أحد التعريفات الطريفة لفن المونتاج السينمائي، أنه الأداة التي كلما كانت غير ملحوظة أثناء المشاهدة كلما كانت جيدة.

رغم صحة هذا التوصيف، فقد كان سببًا في عدم النظر لهذا الفن بالأهمية التي يستحقها؛ بالاستخفاف بدور المونتير، أو اختزال دوره في مهام تقنية محدودة، فالمونتاج في العقل الجمعي يعني تقطيع المشاهد، وحسب!

هذا الاستخفاف اخترق صفوف النخب السينمائية نفسها. منذ أيام، قرر منظمو حفل الأوسكار الأخير تسليم جوائز المونتاج وثلاث فئات سينمائية أخرى – منها التصوير – أثناء الفواصل الإعلانية، أي عدم بث تلك التتويجات على الهواء مباشرة؛ تقصيرًا لمدة الحفل.

الأكاديمية تراجعت عن القرار بعد ساعات من اتخاذه، بعد إدانة واسعة في الوسط السينمائي. مقالات وتغريدات كُتبت تستهجن القرار، أبرزها ما كتبه أحد المتضررين ألفونسو كوارون مخرج Roma، الفائز بجائزة أفضل مخرج، ليقول: “ما من فيلم سينمائي عبر التاريخ صُنع بدون المونتاج والتصوير”. (سنناقش دقة هذا الادعاء لاحقًا)

   أساتذة السينما والمونتاج 

من السهل تحديد أهمية فن المونتاج من خلال ما قيل على لسان أهم صناع السينما عبر التاريخ. في رأي المخرج الروسي “فيسفيلت بودوفكين”، وهو من روّاد السينما ومن أشهر المنظرين حولها:

ونُسب للمخرج ستانلي كوبريك:

ألفريد هتشكوك لم يكن أقل ولعًا بالمونتاج. يقول:

   المعنى المفقود في الترجمة 

لعل التسمية الإنجليزية لمهنة المونتاج السينمائي (Film Editing) ساهمت في اللغط حول معناه، فلم تعط الفعل حقه.

اللفظ Edit في الإنجليزية ليس الترجمة الأدق للفظ الفرنسي Montage؛ فالأول يعني الإضافة أو التعديل، بينما الثاني يعني التراص أو التجميع، ويقابله في الإنجليزية Mounting أو Assembly، لذا فاللفظ الفرنسي هو الأدق والمتوافق مع رؤية هيتشكوك، كما يتوافق مع نظريات المدرسة الروسية.

رغم ذلك، أصبح اللفظ الإنجليزي أكثر رسوخًا لعدة أسباب؛

أولها: النفوذ العالمي للغة الإنجليزية.

وثانيها: أن وظيفة المونتاج الكلاسيكية في المشروعات محدودة التكلفة تطورت عبر السنين لتشمل مهام إضافية، منها إضافة المؤثرات الصوتية والبصرية، وتصحيح الألوان بالوسائل الديجيتال، وغيرها.


أفضل طرق اختيار عنوان لفيلمك، وأنجحها في تاريخ السينما | أمجد جمال | دقائق.نت

هل خلود الفن معيار لجودته؟ خمس ثغرات لهذه النظرية | أمجد جمال | دقائق.نت

   هل يمكن صناعة الأفلام بدون مونتاج؟ 

رغم أن المونتاج بمعناه المتقدم (حكي القصص وخلق المعاني وضبط الإيقاع) لم يولد بالتزامن مع اختراع السينما، فالأفلام التي صنعها الأخوان لوميير في فرنسا وتوماس إديسون في الولايات المتحدة، لم تقدم سردًا بصريًا كالذي نعرفه، بل اقتصرت على اللقطة الواحدة، ولم تتجاوز بضع دقائق.

يمكن استغلال هذه الأفلام في نفي ادعاء كوارون، والقول أن هناك أفلامًا أنجزت بالفعل دون المونتاج. لكن سيظل ادعاء كوارون صحيحًا في جوهره؛ لثلاثة أسباب:

 أولًا:  كما ذكرنا، فتلك المقاطع لم تحسب أفلام فعلًا، بل إرهاصات لأفلام، أو تجارب بدائية لاكتشاف هذا الوسيط الفني الجديد، والتعريف به عند العامة.

 ثانيًا:  المونتاج عملية أكثر توسعًا مما تبدو، فالكاتب يمارس المونتاج حين يختار أن يبدأ مشهدًا بحركة معينة، كذلك وهو يقرر أن يأتي هذا المشهد قبل ذلك. المخرج أيضًا يمارس المونتاج حين يصيح بكلمة Stop في أماكن التصوير. ويمكن المجادلة بأن المصور أيضًا يمارسه باختيار زوايا التصوير التي تكوّن عناصر المشهد، وتدرج به أو تستبعد ما تشاء.

لو أخذنا مثالًا بأفلام اللومييرز القصيرة، لنقل “وصول القطار”، فالفكرة من تصوير قطار قادم للمحطة، والإيحاء بأن القطار قد يصطدم بالحائط الرابع في المشهد، واختيار موقع بعينه لوضع الكاميرا، وتوقيت محدد لبدء التصوير ونهايته، فكل ما سبق يعني أن هنالك مونتاج، وإن غاب المقص!

 ثالثًا:  يمكن الجدل بأن الفكرة التبسيطية وراء اختراع السينما قامت أساسًا على مفهوم الصور الستاتيكية المتتابعة، فما تفعله الكاميرا هو التقاط من 16 إلى 24 صورة في الثانية، وحين تعرض تلك الصور بتتابع سريع تعطي الإيحاء بالحركة. إذًا، فمبادئ التراص والتجميع موجودة في نظرية الصور المتحركة التي تمثل المونتاج في أبسط صوره.

   تاريخ المونتاج.. من التقطيع للحكي 

لم يولد المونتاج بمعناه المتقدم مع أفلام السينماتوجراف البدائية في النصف الأول من تسعينيات القرن الـ 19، حيث كانت تتكون من اللقطة الواحدة.

أول ظهور متقدم للمونتاج كان في عام 1898 بالفيلم البريطاني الصامت Come Along, Do!، للمخرج “روبرت و. بول”، وكان أول الأفلام التي احتوت أكثر من مشهد.

ورغم بساطة الأمر، كان في وقتها فتحًا إبداعيًا عظيمًا، استفاد منه المخرج جورج مييه في ابتكار الخدع السينمائية مع بدايات القرن العشرين، واستغله آخرون في تعزيز طرق الحكي.

في 1903، قدم المخرج إدوين بورتر فيلمه  The Great Train Robbery، وكان حدثًا. الفيلم يتكون من 12 دقيقة وعشرة مشاهد في مواقع مختلفة، و20 لقطة. وللمرة الأولى تُعرض الأحداث بطريقة القطع المتوازي (Cross Cutting)، وتعني التنقل في اللقطات بين مشهدين يعرضان حدثين مختلفين في وقت واحد.

يتطور الأمر على يد المخرج ديفيد غريفيث في عشرات الأفلام التي صنعها، وأشهرها The Birth Of A Nation (1915) وIntolerance (1916). ويعتبر جريفيث أول من استخدم المونتاج التتابعي لحكي القصص السينمائية بالشكل الأقرب للسينما المعاصرة.

جريفيث استغل فكرة تعدد اللقطات في المشهد الواحد في إثارة ورصد مشاعر الشخصيات، لقطات ترصد تحرك الأذرع، أو انفعالات الأوجه، ويمكن المجادلة حول اختراع جريفيث لمفهوم اللقطة المقربة (Close Up).

   إسهام المدرسة الروسية 

وصلت أعمال جريفيث لبعض منظري السينما الروس المعاصرين له، فدرسوها للخروج بنظريات وتطبيقات تعتبر حجر الأساس في وظائف ومفاهيم المونتاج المعاصرة، ويصفها البعض بالقواعد النحوية للسينما. من بين هؤلاء “ليف كولشوف”، وقام بعمل تجربة بصرية سميّت “تأثير كولشوف”.

إنها باختصار لقطة مقربة من وجه رجل يبدي انفعالًا محايدًا. في مرة يتبع اللقطة صورة لصحن به طعام، وفي مرة أخرى يتبع نفس اللقطة صورة لجثة امرأة، وفي المرة الثالثة امرأة جميلة تفرد ظهرها فوق أريكة. عُرضت التنويعات الثلاث على متفرجين، ففسروا نظرة الرجل في المرة الأولى بأنها تعبير عن الجوع، ونفس النظرة في الثانية عبرت عن الحزن، والثالثة عبرت عن الاشتهاء الجنسي.

تشرح هذه النظرية كيف تنتج اللقطات معاني جديدة بالتفاعل والترابط، وكيف تتفوق السينما على الفنون المنافسة عن طريق المونتاج، فهي لا تحتاج أداءًا تمثيليًا شاقًا مثل المسرح مثلًا، كما لا تحتاج لتكثيف في وصف مواقع التصوير وعرض كل زواياها.

أما المخرج الروسي سيرجي آيزنشتين، وهو صاحب نظرية المونتاج الديالكتيكي أو الثقافي، فقد لاحظ أن المونتاج السياقي التتابعي الذي استخدمه جريفيث لم يكن إلا المعادل السينمائي لطرق الحكي في الروايات الأدبية، وخص منها روايات “تشارلز ديكنز”، كونه من أول الروائيين الذين اتبعوا أسلوب الحكي الموازي، والمشاهد التأسيسية، والأوصاف التفصيلية لمواقع الأحداث، وغيرها من طرق الحكي.

آيزنشتين الذي درس المادية الجدلية وصنع أفلام البروباجاندا للثورة البلشفية، كان يتطلع لاستغلال وسيط السينما فيما هو أبعد من ذلك. وسيط جديد يتمتع بإمكانيات أكبر ينبغي أن تكون له لغته الخاصة، فما المانع مثلًا من عرض ثلاث لقطات متتابعة ليست ذات صلة مباشرة ببعضها، بل ومتناقضة أو متصارعة، لكنها ستنتج معنى ثقافيًا رابعًا.

بنى آيزنشتين نظريته على التشابه بين اللغة والمونتاج؛ في الهيروغليفية مثلًا عند تتابع رمزين يصنعان معنى محددًا، لكن نفس الرمزين بانفصالهما يصنعان معاني أخرى.

وهكذا تطورت وظيفة المونتاج، ولم تعد مجرد عنصر تقني في توليف شرائط السينما، بل فن قائم، له وظائف إيقاعية، وجمالية، وشعورية، وسردية، وشكلانية.

في فيلم 2001: Space Oddyssey، يجري التعبير باختصار عن معنى مرور الزمن عن طريق القطع بالقفز (Jump Cut) من لقطة طيران العظم في الهواء إلى لقطة سفينة تسبح في الفضاء.

وفي مشهد الاستحمام الشهير في فيلم Psycho، كان من الأسهل أن نرى لقطة واحدة لقاتل يغرس السكين في جسد البطلة عدة مرات، لكن وقع اللقطة كان أعظم عن طريق توليف 78 قطعة مختلفة من شريط السينما في زمن 45 ثانية، ما من لقطة فيهم لقاتل يغرس السكين في جسد البطلة مباشرة.


10 أفلام مُنتظرة العام القادم في سباق أوسكار 2020| حاتم منصور

   أوسكار 2019 في دقائق  (ملف كامل)

Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:
اشترك في قناتنا على يوتيوب
شاهد أيضا
المعرفة في دقائق

استجابات

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86%D8%AA%D8%A7%D8%AC">
Twitter