تتردد في الأدبيات اليسارية كثيرا عبارة “سياسة إفقار الشعوب”، وهي عادة تشير إلى سياسات تحرير السوق.

لكن، هل سياسات تحرير الاقتصاد أو تقليل تدخل الدولة في السوق هي التي تؤدي لإفقار الشعوب؟! هل هذا هو الواقع الذي نراه بأعيننا في العالم حين نقارن بين الدول ومستوى المعيشة فيها؟

حسنًا، دعني أحدثك كيف تكون سياسات إفقار الشعوب من خلال تجربة واقعية.

اقرأ أيضا: رغم تشابه الموارد.. لماذا نجحت الإمارات وفشلت فنزويلا؟ (إنفوجرافيك)

ماذا غير النفط في فنزويلا؟

في الخامس عشر من أبريل سنة 1914، كان اكتشاف النفط في فنزويلا، ومن يومها بدأت عجلة التغير الاجتماعي والسياسي وبالطبع الاقتصادي في الدوران:

  • الدولة التي كانت قائمة على أسس الارستقراطية الزراعية، وتعيش حالة من عدم الاستقرار السياسي، بدأت تتحول فيها الارستقراطية الزراعية لطبقة من رواد ورجال الأعمال الصناعيين

  • موجة التحديث المصحوبة بسياسات هجرة متسامحة جذبت العديد من المهاجرين من أوروبا.

  • القوانين التي تحمي حقوق الملكية وحوافز لاستكشاف البترول في أنحاء البلاد.

  • سياسات ضريبة محفزة للقطاع الخاص، وهو ما صحبه عقود من الازدهار، حتى وصلت للمركز الرابع عالميًا في نصيب الفرد من الناتج المحلي سنة 1950.

اقرأ أيضا: ساندي سبرينجز.. قصة مدينة خصخصت نفسها

بدايات التأميم والتدخل الحكومي

في نهايات الأربعينيات وبدايات الخمسينيات، بدأت الحكومة الفنزويلية في اتخاذ خطوات التدخل في الصناعات الاستراتيجية، وبدأت على استحياء عمليات تأميم شركة التليفونات، ورفعت الضرائب على شركات البترول لتصل إلى 60%.

سياسات الرئيس بيتانكور بعد الانقلاب

بعد انقلاب سنة 1958، وصلت انتخابات الرئاسة بـ رومولو بيتانكور، ماركسي سابق أعلن اعتناقه للاشتراكية الديمقراطية.. لكن ماذا فعل. الصورة التفاعلية التالية توضح لمن يريد أهم الخطوات والقرارات التي اتخذها.

1975.. خطوات إضافية لإفقار الشعب

في سنة 1975، قامت فنزويلا بثاني خطوات التأسيس لإفقار الشعب، بتأميم صناعة البترول، والتحول لاقتصاد ريعي يعمل على استغلال العائدات النفطية الوفيرة في ذلك الوقت، نتيجة ارتفاع أسعار النفط عالميًا، في الإنفاق الحكومي وتقديم سياسات دعم سلعي وبرامج مجانية للتعليم والإسكان.

ومع هبوط أسعار البترول وانحسار العائدات، بدأت سياسات تمويل الإنفاق بالعجز والاستدانة داخليًا وخارجيًا.

وتفاقفم الأمر في نهاية الثمانينيات، وبات لا مفر من اتخاذ خطوات تصحيحية، ولجأت الحكومة لصندوق النقد، واستتبع ذلك:

  • خفض الإنفاق
  • الاتجاه نحو الخصخصة. لكنها لم تتم بسبب ضغط الشارع.

شافيز (أبريل ٢٠٠٢ – مارس ٢٠١٣) أحد عشر عاما من الشعارات

امتاز شافيز بالخطاب الشعبوي لسياسات الحكومة، وكان ركيزة خطابه أن السبيل للخروج من الأزمة هو المزيد من الاشتراكية. الصورة التفاعلية التالية توضح أهم الخطوات التي اتخذها.

الفساد يخسف إنتاج النفط

انعكست تلك الممارسات حتى على إنتاج النفط، المصدر شبه الوحيد لدخل للدولة، فنتيجة للفساد والسياسات الاشتراكية وتراكم الديون، أصبح من المستحيل تخصيص أي مبالغ لصيانة معدات الإنتاج، ما أثر بصورة كبيرة على الإنتاجية، فبعد أن كان الإنتاج يبلغ خمسة ملايين برميل يوميًا، أصبح أقل من 1.5 مليون برميل يوميًا. هذا بالإضافة لاستيلاء الدائنين على أصول شركة البترول الفنزويلية في الكاريبي، نظير عدم وفاء الشركة بمديونية تبلغ ملياري دولار.

وفي المجمل، انخفض الناتج المحلي بقرابة 50% في الأعوام الخمسة الأخيرة.

حلول شعبوية لأزمة خانقة (نيكلاس مادورو)

ونتيجة لتردي الأوضاع، بدأ العديد من المواطنين في الفرار من هذا الجحيم، وتحول أكثر من نصف مليون مواطن إلى لاجئين، كما حدثت هجرة للعقول مسببة أزمة في أعداد الأطباء.

ووسط كل هذا، وكأي شعبوي اشتراكي نموذجي، يسعى الرئيس الحالي نيكلاس مادورو لتثبيت أركان حكمه بأية طريقة مهما كانت، فيعهد -وسط الأزمة الإنسانية المتفاقمة- بتوزيع الأطعمة والإعانات للموالين له، بما يوفر لهم أولوية الحصول على الغذاء والأدوية والاتجار بها في السوق السوداء.

اقرأ أيضا: في الأنظمة الشمولية.. لماذا يصل الأسوأ للقمة؟

تجارة الدولار ومعدل جريمة تاريخي

ثبتت فنزويلا سعر صرف العملة رسميًا (الدولار = 10 بوليفار)، لكن من المستحيل تقريبًا الحصول على هذا السعر دون أن تكون من المقربين والموالين لمادورو، بينما تبلغ قيمة الدولار في السوق السوداء حوالي 12 ألف بوليفار، وهو ما يشكل مصدر ثراء واسع للمقربين من مادورو، حيث يستبدلون الدولار بالسعر الرسمي، ثم يعيدون بيعه في السوق السوداء.

وكانعكاس لتردي الأحوال المعيشية، وصلت نسبة الجرائم لأعلى معدلاتها في تاريخ البلاد، لتبلغ 91.8 لكل 100 ألف مواطن (في الولايات المتحدة تبلغ النسبة 5 لكل 100 ألف).

ونتيجة انخفاض أسعار البترول:

  • تولد عجز كبير
  • ارتفاع الدين
  • انخفاض شديد للعملة، مصحوبًا بموجات تضخم وصلت إلى 2000% العام الماضي، كنتيجة لوضع تسعيرة جبرية غير حقيقية للسلع، ما خلق أزمات في الحصول على السلع الأساسية والغذاء، ونقص حاد في الأدوية الأساسية.

فإن لم تكن تلك السياسات هي سياسات إفقار وتجويع الشعوب؟! فأية سياسات إذًا؟!

اشترك في قناتنا على يوتيوب

شاهد أيضا

المعرفة في دقائق

SaveSave

SaveSave

SaveSave

SaveSave

SaveSave

SaveSave

Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D9%81%D9%86%D8%B2%D9%88%D9%8A%D9%84%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D9%88%D8%B0%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%AB%D9%84-%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D8%AA-%D8%A5%D9%81%D9%82%D8%A7%D8%B1">
Twitter