أغلب مؤلفي كتب تعليم فن كتابة السيناريو وهم بالمئات محليًا وعالميًا، وعاقدي الورش التعليمية والدورات التدريبة وغيرها، لم يُظهروا علمًا بالحرفة عمليًا، وهو ما ينال بعضًا من مصداقية المعلم عند المتعلم، حتى لو كانت الإشكالية نفسية.

المعادلة تصبح مختلفة مع من يجمعون النظرية والتطبيق الناجح. ذلك ما أعطى الجاذبية لمحاضرات السيناريست أرون سوركين حول كتابة السيناريو العام الماضي. اخترنا هنا أن نعرض مقتطفات مفيدة منها، مع التعليق والتصرف.

وكما ذكرنا، ما يعطي الأهمية لتلك المحاضرة أنها تأتي من أحد أبرز كُتاب السيناريو العالميين في العقود الأخيرة، فهو مسؤول عن أفلام من عيار The Social Network، وA Few Good Men، Steve Jobs، وMoney Ball ومسلسل The Newsroom .

قصة المونتاج.. الفن الذي ميّز السينما عن بقية الوسائط | أمجد جمال


   اقرأ وشاهد قدر استطاعتك 

أفضل طريقة لتعلم كتابة السيناريو للأفلام، هو أن تشاهد الأفلام، والأهم أن تقرأ النصوص التي استندت عليها.

حدد أفلامك الخمسة المفضلة، وابحث عن نسخ السيناريوهات الخاصة بها. أعد مشاهدة الأفلام مجددًا بمصاحبة النصوص. اعرف كيف كانت الأشياء على الورق قبل أن تنتقل إلى الصورة.

من يحبون السيارات يفككون سيارة ما قطعة قطعة ليفهموا كيف تعمل، وكذلك من يحبون الحواسب الآلية، حتى من يحبون الموسيقى ولم يتعلموها، جلسوا أمام البيانو وحاولوا العزف حتى استوعبوا الأمر.

عندما درسنا الدراما كنا نتابع المسرحيات ونقرأها لنلاحظ عناصرها ونفككها أثناء القراءة على طريقة: حسنًا، فهذه هي نقطة الحبكة، وذلك هو الحدث المحفز، وتلك هي الذروة، وهكذا.

أفضل طرق اختيار عنوان لفيلمك، وأنجحها في تاريخ السينما | أمجد جمال | دقائق.نت


   أكتب شخصيات لا أشخاصا 

ينتقد آرون سوركين المبالغة في النزعة الواقعية بمرحلة تصميم شخصيات القصة، حين يخرج الكاتب بشخصيات تتحدث وتتصرف تمامًا مثلما يتصرف الشخص العادي في الحياة الواقعية. جيد أن تكون الشخصية من لحم ودم، لكن ليحدده النقاد أو ليشعر به المتفرج، لكنه ليس دور الكاتب، ولا يجب أن ينصب تركيزه عليه.

أنسنة الشخصيات بصورة كبيرة ليست من سمات الدراما. إنها الشبيه لمطرب يحاول تقليد صوت الآلة الموسيقية، وهو إنجاز حرفي، لكننا في النهاية لدينا الآلة بالفعل ونستطيع سماعها، فلماذا علينا أن نسمع إنسانًا يقلدها؟!

أيضًا، اترك مساحة للممثلين ليكملوا الشخصيات.

أنا لا أكتب نصوصا كي تُقرأ، بل كي تُؤدى. الممثل يلعب دورًا كبيرًا في إكمال أبعاد الشخصية من الورق إلى الشاشة. كيف تتحدث وتسير وتتنفس

سينما المؤلف والمخرج.. الفن يتسع للجميع


   في السير الذاتية.. الحقيقة أهم من الوقائع 

أنجح أفلام آرون سوركين من نوعية السيرة الذاتية. وهو لا يرى أن على الكاتب الالتزام الحرفي بالوقائع، بقدر ما يهم إيصال جوهر حقيقة الشخصية التي يكتب عنها.

يرى سوركين أن كتابة القصص هي المعادل لرسم اللوحات لا للتصوير الفوتوغرافي؛ لذا فتعديل بعض التفاصيل لخدمة الدراما هو أساس الحرفة. ويضرب مثالًا بمشهد في فيلم The Social Network، حين يدخل مارك زوكربيرغ في نوبة سُكْر بعد تناول شراب الفودكا، والذي أضاف له قليلًا من عصير البرتقال.

بعد تصوير المشهد اكتشف مخرج الفيلم ديفد فينشر أن ما تسبب في سكر الشخصية كان شراب البيرة، فطلب تعديل المشهد، لكن آرون سوركين تمسك بالنسخة الأولى، فالفودكا مع إضافة عصير البرتقال في رأيه تعبير أقوى عن الشرب بنية السكر، كما أن خلط المشروبين يعطي قيمة أفضل بصريًا من مجرد تناول زجاجة بيرة. وطالما أن التفصيلة لا تغير في الحقيقة بمعناها الجوهري فالخيار الفني هو الأفضل.

هل خلود الفن معيار لجودته؟ خمس ثغرات لهذه النظرية | أمجد جمال | دقائق.نت

أكثر المقولات إلهامًا حول صناعة الأفلام


   تسريب المعلومة سلاح ذو حدين 

القصة ينبغي أن تكون واضحة. المتلقي يحب أن يشعر بالكاتب يساعده ويقوده لفهم القصة، بينما التشويش أو القليل من الحيرة ليست في صالح الكاتب.

على الناحية الأخرى، فالمبالغة في الوضوح قد تنقلب ضد الكاتب، خاصة عندما تخبر الجمهور بأشياء يعرفها بالفعل، وهي أكبر جريمة يمكن لكاتب أن يرتكبها.

الأمر يشبه أن ترمي بكرة السلة أرضًا، وبدلًا من أن تصطدم بالأرض وتعود إليك، تعلق في الهواء. يفقد المتلقي الثقة في الكاتب حينما يرتكب تلك الخطيئة، ويستغرق الأمر بعض الوقت لاستعادة تلك الثقة. لذا، ينبغي على كاتب السيناريو أن يوازن بين الأمرين. أنت تريد من الجمهور أن يكون جزءًا مما يجري على الشاشة. هم يحبون القيام بعمليات الربط والاستنتاج، كي يشعروا بأنهم أذكياء، وهم كذلك بالفعل. لا يريدون الجلوس والاسترخاء فقط للنظر.

تسريب المعلومات (Exposition) عنصر أساسي – لكنه حساس – من بناء أي دراما. المتلقي يحتاج لفهم بعض الأشياء التي ستبنى عليها العقدة، لكن على سبيل المثال فأنت بحاجة لشخصية درامية تتوافق في كمّ معلوماتها مع المتلقي، كي تسرب إليها المعلومات الجديدة في سياق معقول ومُتشَارَك مع الجمهور، وإلا ستجد نفسك تلجأ لبدء كل حوار بين شخصيتين بعبارة “كما تعلم…”، ليس هناك أسوأ من بدء حوار بهذه العبارة.

أنجح 10 أفلام رعب في التاريخ |حاتم منصور

أسوأ 10 أدوار في أفلام الأبطال الخارقين | حاتم منصور


   لا تتجاهل القواعد 

هناك نزعة راحة تظهر عند الكتاب الجدد باعتقادهم أن الفن هو آخر المجالات تقيدًا بالقواعد. يظنون أنهم يمتلكون الحرية الكاملة. سيجلسون أمام لوحة المفاتيح، لتخرج الكلمات فجأة وتكون فنًا صافيًا. كلا، فالقواعد هي ما تكسب الفن جماله، مثلما تكسب المنافسات الرياضية جمالها.

لو تحدثنا عن كرة القدم مثلًا، ماذا لو أمسك أحد اللاعبين الكرة بيده ليسير بها بطول الملعب ثم أطلق النار على حارس المرمى المنافس فقتله ثم وضع الكرة في المرمى، لن يكون هذا مثيرًا بمنطق اللعبة.

القواعد هي ما تعطي الجمال للرياضة، وللفن كذلك. هذا ينطبق على الموسيقى أيضًا، وكل من درس الموسيقى لو بشكل بدائي يعرف عن قواعد مثل الموازير، والمقامات.

وللقصص أيضًا قواعدها، خاصة ما يخص الدراما. يمكن معرفة تلك القواعد من كتاب فن الشعر لأرسطو، ومن لا يرغبون في قراءة كتاب تم تأليفه منذ آلاف السنين، فيمكنهم معرفة القواعد عن طريق تحليل القصص التي نحبها، وخاصة تلك التي نظن أنها نجحت لأنها تكسر القواعد. علينا تحليلها لنفهم كيف كسرت القواعد، لنفاجأ في النهاية أنها لم تكسرها. كيف؟ هذا ما علينا معرفته.


يمكنكم مطالعة محاضرات آرون سوركين حول فن كتابة السيناريو كاملة عبر موقع Masterclass التعليمي


عصر هوليوود الذهبي لم يصدأ بعد: 5 مفاهيم مغلوطة (جزء 1) | أمجد جمال | دقائق.نت

عصر هوليوود الذهبي لم يصدأ بعد .. القصة والأسلوب شيء واحد (جزء 2)| أمجد جمال | دقائق.نت

عصر هوليوود الذهبي لم يصدأ بعد (3).. كيف انتصرت لنا على السلطة الأخلاقية | أمجد جمال


Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:
اشترك في قناتنا على يوتيوب
شاهد أيضا
المعرفة في دقائق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88-%D8%A2%D8%B1%D9%88%D9%86-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%83%D9%8A%D9%86">
Twitter