونة لها باتت تبحث عما يُسمى بالدولة الوطنية Nation State. تلك النقلة كمعبر حقيقي لإرادة الشعوب التي ارتكز عليها تشرشل في رؤيته الصحية للاتحاد، لم يكن لها أن تبدأ إلا من بريطانيا أيضًا، وليس أي دولة أخرى أقل تأثيراً.

هذا يظهر بوضوح في رد السياسي الإنجليزي نايجل فاراج على جون-كلود يونكر، رئيس الاتحاد الأوروبي في تلك النقطة:

التبعات نراها اليوم في صعود أحزاب عديدة في دول أوروبية بدأت في التفكير في إطلاق مشروع للخروج من الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك دول عظمى بحجم فرنسا.

   تحرير الاقتصاد العالمي 

يشكل حجم اقتصاد بريطانيا 18% من حجم اقتصاد الاتحاد الأوروبي. هو بذلك أكبر ثاني مساهم بعد ألمانيا (20%)، بينما تأتي فرنسا ثالثةً بـ 15%، أي أن الدول الثلاث يشكلون أكثر من نصف إسهام دول الاتحاد معًا.

الرقم الاقتصادي الخطير هو أن لندن وحدها تستضيف 37% من مجموع الأسهم المالية في أوروبا، و17% من مجموع الأسهم المالية Global Equities للعالم كله.

بالنسبة للأوروبي، تلك الأرقام وحدها يمكن تفسيرها في اتجاهين متناقضين. الأول إيجابي: بخروج بريطانيا سينتقل مركز لندن كحاضن للمؤسسات الاقتصادية الكبرى نحو عواصم أوروبية بديلة.

ولأن ألمانيا هي الأكبر اقتصاديًا في الاتحاد، تم ترشيح برلين كبديل، إلا أن من يعرف المدينتين إذا عاش فيهما، وبدون اللجوء للأرقام، يعي تمامًا أن برلين لا تقوى على منافسة حي Canary Wharf وحده في لندن من حيث الإمكانات والبنية التحتية، فما بالك العاصمة كلها.

 بالتالي فإن احتواء تبعات البريكزيت داخل الاتحاد الأوروبي اقتصاديًا ليست فكرة عملية، وهو التفسير الواقعي للأمر. الاتحاد يعي ذلك، ولهذا فإنه سخر الأعوام الثلاث السابقة لإحباط عملية الخروج.

لكن حينما تخرج تلك الكتلة الاقتصادية المهولة من جسد الاتحاد الأوروبي، هل لهذا تأثير على الأسواق الخارجية، كأسواق الدول العربية مثلًا؟

بلا شك. مبدأ البريكزيت الاقتصادي هو ما أسماه الاقتصاديون: Go Global، والذي يعني تحرير الاقتصاد الذي كان مرتبطًا بقوانين الاتحاد الأوروبي، التي تمنع توقيع اتفاقيات اقتصادية ثنائية bilateral بين الدولة العضو والدول الأخرى خارج الاتحاد.

على سبيل المثال، ستستطيع المملكة المتحدة إقامة اتفاق تجارة حرة مع الولايات المتحدة الأمريكية، أستراليا، كندا ونيوزيلاندا. قد تلاحظ أن تلك الدول كلها تتحدث الإنجليزية، وهي كلها وليدة تاريخيًا من رحم بريطانيا (باستثناء أمريكا، الباقي جزء من الكومنولث). سينشأ عن ذلك كتلة اقتصادية، وليس أيديولوجية، ضخمة ستدخل كمنافس تجاري مباشر مع كتل اقتصادية أخرى منها الاتحاد الأوروبي نفسه.

في منطقتنا العربية مثلًا، فإن الكتلة الاقتصادية الضخمة في الخليج تنتظر تفعيل البريكزيت باهتمام شديد لعقد اتفاقات ثنائية مع بريطانيا، الشريك التاريخي لها.

الشراكة لن تكون فقط في قطاع الصناعة ولكن في الاستثمار، فكيانات ضخمة مثل هيئة الاستثمار الكويتية التي تدير أصول الدولة فيما يخص الاستثمار الأجنبي (تدير استثمارات تعادل 600 مليار دولار) مقرها الرئيسي في لندن، وقد أبدت الكويت استعدادها لعقد اتفاقات تجارية مباشرة حال تحقيق البريكزيت.

بريطانيا أيضًا أكبر مستثمر أجنبي مباشر في مصر، واليوم ستدخل بريطانيا السوق المصري محررةً من قيود اتفاقيات الاتحاد الأوروبي. وبالمقابل تتطلع مصر لاتفاقاتٍ تعطي تسهيلات للتصدير فيما يخص المنتجات الزراعية والقطنية.

أما الصين، فلن يتم كبح صادراتها لسوق بريطانيا الكبير بسبب إيلاء المنتج الأوروبي الأولوية بسبب الاتحاد الأوروبي. إنما سيكون الفيصل هو المنافسة في الجودة والسعر، بما يشجع الصين على تشكيل سياسة تصديرية وتجارية جديدة في ضوء البريكزيت وإمكانية اختراق السوق الأوروبي لدول قد تتبع النموذج البريطاني في الخروج.

الأهم من تغيير شكل التكتلات الاقتصادية في العالم هو الحالة التي خلقها البريكزيت في وعي الشعوب التي ستبحث عن تحرير اقتصادها من الهياكل الاقتصادية القديمة والمترهلة، والبحث عن علاقات ثنائية وكتل جديدة خارج حدود انتمائها الإقليمي، لتصير حرية رأس المال هي البديل الواقعي للنعرات الأيديولوجية من مخلفات حروب القرن العشرين.


التجربة السويسرية… هل يسحق البريطانيون اليسار والاتحاد الأوروبي في الانتخابات القادمة؟ | مينا منير

إجابة خطأ يا شعب. هل ينفذ “الديمقراطيون” الأوروبيون إرادة الشعوب دائمًا؟ | تايم لاين في دقائق

توماس كوك.. عملاق السفر التاريخي الذي قضى عليه الإنترنت والبريكزت| س/ ج في دقائق‏

ليبيا وأخواتها.. هل أظهرت عجز الاتحاد الأوروبي أم قوته؟ وهل يمكن التعويل عليه؟ | س/ج في دقائق


Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:
اشترك في قناتنا على يوتيوب
شاهد أيضا
المعرفة في دقائق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D9%85%D8%A7-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%B2%D9%8A%D8%AA">
Twitter