أحيانًا، يمكن تلخيص جوهر أو مشكلة فيلم ما فنيًا بذكر مشهد أو اثنين فقط. قد يكون هذا حال فيلم Vice الذي كتبه وأخرجه آدم مكاي عن ديك تشيني، السياسي الأمريكي المثير للجدل، ونائب الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش (2001 – 2009).

كلمة Vice هنا في العنوان مزدوجة الدلالة. من ناحية تصلح كاختصار لـ Vice President أو “نائب الرئيس” كاشارة لوظيفة تشيني، ومن ناحية أخرى تعني لغويًا (رذل – حقير) كصفات يرى صناع الفيلم أن تشيني يستحقها.

10 مشاهد صنعت أمجاد هوليوود عام 2018

1- مشهد قبل ظهور تترات البداية:
الشاب ديك تشيني (كريستان بيل) يؤدي وظيفته كعامل إصلاح أعمدة إنارة أوائل الستينيات، ويرى زميلًا له يسقط وتتحطم ساقه. يواصل تدخين سيجارته بتلذذ، بينما ينظر إلى زميله الكسيح على الأرض بلا مبالاة، ثم يعود للعمل لأن رئيس الوردية أمر بذلك.

2- مشهد ساخر يظهر بعد تترات النهاية:
أمريكي يميني رث الهيئة وشرس الطباع، يشكو من الفيلم الذي شاهدناه، ويؤكد أنه فيلم ليبرالي يساري الرؤية ومتحيز جدًا. يرد عليه آخر بأن ما شاهدناه طوال الفيلم هو حقائق، وأنه لا يوجد أي منطق في اتهام من يفهم الحقائق بشكل صحيح، بكونه ليبرالي يساري متحيز أو خلافه. سريعًا يبدأ شجار لفظي بينهما، يهاجم فيه اليساري ترامب أيضًا، باعتباره الطرف الذي يدمر أمريكا فعليًا، بينما تنظر فتاة إلى الشجار الدائر بين الشخصين بلا مبالاة، وهي تحكي لزميلتها أنها متحمسة جدًا لمشاهدة الفيلم القادم من سلسلة Fast & Furious.

إعلان Vice

المشهدان يوجزان مشكلات وعيوب ثابتة في الفيلم:
1- مكاي كسيناريست، عاجز تمامًا أغلب الوقت عن قراءة تشيني كإنسان رمادي مثل ملايين البشر. رغبته في شيطنته إلى أقصى درجة وفي كل فرصة، أهدرت على الفيلم فرصته في تقديم تحليل وتشريح سياسي ساخر وفعال، لشخصية سياسية مكروهة فعلًا في أمريكا، وحولته إلى فيلم أقرب إلى اسكتشات الكوميديا السياسية الزاعقة السريعة الموجودة في برنامج SNL الأمريكي، لكن دون وجود لنفس كمية الضحك.

تجدر الإشارة الى أن هذا البرنامج منح مكاي سابقًا أول فرص عمل له كمخرج في 2000. بصياغة أخرى، مكاي متأثر بنهج البرنامج فعلًا.

عزل الرئيس الأمريكي.. الصعب قانونيًا المستحيل عمليًا

2- رغبة مكاي في تدشين الفيلم كبوق هجوم على اليمين الأمريكي عامة، في فترة ساخنة للغاية، وتشهد استقطابًا حادًا بين اليمين واليسار في أمريكا، وقناعته أن فيلمه وقضيته هذه مهمة جدًا، جعلت الفيلم نفسه رغم بعض المزايا فنيًا، أقرب إلى وعظ سياسي سينمائي مباشر منفر. وعظ بطريقة: أنت لا تعرف أي شيء تقريبًا أيها المتفرج، لذا دعني أحذرك وأشرح لك مخاطر ترامب واليمينيين بشكل سليم، أيها الجاهل المستهتر العاشق لـ Fast & Furious والأفلام الخفيفة التافهة.

قد يكون من اللطيف هنا، أن نذكر أن مكاي بدأ مشواره السينمائي بكتابة وإخراج أفلام خفيفة مثل Anchorman لنجم الكوميديا ويل فاريل، قبل أن يغير جلده عام 2015 ويقدم فيلم The Big Short الذي فاز عنه بالأوسكار كأفضل سيناريو مقتبس.

كريستان بيل وايمي آدمز Vice

اكتسب الفيلم المذكور شهرته بفضل تركيبة سرد مختلفة، تسمح بشرح العديد من المصطلحات الاقتصادية المعقدة، عن طريق صياغة محتوى بصري رمزي ساخر، وظهور لمشاهير هوليوود كضيوف شرف، ومونتاج لاهث وسريع. الأهم من ذلك أنه شهد أيضًا أداءً قويًا من كريستان بيل.

هنا يحاول مكاي توظيف نفس هذه العناصر تقريبًا بلا استثناء، لكن دون نفس النتيجة أو الفاعلية. السرد هنا مثلًا أغلب الوقت لا يحتاج أصلًا لكل هذا الكم من المشاهد والمونتاج الحاد والترميز البصري؛ لأنه لا يوجد شيء معقد للدرجة.

تأثير ترامب العابر للحدود في Sicario Day of the Soldado

طريقة مكاي في المونتاج السريع والترميز تحولت في الحقيقة لسلاح ضار بالفيلم أحيانًا، عندما يقاطع بها مثلًا أداءً تمثيليًا جيدًا من أبطاله، ليعرض علينا وبشكل متكرر رموز بصرية غير مبتكرة، من نوعية: ها هو الشرير يصطاد سمكًا بصبر، تمامًا مثلما يصطاد فرائسه في عالم السياسة.

في المقابل، يحافظ كريستان بيل على مستواه، ويظل أقوى أسلحة Vice. التغيير الشكلي من حيث الوزن ليس القضية؛ لأنه يعكس إرادة فقط. التغيير في الملامح والهيئة ليس قضية أيضًا؛ لأنه عمل فريق ماكياج. اللافت هنا فعلًا هو قدرته على اقتباس بصمات أخرى ضرورية من تشيني، مثل طريقة المشي، وطريقة تقطيع الجمل، وطريقة تحريك الشفاة، وتوظيف كل ذلك بشكل فعال طبقًا لطبيعة كل مشهد دراميًا.

فيديو مقابلة مع ديك تشيني الحقيقي

إيمي آدمز تخطف لنفسها بعض المشاهد القوية أيضًا في دور الزوجة المساندة، أما نقطة الإحباط الحقيقية تمثيليًا، فكانت من نصيب سام روكويل في دور جورج بوش. روكويل ممثل ممتاز عادة، لكنه هنا فشل فيما نجح فيه كريستان بيل مع دوره. فشل في إقناعنا أنه بوش فعلًا. لا الهيئة ولا الأداء تعكس التقارب المطلوب.

هذا الانفصال بخصوص مصداقية شخصية بوش ازداد؛ لأن الطريقة التي يصيغ بها مكاي الشخصية لم تخل من استهتار. المسألة هنا أقرب لمشاهدة مونولجست يقلد بوش على المسرح، في فقرة كوميدية سريعة تعتمد على المبالغات، مضمونها أن بوش مجرد طفل ساذج تافه.

كيف ربحت إسرائيل حرب أشرف مروان بجدارة في فيلم الملاك؟

إجمالًا، لا بأس نهائيًا بفرض وجهة نظر سياسية وتحليلية ما لأي مخرج على فيلمه، أو على شخصيات وأحداث حقيقية. النقطة المهمة هي صياغة هذه الرؤية بشكل فعال سينمائيًا.

هذا ما فعله أوليفر ستون مثلًا بنجاح طوال الثمانينيات والتسعينيات في أفلام مثل JFK – Nixon. رؤيته السياسية فيها قد لا تتوافق نهائيًا مع كاتب هذه السطور، لكن لا أتردد في وصف JFK بالاخص، كواحد من التحف السينمائية الأمريكية في مطلع التسعينيات.

هل ترغب في معرفة الفيلم الذي كاد أن يجمع بين أوليفر ستون وكريستان بيل؟

في فيلم W المعروض عام 2008 كاد كريستان بيل أن يلعب دور جورج بوش، قبل أن يعتذر، ويفوز بالدور جوش برولين.

آدم مكاي تلميذ غير نجيب في مدرسة ستون. صحيح أنه اقتبس منها الكثير، خصوصًا على صعيد المونتاج، سواء من حيث طريقة التنفيذ، أو من حيث الفنانين أيضًا – هانك كوروين مونتير Vice هو نفسه مونتير بعض أفلام ستون في التسعينيات – الا أنه يفتقد لنفس دهاء ووعي وحنكة ستون.

Sorry To Bother You.. الفيلم السياسي كما يجب أن يكون

المتفرج يحتاج لشخصيات من لحم ودم أولًا، ليصبح بإمكانه أن يكرهها ثانيًا. فيلم Vice لا يطرح ديك تشيني من البداية كإنسان حقيقي من لحم ودم، بقدر ما يراه مبكرًا كشيطان رجيم على طريقة القصص الدينية. شيطان لا يبالي بسقوط وكسر زميله دون أي تبرير أو تمهيد درامي مقنع لهذه اللا مبالاة والقسوة.

الفيلم لا يطرح أيضًا سردًا سينمائيًا عبثيًا وكوميديًا بالكامل، ليصبح بامكاننا تقبل صبغ هذه الشخصيات الحقيقية بطباع كاريكاتيرية، والتفاعل بسهولة مع أداء تمثيلي من النوع الذي يقدمه روكويل.

سام روكويل (جورج بوش الابن) في Vice

إجمالًا، لم تنجح طريقة مكاي في صناعة فيلم ناجح في شباك التذاكر، رغم أسماء نجومه، لكنها نجحت مع الأوسكار في ظل التوجهات الحالية. الفيلم مرشح لـ 8 جوائز كأفضل (فيلم – إخراج – سيناريو – ممثل/ كريستان بيل – ممثلة في دور مساعد/ إيمي آدمز – ممثل مساعد/ سام روكويل – ماكياج – مونتاج).

هل يستحقها فعلًا؟ باستثناء ترشيح كريستان بيل كأفضل ممثل، وفرع الماكياج، لا أجد أي استحقاقات أخرى، وأصنف ترشيح سام روكويل بالأخص، كنكتة أخرى مبتذلة في ترشيحات الأوسكار هذا العام، التي تضمنت نكاتًا أغرب مثل ترشيح Black Panther لـ 7 جوائز تتضمن (أفضل فيلم).

ما أراه في ترشيحات Vice هو حفاوة مبالغ فيها، بفيلم غير عظيم فنيًا للدرجة، لكنه متوافق جدًا مع الميول السياسية لأغلب أعضاء الأكاديمية، ومع مرحلة يصمم فيها البعض على اعتبار ترامب واليمين الأمريكي أكبر مشكلات العالم، وعلى تحويل الأوسكار الى خطب ودروس وعظ سياسية سنوية.

باختصار:

سرد سينمائي انفعالي وهستيري بعض الشيء. أداء كريستان بيل في المقابل نموذج للأداء المدروس الموزون، وبفضله يصبح الفيلم جديرًا بالمشاهدة، لكن لا ترفع سقف توقعاتك لما اعتدناه سابقًا مع عبارات من نوعية (مُرشح لـ 8 جوائز أوسكار).

Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D9%8A%D9%84-%D9%8A%D8%AE%D8%B7%D8%B7-%D9%84%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B3%D9%83%D8%A7%D8%B1-%D9%88%D9%84%D8%BA%D8%B2%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7">
Twitter