في قضية خاشقجي:

هناك جزء يخص السعودية والعالم من حولها هو الجريمة، التي تمت في القنصلية السعودية، واعترفت السعودية بالمسؤولية عنها.

لكن الجزء الآخر يخص الشرق الأوسط كله. الجريمة تستخدم لإعادة إحياء فريق إسطنبول وتلميعه.

ومن هنا، وبعد صمت طويل احترامًا للمجني عليه، فسلوك “الإعلاموباما” أتاح لنا وأباح أن نتحدث عن ”ما حول الجريمة“ وكيف تم في ظلها إعادة تلميع هذا الفريق.. باستراتيجية مقصودة. 

١

في عز صدمة مقتل خاشقجي، بالتحديد في اليوم العاشر بعد الواقعة، كتب باتريك بول، وهو مراسل شؤون الإرهاب في مؤسسة إعلامية لم أسمع عنها من قبل PJMedia، تغريدة يقول فيها:

“لم أكن أعلم حتى أمس أن جمال خاشقجي هو كاتب المقال سيئ السمعة الذي نشر في ١٩٨٨ عن جولته في أفغانستان مع أسامة بن لادن وشريكه في تأسيس تنظيم القاعدة عبد الله عزام”. ويضيف ساخرًا: “إنه مجرد صحفي إصلاحي ديمقراطي يحمل RPG مع الجهاديين”.

pastedGraphic.png

باتريك بول نفسه، كالمؤسسة التي يعمل فيها، ليس مشهورًا بالمعايير التويترية، وعدد متابعيه على تويتر حوالي ١٣ ألفًا، لكن التغريدة التي كتبها وصلت إلى شخص أكثر شهرة، شون ديفيز، لديه ١٤٠ ألف متابع، وله علاقات أوسع داخل صفوف الجمهوريين. يعرف نفسه بأنه أحد مؤسسي “ذا فيدراليست”، وهو منشور إلكتروني مؤيد لترامب.

في إعادة التغريد الخاص به أضاف هو الآخر تعليقًا يقول:

“هه. يبدو الأمر وكأن الحقيقة مختلفة عن السرد معدوم الأدلة الذي تتناقله وسائل إعلام ذات تاريخ طويل من الانخداع بمن يمثلون صدى صوت لإيران”. السرد معدوم الأدلة هنا إشارة إلى الصورة التي تعرف بها صحف أمريكية جمال خاشقجي وتقدمه إلى الناس. سنستخدم عبارته ”السرد معدوم الأدلة“ أكثر من مرة في هذه الرواية الصحفية.

بدأت الدورة من شخص ذي ١٣ ألف متابع، إلى شخص يحظى بأكثر من عشرة أضعاف هذا العدد من المتابعين، لكنها لم تتوقف هناك. أعيد تغريدها مرة أخرى، هذه المرة من شخص أكثر شهرة وأكثر نفوذًا، دونالد ترامب، ليس الرئيس، بل ابنه. لاحظ السهم الفوسفوري الأصفر في الصورة التالية.

pastedGraphic_1.png

هذا يعني أنها لفتت انتباهه، وقرأها، وأراد أن يلفت انتباه آخرين إليها. ومعناها الآخر أنها وصلت إلى الدائرة القريبة من الشخص الأكثر شهرة وتأثيرًا في العالم، الرئيس الأمريكي نفسه. 

مجرد إعادة التغريد من قبل دونالد ترامب الصغير، رأت فيها هافنجتون بوست – محقة – خبرًا يستحق إبرازه.

pastedGraphic_2.png

“شعر بالصدمة” بعض الأمريكيين من الفارق بين الصورة التي تقدمها واشنطن بوست عن جمال خاشقجي، والصورة التي يمكن لشخص عادي – أمريكي أيضًا ولا يعيش في الشرق الأوسط ولا يتحدث العربية – أن يعثر على ما يشكك فيها.

فما بالك بمن يقرؤون العربية ويعرفون أبطال الدراما!!

٢

من حقائق العصر الذي نعيش فيه أن الإعلام لم يعد بيد نخبة. صحيح أن المؤسسات لا تزال أسرع في قدرتها على التأثير، تملك أموالًا وترسل مراسلين، وقادرة على نقلك إلى موقع الحدث وغمرك فيه، لكن السوشال ميديا تقدم بضاعة محببة إلى الناس منذ قديم الأزل – النميمة. 

أي ثغرة في القصة يكتشفها شخص عادي صارت محلًا للتداول، ودليلًا على معرفته بـ ”بواطن الأمور“، وعلى قدرته على هزيمة المؤسسة الكبيرة، كما هزم داوود جالوت. 

السوشال ميديا جعلت زوايا النظر إلى أية قصة لا نهائية، وجعلت الكشف عن زوايا جديدة لإثارة الاهتمام أكبر من أن تحصى.

نفس المنشور الإلكتروني الذي بدأ التغريدة PJ media، عاد يوم ٢٢ أكتوبر لكي يطرح السؤال الذي ربما حير كثيرًا من مواطني الشرق الأوسط قبل الجريمة التي أودت بحياة جمال خاشقجي. والذي يوجز منبع الريبة في علاقة واشنطن بوست بدوائر إسطنبول. 

pastedGraphic.png

لماذا تتعاقد واشنطن بوست مع شخص مثل جمال خاشقجي؟

بالنسبة لمواطني الشرق الأوسط تبدو الإجابة واضحة. لا أقول إنها صحيحة أو مخطئة، لكنها واضحة.

الإعلاموباما يحاول إحياء رميم عظام حلفائه في المنطقة، فيعيد سيرته الأولى التي رأيناها في مصر في ٢٠١١، ثم صدمتنا الحقيقة في الشوارع. الجارديان لا تزال تطلق على إرهابيي رابعة العدوية لفظ ”مناصري الديمقراطية“ (عاصم عبد الماجد بقى برو ديموكراسي يا مينز). هنا لا تهم الحقيقة كثيرًا، المهم أن يقدم حلفاءه بالصورة الإعلانية التسويقية المناسبة للزبون الغربي. أن ”ينجِّمهم“ كما نقول بالعامية.

والطرفان يعرفان تمامًا ما يفعلان. يعرفان اللعبة. 

جمال خاشقجي، في تشات له نشر على تويتر، “اقترح” أن تكون الوسيلة المثلى لرفع شخص من دائرته إلى مصاف الاهتمام العالمي أن يطرح اسمه لجائزة نوبل. وبما أن هذا صعب، فلتكن البداية هي مقال في واشنطن بوست. الشخص نفسه اسمه مجهول لكثير منا. أنا شخصيًا لم أقرأ له في حياتي إلا تغريدة يحذر فيها من استخدام ”السحر“ ضد المعتقلين السياسيين، وقال إن فقهاء كبار من المفرج عنهم تحدثوا عنها. 

فيا قوة الله!! لجائزة نوبل مرة واحدة. تلك التي كنا نظن أنها تمثل إنجازات غير مسبوقة. يذكرنا هذا بأن شخصًا مثل “توكل كرمان” حصلت عليها، وأن عراب الجميع – باراك أوباما – حصل عليها وهو بعد حديث العهد بمنصبه، لم ينجز فيه شيئًا، ثم مضى لتكون سنوات حكمه أكثر سنوات الشرق الأوسط دموية، وأكثرها انتعاشًا لجماعات الإرهاب دون خوف من عقاب أمريكي.

السطر الأخير يعيدنا إلى الفارق بين “مجرد الصدمة” التي يشعر بها مواطن أمريكي حين يقارن الصورتين، وبين “القلق الشديد” الذي نشعر به من استخدام جريمة خاشقجي لإعادة أيام ”الربيع الجهادي العربي“. كلمة الجهادي استخدمها خاشقجي نفسه، كما سنرى لاحقًا. 

فكيف أجابت واشنطن بوست على السؤال. وكيف كانت الإجابة أكبر دليل على سعيها المتعمد، لا العفوي، إلى تلميع طابور إسطنبول، مستغلة بشاعة الجريمة التي ارتكبت في حق جمال خاشقجي.

٣

في البداية استخدمت الواشنطن بوست، كما الإعلاموباما، أسلوب الابتزاز الأخلاقي. اتهام كل من يثير شكوكًا حول الطريقة التي تصور بها جمال خاشقجي والتيار الذي يعبر عنه، بأنه يريد ”التغطية على جريمة خاشقجي“. 

نجح هذا الأسلوب فعلًا في إسكات منتقديها. حيث لا أحد فينا يريد أن يساهم ولو ضئيلًا في جريمة بشعة كقتل خاشقجي.

صمت الخصوم كان ضروريًا لواشنطن بوست لأنه الطريقة الوحيدة التي تستطيع بها تمرير أكاذيبها حول طابور إسطنبول، على مدار تغطيات عدة، وكان ضروريًا أيضًا لأنها لن تستطيع تجاهل هذا السؤال المحدد، ولا بد أن ترد عليه. ولن تستطيع أن تفعل ذلك لو فتحت المجال للجدل حول دقة/زيف المعلومات التي تقدمها عن المجني عليه. 

لقد نجحت فيما أرادت. لا يمكن إنكار ذلك. لكن نجاحها في إسكات خصومها أغراها بأن تمرر، كما الإعلاموباما، أكبر حملة من الأكاذيب، في خلفية الجريمة. هذه الحملة في الحقيقة بدأت قبل الجريمة نفسها. لم يكن استكتاب خاشقجي إلا خطوة فيها. لماذا تستكتب شخصا بهذه التوجهات؟ هكذا أجابت. 

pastedGraphic.png

بينما كان خاشقجي يومًا متعاطفًا مع الحركة الإسلامية، فقد تحرك إلى وجهة نظر أكثر ليبرالية وعلمانية، حسب ما يقول خبراء في شؤون الشرق الأوسط تتبعوا تاريخه المهني. خاشقجي عرف بن لادن في الثمانينيات والتسعينيات أثناء الحرب الأهلية في أفغانستان، لكن مقابلاته مع بن لادن كانت كصحفي صاحب وجهة نظر ويعمل مع مصدر عالي القيمة.

هذه فقرة واحدة قدمتها الواشنطن بوست. لكن كثافة الأكاذيب فيها أكبر من كثافة السكان في يأجوج ومأجوج. كما أنها تضم كل ملامح الاستراتيجية التي اتبعتها، بعد خطوة الابتزاز الأخلاقي للمنتقدين. ويمكن تلخيصها في نقطتين:

  1.  نفي صفات سلبية، ليس إسلامجيًا.
  2. إلحاق صفات إيجابية، هو ليبرالي وعلماني. وفي مواضع أخرى ترك السعودية اعتراضًا على قيود التعبير وعلى حرب اليمن. 

تبدو النقطتان بسيطتين. يمكن التعبير عنهما مباشرة بنفي وإثبات، كما في الفقرة المقتبسة أعلاه من الواشنطن بوست. 

لكن ”السرد معدوم الأدلة“ لا يكفي. الأحكام لا تكفي. لا بد من تقديم رؤية، ورواية. من الناحية الآخرى، لو قدمت رواية عن دوائر إسطنبول فسوف يتعمق أكثر وأكثر السؤال الموجه إليها: لماذا تستكتب الواشنطن بوست شخصًا مثل خاشقجي؟ والأنكى، قد تفقد دعم الرأي العام الغربي لـ ”مشروع إسطنبول“. وهو هدف أوسع من تحقيق العدالة الواجبة لجمال خاشقجي.

ما الحل إذًا؟

الحل معروف ورأيناه في أفلام عدة. إن أردت أن تهرب جهاز تفجير لا تجمعه معًا وتهربه في جسم واحد، وإلا سيسهل التعرف عليه. بل فككه. وهرب كل قطعة بمفردها. بحيث تبدو خارج سياقها مجرد قطعة معدنية، أو مكون من خليط، أو قطعة من بازل. 

هذا بالضبط ما فعله الإعلاموباما العالمي. فكك الرواية إلى قطع كثيرة. وقدم كل قطعة منها خارج سياقها. معتمدًا على أن القراء لن يجمعوا هذه القطع المتناثرة ويكونوا روايتهم. وإن فعلوا، فهناك قطع أساسية ستظل غائبة. 

لكننا هنا سنجمع القطع المتناثرة، من الإعلام العالمي وليس من الإعلام الناطق باللغة العربية. وسنجمع هذه القطع معًا. 

الآن نبدأ من النقطة الأولى، السهلة: 

هل جمال خاشقجي، ودوائر إسطنبول المحيطة، إسلامجية أم لا؟

صحيح أن ”خاشقجي عرف بن لادن في الثمانينيات والتسعينيات“ كما تقول الواشنطن بوست، ليس بالضبط أثناء الحرب الأهلية، لأن المعرفة استمرت إلى سنوات السودان، بالتحديد ١٩٩٥، بعد التفجير الأول لبرج التجارة العالمي، وبعد تفجير فندق في عدن يقيم فيه جنود أمريكيون في طريقهم إلى الصومال. وفي ذلك اللقاء طلب خاشقجي من بن لادن استثناء المملكة من عملياته، وهي وساطة خدمية مشهورة للإسلامجية، يلعبون فيها دور حلقة الوصل بين الإرهابيين والدول. 

إنما الموضوع برمته لا يهم. هذا في الحقيقة إقرار غرضه التشتيت. لقد خلقت الواشنطن بوست لنفسها حجة ضعيفة لترد عليها. من يقولون إن جمال خاشقجي إسلامجي لا يستندون في ذلك – فقط – إلى علاقته السابقة بالمجاهدين في أفغانستان، متعاطفًا، وليس فقط صحفيًا. إنما يستندون إلى الحاضر القريب جدًا. علاقته بالحرب الأهلية السورية مثلًا. هذه تغريدة من ٢٠١٢

pastedGraphic_1.png

”الجهاد في سوريا“ …. ”بمنهج أهل السنة والجماعة“. لا يحتاج القارئ المتحدث باللغة العربية إلى تعليق مني. حتى القارئ باللغة الإنجليزية يفهم أن الليبراليين العالمانيين لا يدعون الشباب إلى ”الجهاد“ ”بمنهج أهل السنة والجماعة“. ولذلك لن يرى أبدًا هذه التغريدة، أبدًا، ستظل قطعة بازل محجوبة. لن تتجشم الواشنطن بوست عناء تفسير سبب استكتاب صاحبها. ليس هذا فقط – لاحظوا – بل أيضًا تفسير سبب ترويجها إياه لجمهورها بأنها ”عالماني“. كما في السرد معدوم الأدلة الذي قدمته.

جمال خاشقجي، بالتأكيد، ليس عالمانيًا. بالعكس. لقد لاحظ بعد صعود محمد بن سلمان أن الصحف السعودية صارت تسمح بمقالات تبين ”فضائل العالمانية“ حسب تعبيره. فكتب في صحيفة الحياة يوم ١٨ أغسطس ٢٠١٧ منتقدا هذا. منتقدًا مجرد الطرح الفكري للعالمانية. مشيرًا إلى أقصى ما يمكن للسعودية تحمله ”أن تجتهد في فقه الإسلام“. ”بل إن قليلًا منها،“ والتعبير له في المقال مشيرًا إلى العالمانية، ”يمكن أن يفسد المزاج ويفقد الدولة أهم مقوماتها وركائزها في الحكم“.