قصيدة بوريس جونسون البذيئة عن إردوغان .. ماذا تخبرنا عن شخصيته | مينا منير

قصيدة بوريس جونسون البذيئة عن إردوغان .. ماذا تخبرنا عن شخصيته | مينا منير

3 مارس 2020
مينا منير دقائق

مينا منير

باحث بجامعة لوزان - سويسرا

تركيا
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

منذ أيام، حدث التصادم الأول بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا في مفاوضات ما بعد البريكزيت. الاتحاد الأوروبي عرض “خطوطه الحمراء التي وضعها بالاعتبار قبل التفاوض، وعلى رأسها ما أسماه بالـ Alignment in Human Rights Laws، أو توحيد قوانين حقوق الإنسان واللجوء حال الخلاف إلى محكمة العدل الخاصة بالاتحاد الأوروبي في بروكسل (EU Court of Justice).

الرفض لم يكن رد بوريس جونسون الوحيد، بل أرسل لهم مذكرة تهديد Ultimatum مفادها أن مجرد تقديم أي اقتراح آخر يمس سيادة بريطانيا ومؤسساتها سيُقابل بوقف التفاوض وستعمل بريطانيا بموجب ذلك بقوانين التجارة العالمية WTO. هذا التهديد الخشن الذي لم تبادر به دولة منذ الحرب العالمية الثانية نحو دول أوروبا لم يأتِ من فراغ، إنما من شخصية بوريس جونسون التي تختلف جذريًا عن سابقيه.

البريكزيت.. خفة لا تُحتمل لأمة | خالد البري | رواية صحفية في دقائق

في هذا المقال سنسلط الضوء على بعض جوانبها.

   صبيًا.. اختار الدور الذي حرك الأحداث 

في زيارة سريعة لأكسفورد، التقيت أستاذي وصديقي جورج. رؤيتنا للسياسة البريطانية تختلف جذريًا، لكننا نعرف كيف نتجاوز الاختلافات برشاقة ومعسول الكلام الإنجليزي.

جورج ينتمي لعائلة عريقة، ويتحدث بلكنة الطبقة العليا. جلالة الملكة تعرفه شخصيًا، وبادلته التحية في زيارتها الأخيرة. تذكرت إشارةً قالها وسط حديثه عن أيامه في “إيتون”. والإشارة لإيتون تحل المعضلة؛ فهي مدرسة أغنياء العالم وأبناء العائلة المالكة.

بربط المعلومة بسنّه سألته: إن كنت في إيتون حينها فهذا يعني أنك كنت زميلًا لبوريس جونسون.

رد ببساطة وبتجهّم: نعم.

كان الحديث ثريًا. حكي لي جورج ذكرياته مع كاميرون وجونسون في المدرسة، لكن إحداها تستحق الوقوف عندها لما لها من دلالات.

في مسرح المدرسة واجهتهم مشكلة: الرواية تحتاج دورًا لفتاة، ولم تكن معهم فتيات. سأل المدرس عن حل، فقرر بوريس جونسون أداء الدور.

 ضحك الجميع لما رأوه في ملابس فتاة، لكن أداءه كان جيدًا جدًا.

ولما انتهت المسرحية سأله أحدهم عن سبب تطوعه للقيام بالدور المحرج. فقال: “إذا قرأت الرواية جيدًا، ستعرف أنه الدور الذي حرك الأحداث. كان أهم دور”.

يبدو أن مقتك الشديد له يتجاوز قضية الاتحاد الأوروبي“. قلت له معلقا.

رد بعد صمت: ليس مقتًا بقدر كونه عدم تقبل لأسلوبه. بوريس لم يتغير منذ صباه. له استراتيجية مارسها ويمارسها اليوم؛ كالقطار الذي يدهس ما يقف أمامه. شيء قَدَري تستشعره في أسلوبه. أمر إن لم تتقبله سيثير امتعاضك ولن تقدر على فعل شيءٍ حياله. في الماضي كان دورًا في مسرحية “اليوم مصير مملكة!”.

لا أتذكر أني رأيته عنيفًا

العنف ليس مرادفاً للقوة. لم يكن عنيفَا، بل كان يعرف ما يريد، ويدرك متى وكيف يحصل عليه، تمامًا كما فعل في الانتخابات الحزبية حين استقال كاميرون. قل لي مينا: هل كان أغسطس قيصر عنيفًا؟

كان قويًا“.

بالضبط“.

ديفيد كاميرون هو الثاني يسارًا بين الوقوف. أما بوريس جونسون فهو الأول يمينًا بين الجلوس

من بوريس كمال إلى بوريس جونسون حفيد الملك. التاريخ العجيب لـ “رئيس وزراء بريطانيا”| الحكاية في دقائق

   انشغلوا بالمظهر.. وانشغل بنقاط القوة 

في المسرحية المدرسية، انشغل المتفرجون بشكل بوريس جونسون المضحك، لكنه في الحقيقة كان الأقوى والأقدر.

هذا ما تواصل تباعًا: بخفته، كان بوريس جونسون آسرًا لقلوب الطبقة العاملة في لندن لما كان عمدة للمدينة. ورغم لهجته التي تعكس رقي طبقته الاجتماعية، كان يحبه الفقراء قبل الأغنياء؛ رأى الفقراء في ملابسه وشعره غير المُشذب بساطة، بينما رأت فيهما طبقته، في نفس الوقت، ثقة في النفس وقدرا مما يُسمى بالإنجليزية Eccentricity (لسعان) محبوبا، فكسب الفقراء ولم يخسر الأغنياء، وفي النهاية حقق جميع مقاصده.

قفزته الأيقونية على كابل في لندن، وقد علق في وسطها بسبب تعطلها، حملت كل تلك الأمور معًا: لكنة وبدلة أكسفورد اندمجت بتلك القفزة المضحكة، التي قيل بعدها إن أي سياسي غير بوريس جونسون لو قام بمثل تلك القفزة السخيفة وتعلق في الهواء لما بقي له أمل أن يصير عمدة لندن، فما بالك رئيس وزراء بريطانيا!

بوريس جونسون هو النقيض الكامل لـ جيريمي كوربين الذي أغضب أصحاب الشركات بإعلان كراهيته وتهديده المباشر لهم  لما قال: For the many Not the few (من أجل الأكثرية لا القلة)، وخسر العاملين باحتقاره واستهزائه بإرادتهم في الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، فخسر الـ Many، والـ Few معًا، ولم تشفع له حركاته المصطنعة بارتداء نظارة معوجّة وبدلة مهلهلة، في حين يعرف الجميع أن دخله السنوي على الأقل 600 ألف إسترليني (راتب رئيس حزب العمال، باعتبار أنه لا يملك دخلًا آخر)!

اليوم شمبانيا ونساء وغدا.. لماذا حزب المحافظين البريطاني أنجح أحزاب العالم؟| س/ج في دقائق

   القَدَريّة 

أما ما أقلق جورج، ككثيرين في محيطه، فهو ما وصفه بـ “القَدرية” في شخصية بوريس جونسون. والقدرية: أن يشعر الإنسان بأن القدر يدّخر له دورًا عظيمًا آجلًا أم عاجلًا.

شعور القدرية ساق كثيرين من السفاحين ومجرمي الحروب في أوروبا إلى مصيرهم المشؤوم، لكن ذلك الشعور بالتصميم يقف أيضًا خلف قصص ناجحة كثيرة، ويبدو أن بوريس جونسون اختار منها ما يستلهمه في أسلوبه.

حين استقال “زميل التختة في إيتون” ديفيد كاميرون من رئاسة الوزراء، دُبّرت مذبحة انتقامية لبوريس الذي كان وراء البريكزيت.

الخطة كانت تقضي بالتخلص منه في انتخابات حزب المحافظين بتخلي حلفاء البريكزيت، المتمثلين في مايكل جوف وأندريا ليدسوم، عنه في اللحظة الأخيرة لصالح تيريزا ماي، فيسقط بهزيمة مذلة تجبره على التواري عن الأنظار للأبد.

الخطة نُفذت بالفعل، لكن بوريس جونسون استفاق لها، فانسحب من الانتخابات في اللحظات الأخيرة ليتجنب الهزيمة المحققة. خطوةٍ إلى الوراء التف بها على الجميع.

بعدها قام بحركة أخرى، فبينما كان الجميع يتجنب الصدام مع رجب طيب أردوغان، خرج جونسون بحركة شرسة أعادته للمشهد؛ حين قاضى إردوغان كوميديًا ألمانيا سخر منه في قلب ألمانيا، أطلقت صحيفة الـSpectator مسابقة لأكثر القصائد انتقادًا لأردوغان، فكتب بوريس جونسون قصيدة شديدة البذاءة والحرفية اللغوية أيضًا (تحكي أن أردوغان كان ينتشي جنسياً بمساعدة ماعز، ولنذالته لم يشكرها على حسن صنيعها)! المفاجأة أن بوريس عاد بعدها للمشهد بقوة، ليقود معركة البريكزيت المتعثرة من جانب، وليتخلص من أعدائه واحدًا تلو الآخر أيضًا.

تحطيم الجدار الأحمر.. ما دلالات فوز المحافظين في بريطانيا؟ | س/ج في دقائق

   أغسطس.. قيصر بريطانيا الجديد 

لا يفهم مصدرَ ذلك الشعور بالقدرية إلا المتابعون عن كثب للغة بوريس جونسون التي تكشف مصادر إلهامه.

درس بوريس الأدب القديم في أكسفورد، فأجاد اللاتينية واليونانية القديمة بطلاقة مذهلة حتى أنه يبهر الناس بقدرته على سرد الإلياذة من ذاكرته باليونانية القديمة أمام الجماهير.

إلا أن هذا الماكر حاول أمام الجمع إخفاء حقيقة ملهمه في مناظرة أكاديمية هاجم فيها الرومان، فقد فضحته لغته لاحقًا، وحركات الخطابة التي يتحكم من خلالها في أعدائه على الجانب الآخر من مقاعد البرلمان في مشهدٍ أذهل الجميع أكثر من مرة.

بوريس متيم بأغسطس قيصر، الذي استلهم صبره ومكره في توحيد المنقسمين والتخلص من أعدائه سياسيًا واحدًا تلو الآخر. فاستخدم نفس كلمات Virgil في ملحمة Aeneid التي تمجد “عصر السلام الجديد” لأغسطس ليعلن عن برنامجه السياسي، واستخدم أسلوب Cicero في المواجهة المباشرة التي تستدعي مفردات التقوى الرومانية (ذكرناها في مقال سابق) أمام عدم التقوى التي تفوح من فم أعدائه (في هذه الحالة عدم وطنيتهم)، وأخذ يستشهد بأقوال وأفعال أوغسطس في لائحته الشهيرة Res Gestae حتى كتبت لاحقاً المؤرخة الشهيدة ماري بيرد تذكر الجميع أننا بصدد أغسطس آخر، انتصر في كل معاركه واليوم نعيش عصره كما عاش الرومان “العصر الأوغسطي”.

نستطيع القول أننا أمام مرحلة جديدة في تاريخ بريطانيا السياسي. فلم تكن انتصارات بوريس في معركة البريكزيت – أصعب معارك السياسة البريطانية منذ القرن السادس عشر – مجرد فصل آخر في التاريخ، وإنما مرحلة بأدوات جديدة.

وعلى الساسة في أوروبا التعامل مع شخصية قَدَرية، تعرف متى وكيف تنقض على أعدائها لتحقق النصر الذي تراه حتمياً، فالحل هو في التعامل معها بشكل أكثر تفهماً وبمفرداتٍ تختلف عن تلك التي استخدمها ميشيل بارنييه وساسة الاتحاد مع سابقيه، وإلا سيخسر الجميع.


بي بي سي دائمًا في خطر.. لكن النهاية تقترب أكثر في معركة بوريس جونسون
إجابة خطأ يا شعب. هل ينفذ “الديمقراطيون” الأوروبيون إرادة الشعوب دائمًا؟ | تايم لاين في دقائق
في السياسة والاقتصاد والأيديولوجيا.. تأثيرات عالم ما بعد البريكزيت ستطال الجميع | مينا منير

كاد الجاسوس أن يكون رسولا: أوليج جوردييفسكي كشف استعداد اشتراكيين لخيانة أوطانهم | مينا منير


للمشاركة لـ فيسبوك

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك