daqaeq.net

المعرفة في دقائق

قبل اكتشاف لقاح أو مصل وقائي من كوفيد-١٩ أقصى ما استطاعه الأطباء تقديم الرعاية للمريض، وضمان حصوله على الأكسجين عبر دفع الهواء إلى رئتيه باستخدام أجهزة التنفس الصناعي إن استدعى الأمر، بالتزامن مع مراقبة الحمى.. كل ذلك في محاولة لإطالة فرصة الجهاز المناعي في تطوير ما يكفي من الأجسام المضادة لمكافحة الفيروس بنفسه. تزامنا، في المعامل معركة أخرى مع الزمن ومع الفيروس. لنأخذكم في جولة سريعة عبر معامل معهد العلوم البيولوجية" QBI" بجامعة كاليفورنيا.

البداية في يناير

مع تلاحق الأخبار عالميًا عن انتشار فيروس كورونا الجديد في يناير 2020، وصل مدير المعهد نيفان كروغان إلى المختبر.. أخبر الباحثين الموجودين بوضوح: "اتركوا أي مهام أخرى.. على الجميع العمل على مدار الساعة لإيجاد عقار لفيروس كورونا. رحلة البحث في معهد العلوم البيولوجية ركزت على اكتشاف بروتينات الخلايات البشرية التي يعتمد عليها الفيروس لاختراق الخلية ثم الإمراض والتكاثر. مثل هذا الكشف يستغرق عامين في العادة، لكن مجموعة عمل ضخمة أشرف عليها كروغان وضمت 22 مختبرًا أنجزت المهمة في غضون أسابيع.

آلية عمل الفيروس

البحث عن عقار قادر على التعامل مع تهديد فيروس كورونا الجديد يستلزم أولًا تشريح الفيروس نفسه. بحسب الإيكونوميست، وصلت عدد الأوراق البحثية التي تناولت فيروسات كورونا 1,245 ورقة في الـ 80 يومًا الأولى من عام 2020. في دراسة جديدة، نظر العلماء في 26 من 29 جينا لفيروس كورونا، والتي توجه (تصدر أوامر) إنتاج البروتينات الفيروسية. كما كشفوا 332 بروتينًا بشريًا استهدفهم الفيروس التاجي.. ويبدو أن بعض البروتينات الفيروسية تستهدف بروتينًا بشريًا واحدًا فقط، بينما تكون بروتينات فيروسية أخرى قادرة على استهداف عشرة بروتينات خلوية بشرية. العديد من العلماء بدأوا البحث عن عقاقير تهاجم الفيروس نفسه، لكن فريق معهد العلوم البيولوجية سار في طريق آخر.. البروتينات الفيروسية تحتاج للالتصاق ببروتينات الخلايا البشرية لتخليق ملايين الفيروسات وبدء عمليتي الإمراض ونشر العدوى.. هنا ركز باحثو المعهد على إنتاج عقاقير تؤمن بروتينات الخلايات البشرية نفسها.. وبالتالي إبطال خطة الفيروس كليًا.

فبراير.. وضع الخريطة

في فبراير أصبح التهديد أكثر خطورة،. فسارعت مجموعة الباحثين إلى توليف جينات من فيروس كورونا وحقنها في خلايا. فكشفوا أكثر من 400 بروتين بشري يبدو أن الفيروس يعتمد عليها للتكاثر. كروغان وزملاؤه استعانوا بطريقة للعثور على جميع البروتينات البشرية التي تستخدمها الفيروسات للتلاعب بخلايانا، ووضعوا "خريطة" لها في 2011. ومنها طوّروا "خريطة" لفيروس "نقص المناعة المكتسبة (المسبب لمرض الأيدز).ومضى كروغان وزملاؤه بوضع خرائط مماثلة لفيروسات أخرى كـ"إيبولا" و"حمى الضنك". بمجرد أن يتمكن العلماء من تجيع "خريطة" خاصة بالفيروس، يمكنهم استخدامها للبحث عن علاجات له.

الاقتراحات الأولى

الأدوية تستهدف حماية البروتينات الموجودة في خلايا الإنسان والتي يعتمد عليها الفيروس للازدهار والتكاثر. وقد تمت الموافقة في السابق على العديد من الأدوية التي تتبع هذا النهج، حتى في أمراض غير فيروسية، وذلك لعلاج أمراض كالسرطان. سعى الباحثون إلى الأدوية التي تلتصق أيضًا بالبروتينات البشرية التي يبدو أن فيروس كورونا يحتاج إلى إدخالها وتكرارها في الخلايا البشرية. حدد الفريق في النهاية 24 دواءً وافقت عليه إدارة الغذاء والدواء لعلاج أمراض تبدو غير ذات صلة مثل السرطان ومرض باركنسون وارتفاع ضغط الدم. في القائمة كان هناك مرشحون غير متوقعين مثل هالوبيريدول، يستخدم لعلاج الفصام، والميتفورمين، الذي يتناوله الأشخاص المصابون بداء السكري من النوع 2. وتشمل القائمة المضادات الحيوية التي تقتل البكتيريا عن طريق تشويش الآلات الخلوية التي تستخدمها لبناء البروتينات، لكن بعض هذه الأدوية يرتبط -أيضا- بالبروتينات البشرية، وتثير الدراسة الجديدة احتمال أن يتحول هذا التأثير الجانبي إلى علاج مضاد للفيروسات. وأحد الأدوية المدرجة في القائمة هو ”الكلوروكين“، الذي يقتل الطفيلي أحادي الخلية الذي يسبب الملاريا. وعرف العلماء منذ فترة طويلة أنه يمكن أن يرتبط أيضا ببروتين خلوي بشري يسمى مستقبل سيغما -1. وهذا المستقبل هو -أيضا- هدف الفيروس.

محاولات موازية

كيفان شوكات، وهو عالم كيميائي يعمل في إحدى الجامعات الأمريكية، قال إنه بحث في 20 ألف دواء مرخَّص من "إدارة الغذاء والدواء" لمعرفة إن كان أحدها يتفاعل مع البروتينات على "الخريطة" التي أنشأها مختبر كروغان، وحدد مع زملائه 50 دواء واعداً في هذا المجال. بالفعل ملأ شوكات وزملاؤه صندوقاً يحوي أول 10 أدوية على القائمة التي حددوها، وشحنوها إلى نيويورك لاختبارها ضد فيروس كورونا.

اختبار الأدوية

الاختبارات بدأت بالفعل في "مستشفى ماونت سيناي" في نيويورك وفي "معهد باستور" في باريس. وإذا نجحت جهود الباحثين بإيجاد دواء لكورونا، فسيكون ذلك إنجازاً علمياً كبيراً. جون يونغ، رئيس قسم "الأمراض المعدية" في "شركة روش فارما للأبحاث والتطوير المبكر"، التي تتعاون مع بعض الباحثين في هذا المجال: "أنا معجب حقاً بالسرعة والقدر الذي يتحركون به، ونعتقد أن هذا النهج يتمتع بإمكانات حقيقية للنجاح". وقد أرسل الباحثون في سان فرانسيسكو دفعة أخرى من الأدوية إلى "معهد باستور" في باريس حيث بدأ الخبراء أيضا في اختبارها ضد فيروس كورونا.

دواء جديد

العلماء جربوا الأدوية التي سبق ثبوت فعاليتها مع أمراض أخرى، لكن إذا تم العثور على أدوية واعدة لمكافحة كورونا في المختبر، يخطط الخبراء لتجربتها أولاً في أحد الحيوانات المصابة بالفيروس، قد يكون حيوان النمس لأنه من المعروف أنه يُصاب بفيروس "سارس" وهو مرض وثيق الصلة بفيروس كورونا المستجد Covid-19 المتفشي حالياً. وحتى لو كانت بعض هذه الأدوية هي علاجات فعالة لكورونا، سيظل العلماء بحاجة للتأكد من أنها آمنة، حيث قد يتبين، على سبيل المثال، أن الجرعة اللازمة لإزالة الفيروس من الجسم قد تؤدي أيضاً إلى آثار جانبية خطيرة.