يعرف القاصي والداني أن الحركات الاشتراكية كانت تنتج تاريخيًا أعتى الدكتاتوريات. قادتهم كانوا الأكثر دموية.

لكن، إن عدنا للوراء في كل حالة، سنجد ما هو أهم من التركيز على النتائج النهائية فقط. فتسجيل حوادث العنف تاريخيًا أمرٌ، وفهم دوافعها وآلياتها داخل الحركات الاشتراكية أمرٌ آخر.

اليوم تخوض بريطانيا معركة مصيرية. “انتخابات الكريسماس” لا تدور في فلك البريكزيت فحسب، بل حول عالمين مختلفين: المحافظون الذين يمثلون الهوية البريطانية ضد الحركة اليسارية الحادة في راديكاليتها، والممثلة في مجموعة جيريمي كوربين التي سيطرت على حزب العمال وباتت على مسافة ليست كبيرة من رئاسة حكومة المملكة.

لكن هل فكرة العنف واردة؟ في مرحلة مبكرة كان الأمر بعيد المنال، لكن مؤشرات مقلقة تلوح في الأفق، لا تختلف في جوهرها عما نراه من بوادر في الدول التي شهدت وصول نظم يسارية الهوى.

البناء نحو العنف في الفكر اليساري يمر بمراحل محددة. لنتعرض لشواهدها.

في السياسة والاقتصاد والأيديولوجيا.. تأثيرات عالم ما بعد البريكزيت ستطال الجميع | مينا منير

   1 -إنكار الآخر 

إحدى أساسيات مجتمع اليسار داخل نظم تعددية لا يحكم فيها هو خلق آلية نفسية بسرديات وقيم محددة توضح “الخير والشر” فتحجب رؤية ما دون جزيرتهم المنعزلة.

في بريطانيا: كانت خصخصة منظومة التأمين الصحي العامة NHS متوقعة بالنظر لفشلها الواضح مهما ضخت الدولة أموالًا كل دورة برلمانية، لكن إبقاء الدعم المقدم لخدماتها كمؤسسة حكومية باتت خطًا يساريًا أحمر، تمامًا كما “بعبع الخصخصة” في مصر، والذي صار جزءًا من السلة القيمية للمواطن توارثها من حقبة عبد الناصر فصار يرددها بشكل أعمى.

قبل ثلاثين عامًا، كانت مصطلح الخصخصة مقبولًا في بريطانيا بفضل شجاعة ثاتشر التي واجهت قاموس اليسار الاجتماعي بلا خوف. لكن شيطنته تصاعدت منذ رحيلها. اليوم، لا يجرؤ أحد – ولا حتى بوريس جونسون الأعلم بمدى الحاجة للتخلص من هذه المنظومة المهترئة – على الحديث عنها؛ فالدعاية اليسارية الممنهجة غيرت قاموس المجتمع بمفردات تُردد دون التساؤل حول ماهيتها.

في مركز الدعاية السوداء يقبع يساريو حزب العمال، ناظرين لمن خارج منظومتهم القيمية لا كمختلفين أو مخالفين، بل كأشرار بات انحطاطهم الأخلاقي بشعًا بالدرجة التي صار “إنسان حزب العمال” لا يميز إمكانية وجود ذلك “الإنسان المنحط”؛ لأنه وجود واحد منهم في بريطانيا مستحيل.

في الجامعة التي أجريت أبحاثي فيها، كنت الوحيد تقريبًا الذي ينتمي انتخابيًا لحزب المحافظين، مع قلة من “المرذولين” ممن لا يجرؤون على الإفصاح عن عدم انتمائهم لليسار.

في أحاديثنا – وحتى في المواصلات واللقاءات الاجتماعية – كان روتينيًا جدًا أن تسمع تعبيرات (Tory Scum: أي فلان ينتمي لحثالة المحافظين)، أو (ليس كل السفهاء في بريطانيا صوتوا للبريكزيت، لكن كل من صوت للبريكست سفيه).

لا يمكن تسمية ذلك تنمرًا؛ فالتنمر فيه إدراك للخلاف. لكن اليساري لا يدرك أصلًا احتمال وجود “آخر” في محيطه.

إجابة خطأ يا شعب. هل ينفذ “الديمقراطيون” الأوروبيون إرادة الشعوب دائمًا؟ | تايم لاين في دقائق

   2 -الارتباك من وجوده 

هنا، يعيش اليساري نوعًا من الوهم بأنه “الشعب” والأكثرية، تمامًا كالإخواني الذي رآني أمام مدرج الجامعة في مصر يومًا أجلس مع زميل وقت كسوف الشمس؛ فصرخ معاتبًا لأننا لم نذهب إلى المسجد بعد لصلاة الكسوفّ! لم يخطر بباله للحظة إمكانية أن نكون أقباطًا، ففي لا وعيه لا وجود لمن ليسوا منه.

قد يكون للإخواني المذكور مبرر بسيط؛ كون الأقباط أقلية بالفعل. لكن ماذا يكون الحال حين ينتصر الشعب لقيم “الانحطاط”، فيكتشف اليساري أنه يواجه واقعًا مختلفًا عن بريطانيا التي تصورها يكون هو الطرف الأضعف فيه؟

منذ سقوط آخر حكومة عمالية في 2010، لم يفز العمال بأي انتخابات لاحقة. خلق الأمر ما يشبه أزمة نفسية لدى الحزب الذي استبدل رؤساءه واحدًا تلو الآخر نحو الأكثر يسارية تباعًا.

كوربين كان يشكل لهم بديلًا راديكاليًا. اللجوء لفكرة الاشتراكية الثورية Revolutionary Socialism التي جعلتهم يتعايشون مع واقع أنهم أقلية.

لم يكن تصويل كوربين في صورة المسيح الذي جاء ليبشر الجالسين في الظلمة محض صدفة. لكن المفهوم كان واضحًا: الشرعية الاشتراكية الثورية تستهدف استعادة الأكثرية الشعبية.

انتخابات بريطانيا | لماذا تدعم جماعة الإخوان جيريمي كوربن بقوة؟ | مينا منير

   3 -شرعنة العنف ضده 

لتحقيق ذلك، استلزمت مواجهة الواقع قدرًا من العنف اللفظي والمعنوي ضد المخالفين. تولت العملية مجموعة تنظيمية قادها كوربين شخصيًا، ضمت شبابًا يملك قدرًا من الشراسة تمكنهم من الهجوم حتى على الأقل منهم يساريةً بضراوة شديدة. هذه المجموعة أسماها بالـ Momentum.

القدرة التنظيمية المخيفة للمجموعة الأشبه بالميليشيا في الحشد الإلكتروني وفي الشارع أشبه بالتنظيم الطليعي في عهد عبد الناصر. كان الوصول لنقطة إسقاط بند التغيير السلمي من منشوراتهم. خطيرًا، لكن الأخطر كان كيفية تبرير إمكانية استخدام العنف.

الأحاديث الدائرة وسط أعضاء التنظيم داخل الحزب تركزت على شرعية خيار العنف لمواجهة ما اعتبروه “فاشية”. لكن توصيفهم لـ “الفاشية” امتد باختصار إلى كل ما لا يرتقي لقيمهم الأخلاقية.

في ظل تلك المقاربة، بات شعار كوربين في حملتيه الانتخابيتين المتتاليتين (خسر الأولى في 2017) خطيرًا (للأكثرية لا للأقلية – For the Many not the Few).

خلق كوربين – ولأول مرة في تاريخ السياسة البريطانية – أساسًا مقبولًا لفكرة استهداف شريحة من المجتمع، والأخطر أن تلك الشريحة هي ما أسماه بـ “الأقلية”.

كانت الأقلية التي يتحدث عنها هي “الأغنياء” بالمعنى العام وغير المنضبط بأي أرقام، لكن اليوم صار متاحًا لمجموعة مثل Momentum أن تسمي Few آخرين بعينهم، يهودًا كانوا، أغنياء، محافظين، أو غيرهم، وأن تستهدفهم بشتى الطرق التي صار العنف رسميًا مبررًا منها.

تلك المراحل المتتالية نحو العنف، والتي تبدأ بإنكار وجود الآخر، ثم فرض المنظومة القيمية عليه، ثم تعيين المجموعة المعينة من “العُصاة” الذين يُستباح اضطهادهم هي بالضبط ما رأيناه في عشرينات القرن العشرين في ألمانيا على يد مجموعة الحزب القومي الاشتراكي (النازيين)، ثم مجموعات دينية كالإخوان التي رأت في الآخر “فلوطًا”، وغيرها من مجموعات تبعت نفس التسلسل النفسي والفكري لليساريين، بغض النظر عن الإطار الزمني أو الجغرافي.


كاد الجاسوس أن يكون رسولا: أوليج جوردييفسكي كشف استعداد اشتراكيين لخيانة أوطانهم | مينا منير

خلية تزوير انتخابات في بريطانيا.. كلها من المسلمين .. هل أنجحت مرشحة اليسار؟ | الحكاية في دقائق

التجربة السويسرية… هل يسحق البريطانيون اليسار والاتحاد الأوروبي في الانتخابات القادمة؟ | مينا منير


Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:
اشترك في قناتنا على يوتيوب
شاهد أيضا
المعرفة في دقائق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D8%B9%D9%86%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%B3%D8%A7%D8%B1-%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7">
Twitter