أتذكر الثاني من أغسطس/ آب 1990 كما لو كان البارحة. عاد أبي من العمل للتو. بدأ التلفاز بث أدعية دينية وأناشيد عروبية من حقبة عبد الناصر. تذكر فورًا الإذاعة المصرية في 1967.

   سقطت الكويت 

أمر جلل حدث، له علاقة على الأرجح بمحادثات الرياض بين عزة الدوري (نائب صدام حسين) والشيخ سعد عبد الله السالم (نائب أمير الكويت) في الليلة السابقة، والتي لم يعرف أحد ما حدث فيها.

 من شرفة المنزل المطل على البحر، رأينا قصر الشيخ سعد يحترق، وأعدادًا كبيرة من قوات الأمن يهرولون من الشوارع. “فعلها صدام”، قال والدي.

لم تمض دقائق حتى تزلزل المبنى ومحيطه بقصف عنيف وعشوائي، وأطلت الدبابات العراقية في الشارع الذي كنا نقطنه (سخرية الأقدار أن اسم الشارع كان بغداد).

والدي أيقن أن الكويت سقطت حين رأينا موظفي سفارة الاتحاد السوفييتي خلف المبنى ينقلون مستنداتهم إلى سيارات دبلوماسية ويهرولون.

كان يومًا عاصفًا، ركض الجميع جنوبًا نحو الفروانية على أمل أن يتوقف القصف عند العاصمة. لم يمضِ الليل حتى أحكمت القوات العراقية السيطرة تمامًا على الكويت.

   مراجعات الأيديولوجية 

بسقوط الكويت كان اليوم يُستهلك بالكامل في طوابير الجمعيات التعاونية للحصول على حصة الغذاء. القوات العراقية سيطرت على التلفزيون الحكومي وصار يذيع بيانات “محافظة العراق التاسعة عشر” وأهازيج “هز أمريكا صدام اسمك”. البديل كان التخفي لالتقاط إشارات الأخبار الآتية من هيئة الإذاعة البريطانية وقنوات أخرى يصل بثها عبر محطات تقوية وضعتها السعودية قرب حدود الكويت لنقل الأخبار الحقيقية إلى قاطنيها.

بين أصدقاء والدي الذين اعتادوا التجمع للاستماع للأخبار والنقاش حولها كان مصطفى المهدي “مش إخوان بس بيحترمهم”، وسيد بلبل “ناصري شديد اليسارية والعروبة”، أما والدي وصديقه أبادير فكانا علمانيين.

مع استتباب الوضع لاح في الأفق أن الأمر سيطول. بات للأحاديث الأيديولوجية وما هو أشبه بالمراجعات وقت أطول.

في البداية كان السؤال الخطير: كيف يمكن وصف الاعتداء العراقي؟ لم يمض الوقت حتى ظهرت بيانات جماعات وأحزاب عربية تمثل تنوع أصدقاء والدي، لكنها جاءت محبطة لمن تمثلهم من هؤلاء الأصدقاء. انتشى مصطفى حينما رأى أن الإخوان يدينون الاعتداء “الغاشم”، ولكن سيد واجهه ببقية البيان فظهر الحرج: “الكويت ليست إلا أصفارًا على شيك تبرعات تقدمه للإخوان. هذه حقيقة النظرة النفعية التي ينظرها مكتب الإرشاد للكويت يا مصطفى، اعترف!” هذا ما نقلته بيانات الإخوان التي توالت، والتي ذكرت بمحورين أساسيين حاكمين للمسألة:

  • الغزو العراقي لا يجوز لأنه يشتت المجهود العربي والإسلامي في الحرب على “اليهود”.
  • الكويتيون يدفعون تبرعات كثيرة “للإخوة المجاهدين في أفغانستان”. والحرب ستعطل التبرعات.

اعتاد سيد السخرية من مصطفى كلما ظهر بيان إخواني يؤكد على هاتين الحقيقتين، ولا يسع الأخير إلا قبول منطقية الحديث لأنه شخصيًا بات جزءًا من الكويت منذ رحل إليها في منتصف السبعينات. آلمه نظر الإخوان للكويت ومن فيها كونهم ليسوا أكثر من “شوال فلوس.”

   لتكن الكويت الثمن 

الفاصل الأكثر تسلية – إن جاز استخدام التعبير – كان النقاشات المحتدمة أثناء لقاءات قادة العرب في القاهرة. لم تكن العشوائية التي ظهر عليها بعض القادة في وجه مبارك الحازم إلا انعكاسًا للسياسة حتى على مستوى مجموعة صغيرة من الأصدقاء داخل بلد محتل.

هنا التقى سيد ومصطفى أخيرًا على لعن مبارك وقادة الخليج الذين قبلوا فكرة التدخل العسكري الغربي، فيما عُرف لاحقاً بـ”عاصفة الصحراء”. أما مصطفى، فكان يتمزق مع بيان الإخوان الذي شجب رسميًا فكرة التدخل العسكري لتحرير الكويت. هو بالنهاية يشتاق للحرية ودحر الاحتلال وعودة عجلة العمل و”التحويش”. أما سيد فلم ينفِ أن مشاعره تدغدغت حينما علم أن سلاحًا عربيًا سيرفع في وجه عربي.

بعيد بأيام، أذاعت قنوات العراق نبأ قصف صدام مدن إسرائيل بصواريخ سكود، فتحول بين ليلة وضحاها إلى الفاتح العظيم مغفور الخطايا ما تقدم منها وما تأخر. خرج الإخوان والناصريون معًا للاحتفال في القاهرة. مصطفى وسيد احتفلا كذلك؛ ففكرة إسقاط صاروخ على “العدو الصهيوني” لها وقع السحر. تضاءلت الكويت فجأة أمام اهتماماتهما بـ “أمة الإسلام والعروبة”، ولو كان الثمن سحق بلد له سيادة استضافهما وأغدق عليهما المال فليكن.

أحلامهما بفتوحات صلاح الدين وصلت السماء، بينما يصرخ الفنان الكويتي عبد الله الرويشد في حفل الليلة المحمدية باكيًا هو والكويتيون: “يا أمة الإسلام خلص مني الكلام”.

حسم مبارك الأمر بالنسبة لمصر، وبقوة عسكرية تتجاوز ما قدمته دول غربية كفرنسا، سار مع دول الخليج نحو تحرير الكويت.

هدد صدام باستخدام السلاح الكيماوي فبات خيارنا واضحًا. سنرحل.

قرر والدي وأبادير الاتجاه شمالًا نحو العراق ومنها إلى الأردن. سيد قرر البقاء وانقطعت أخباره، أما مصطفى فانطلق جنوبًا نحو حفر الباطن حيث قُصف طريقه جوًا فخسر كل شيء وبالكاد نجى، لنلتقيه بعد ذلك في الكويت المحررة.. التي لم تكن له أكثر من ذبيحة على مذبح الخلافة.

صورة مهيبة بالقمر الصناعي لحجم التلوث والدمار الذي تسبب فيه حرق آبار النفط في الكويت

حرائق آبار النفط في الكويت

   انتصرت الكويت 

المواقف الهادئة التي تتخذها الكويت اليوم خرجت من أنقاض تجربة الحرب القاسية، التي علمتهم ضرورة التروي قبل اتخاذ مواقف عنترية، حتى في القضايا التي تبدو مسلمات للبعض كالقضية الفلسطينية.

بعد التحرير، رأيت في الكويت ما لا يمكن تصوره في غيرها. التجربة العميقة غيرت في داخلها مفاهيم وثوابت مستقرة في المنطقة العربية حولها. الكويت أيقنت أن فكرة الأمة العربية في مواجهة الغرب مدمرة، والتجارب أثبتت أن الصديق الحقيقي ليس عروبيًا بالضرورة، وأن الكويت يجب ألا تكون ذبيحة على أي محرقة عروبية.

“بوش” حل مكان “بغداد” اسمًا للشارع الذي كنت أقطنه، وصور الرئيس الأمريكي زينت كل شوارع الكويت. مصر التي لاحقتها اتهامات الخيانة بعد توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل هي من قدم تضحيات لحسم معركة التحرير، أما الظواهر الصوتية من جبهات الممانعة فهرولت للاحتفاء بصدام.

شارع بوش.. بغداد سابقًا

وبينما كان الكويتيون يحتفلون مع الشيخ جابر بالسيطرة على بقع الزيت التي تركها حرق العراق لآبار النفط، كان حمدين صباحي ويساريو العرب في بغداد يتغنون ببطولات صدام دون الالتفات ولو للحظة أنه حرق – حرفيًا – دولة الكويت حين أشعل الآبار التي كانت تدفع مرتبات ما يقرب من نصف مليون مصري.

الدروس التي استخلصها الكويتيون من تجربتهم تحتاج لإعادة الاكتشاف والنقل للدول الأخرى؛ فعاصفة الصحراء لم تعصف فقط بكتائب ومدرعات وإنما أيضًا بأفكار.


   ملف  غزو الكويت في دقائق


   ملف  بستان الاشتراكية في دقائق


   ملف  أفخاخ الإسلاميين في دقائق


بعد 70 عامًا من التوغل.. هل تسقط “خلية مصر” إمبراطورية إخوان الكويت؟ | س/ج في دقائق

الأخوات المسلمات أمام تمثال العضو الأنثوي: الإخوان واليسار في غزوة سويسرا | مينا منير


Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:
اشترك في قناتنا على يوتيوب
شاهد أيضا
المعرفة في دقائق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D8%BA%D8%B2%D9%88-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%8A%D8%AA-%D9%88%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%AC%D8%B9%D8%A7%D8%AA%D9%87">
Twitter