المراقب لتتابعات قضية غاز شرق المتوسط في العقدين الماضيين سيدرك أن مصر سبقت بقية الأطراف في إدراك أهمية الملف. الأسبقية منحتها ميزة كان يمكن البناء عليها سريعًا لولا استفادة الأطراف التي تحركت متأخرًا من اضطراب الأوضاع الداخلية في مصر سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا بين 2011-2013، ما مكنها من تعويض ما فات.

   الاستراتيجية المصرية المبكرة 

مصر وقبرص كانتا أول من رسَّم المنطقة الاقتصادية الخالصة في 2003، أعقب ذلك اتفاق تصدير الغاز المصري للأردن 2004، ثم لإسرائيل في 2005، بالتزامن مع تشغيل مصانع إسالة الغاز في دمياط ثم إدكو بين 2000 و2006، ثم بدء التصدير لإسرائيل عبر خط الغاز مطلع 2008.

مبدئيًا، ركزت الاستراتيجية المصرية في الملف على استغلال وجود خلافات حدودية وسياسية بين الأطراف الأخرى (تركيا، اليونان، قبرص، إسرائيل، لبنان، فلسطين، سوريا، الأردن) بما يؤخر إمكانية توقيع وتفعيل اتفاقات فيما بينها، للإسراع بتوقيع اتفاقات ثنائية ولو بأسعار تفضيلية تؤسس لبنية أساسية قوية بما يكفي لتحويل مصر لمركز للطاقة في وقت قصير يسبق بقية الأطراف.

تركيا وإسرائيل وسوريا لم يوقعوا على اتفاقية جامايكا (قانون البحار)، والنزاع التركي القبرصي/ التركي اليوناني حديث ذو شجون، وملف لواء الإسكندرونة لا يزال عالقًا بين سوريا وتركيا، وفوق ذلك لا علاقات بين لبنان وإسرائيل، بما يعرقل استفادة لبنان من ثرواته.

يكفي لبيان ذلك أن اتفاق لبنان – قبرص 2007 لم يُصدق عليه، وتجمد لسنوات، لينتهي الأمر بتوقيع اتفاق آخر بين إسرائيل وقبرص في 2010، تتضارب مع سابقتها في تحديد الخط الجنوبي للمنطقة بين قبرص ولبنان، والشمالي بين قبرص وإسرائيل؛ أي أن الخلاف تركز على تحديد الخط الفاصل بين لبنان وإسرائيل، ناهيك عن أثر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي المستمر في منع استفادة الفلسطينيين من ثروات المتوسط قبالة قطاع غزة.

تحركات تركيا والإخوان في البحر المتوسط.. كيف تؤثر اقتصاديًا على المواطن المصري؟ س/ج في دقائق

   عقبات 2011 وما حولها 

الاستراتيجية المصرية لم تمر دون عراقيل. بدأت بأحكام القضاء الإداري حول التصدير لإسرائيل والأردن، ثم الاعتراضات على مصانع إسالة الغاز بدعوى تلويث البيئة، ثم التفجيرات  المتكررة لخط الغاز لإسرائيل وما أعقبه من وقف للتصدير، فتحكيم اقتصادي خسرته مصر، وصولًا للعراقيل الكبرى التي زامنت وصول الإخوان للسلطة وتصاعد المشروع التوسعي التركي وتهديده لمصالح قبرص واليونان الاقتصادية، بالإضافة لتدخله سياسيًا في مصر وليبيا وسوريا، ثم تدخله عسكريا في سوريا فليبيا مؤخرًا.

الوضع في قطاع الطاقة نفسه تغير في مصر خلال وبعد السنوات الثلاث؛ فالديون المستحقة لشركات البترول، والتعويضات الناتجة عن التحكيم أوقفت العمل في عدد من المشروعات، بينما يتزايد استهلاك الغاز محليًا فتتحول إلى الاستيراد بدل التصدير، وتتصاعد اكتشافات الغاز في إسرائيل وقبرص، وكليهما محدود الاستهلاك المحلي لقلة عدد السكان النسبي، كما إن الأزمة الاقتصادية في اليونان وقبرص ضاعفت أهمية تصدير الطاقة لأوروبا.

لهذه الأسباب، تصاعد تعاون إسرائيل – قبرص – اليونان في مجال الطاقة تدريجيًا طيلة العقد الماضي، بينما تتوتر علاقات الأطراف الثلاثة مع تركيا، لتبدأ فكرة إنشاء خط للغاز الطبيعي يصل الدول الثلاث وأوروبا، وتزداد أهمية خصوصًا بعد تداعيات الأزمة الأوكرانية على نقل الغاز الطبيعي من روسيا لأوروبا.

   2013.. العودة للملعب 

بعد 2013، سعت مصر للعودة بقوة للمنافسة بإرساء تحالف مصالح يضمها مع قبرص واليونان. اللقاءات بدأت بعد شهور فقط من 30 يونيو، ليصل عدد القمم الثلاثية إلى سبعة في أقل من خمس سنوات، في أحد أعلى معدلات اللقاءات السياسية مع قادة الدول الأخرى.

كان طبيعيًا أن يمتد التحالف الاقتصادي ليشمل الأردن وإسرائيل؛ فلا نزاعات مفتوحة بين أي من الدول الخمس، عكس وضعهم مع أطراف أخرى، ثم يتسع ليضم دولًا أخرى إما لمصالح شركاتها – كما هو الحال مع إيطاليا – أو لإثبات حقوق سياسية واقتصادية كما هو الحال مع السلطة الفلسطينية، لتشكل مجموعة الدول السبع ما يعرف بمنتدي غاز شرق المتوسط.

منتدى غاز شرق المتوسط.. خبر صغير في الجرائد وتطور كبير في السياسة | س/ج في دقائق

بالتزامن، سددت مصر جزءًا كبيرًا من مديونيات شركات البترول وأعادتها للعمل فيها، ثم بدأت اكتشافات حقول الغاز تتابع. سوت بعد ذلك مسألة غرامة التحكيم الاقتصادي مع إسرائيل باتفاق أبرمته في يونيو 2019 خفض ما ستدفعه من 1.7 مليار دولار إلي 500 مليون دولار فقط تسدد منها 60 مليون دولار فورًا، و40 مليون خلال ستة أشهر، والباقي علي 16 دفعة نصف سنوية بقيمة 25 مليون دولار، أي أن الدفعة الأخيرة ستُسدد بنهاية 2027. في المقابل، تصدر إسرائيل الغاز لمصر بدءًا من العام الحالي، بما نتج عنه إعادة إصلاح خط الغاز البحري الرابط بين الدولتين، مع إعادة توزيع أسهم الشركات المالكة لزيادة حصة مصر.

من جهة أخرى، وقعت مصر في سبتمبر 2018 اتفاقًا مع قبرص لإنشاء خط لنقل الغاز الطبيعي بينهما، وإن لم تبدأ أعماله الإنشائية حتى الآن.

هناك إذن عدد من الحلول المتاحة؛ فبينما تسعى مصر للدفع باتجاه نقل الغاز من إسرائيل وقبرص لمصر ثم إسالته وتصديره لأوروبا، فإن الحل البديل ينقل الغاز مباشرة من إسرائيل (ومصر) إلى قبرص فاليونان فإيطاليا.

   الاتفاق الجديد ليس بديلًا 

وبينما بدا الاتفاق بين إسرائيل – قبرص – اليونان على إنشاء خط غاز شرق المتوسط وكأنه مفاجأة تنهي الطموحات المصرية، فالأمر لا يمكن أن يؤخذ على هذا المحمل لعدة أسباب:

  • الاتفاق إعلان نوايا. لا يختلف عن اتفاق مصر – قبرص قبل 16 شهرًا. الأطراف أكدت أن العمل لن يبدأ قبل 2022، ليبدأ الضخ في 2025 إن تقرر التنفيذ. في تلك الفترة، سيتزايد توريد الغاز الإسرائيلي لمصر طبقًا لاتفاق التصدير.

حسابات الزمن التي لا تقل عن عامين ترجح كفة خط قبرص – مصر أولًا، حتى لو مُد الخط الآخر لاحقًا؛ فإنشاء محطة إسالة في قبرص أو إسرائيل يواجه مشكلات بيئية كبيرة، ما يجبر قبرص على الانتظار 5 سنوات قبل تصدير الغاز. نفس الفترة تنطبق على إسرائيل، إلا حال التصدير للأردن أو مصر.

  • التكلفة الاقتصادية للخط المقترح (7 – 10 مليارات دولار) تتجاوز كثيرًا تكلف خط مصر – قبرص (مليار إلى ملياري دولار)؛ فمسافة الخط المقترح تصل إلى 1,900 كيلو متر، ويمتد على عمق 3,000 متر تحت سطح البحر في بعض المناطق، ما يرفع تكلفة الغاز المورد لأوروبا بالمقارنة بنظائره من أماكن أخرى.
  • التكلفة السياسية كبيرة؛ أي نزاع عسكري قد يقطع الإنتاج. الأطراف الثلاثة لديها نزاعات سياسية، مع تركيا أو الفلسطينيين ولبنان، لكن عمليًا، فالتهديد الحقيقي يأتي من تركيا، ليس فقط لأنها تتنازع مع قبرص واليونان، بل لأن اتفاقها مع حكومة السراج في ليبيا يعني أن المنطقة التي تزعم تبعيتها لها تقطع مسار الخط تمامًا في نقطتين. تلك العوامل تزيد صعوبة الوصول لممولين.
  • سعة الخط المقترح لا تتجاوز محطات الإسالة الموجودة بالفعل في مصر. تصل عشرة مليارات متر مكعب عند بدء تشغيله المفترض بعد خمس سنوات، ترتفع لاحقًا إلى 20 مليارًا، فإن سعة محطتي الإسالة في إدكو ودمياط معًا في اللحظة الحالية هو 10+7.5 مليار متر مكعب؛ أي توفر نحو ضعف السعة المبدئية، وحوالي 88% من السعة القصوى للخط المقترح، بفارق زمني لا يقل عن استفادة من التصدير لخمس سنوات.
  • نقل الغاز المسال بالسفن أسهل كثيرًا من الأنابيب؛ ليس فقط بسبب التكلفة، ولكن لمرونة الانتقال بالمنتج لأي مكان في العالم. وعادة، لا تلجأ الدول للأنابيب إلا إذا كانت جدواها الاقتصادية أكبر. وهذا يحدث في الخطوط الأرضية أو في الخطوط البحرية القصيرة.

   لماذا إذن؟ 

طالما أن الأمر كذلك، فلماذا وقعت الدول الثلاث هذا الاتفاق؟

  • لأن الخط في جميع الأحوال بديل لا ينفي البدائل الأخرى. مد خط للطاقة من أراضيها إلى أوروبا مهم لزيادة نفوذ الدول الثلاث، واستهلاك الأوروبيين الحالي يستوعب التصدير من أكثر من مسار؛ لأن حجم الإنتاج في إسرائيل وقبرص يفوق حجم الاستهلاك بكثير، وبالتالي فسعة التصدير المتاحة والمطلوبة تتجاوز سعة الخط وسعة محطات الإسالة المصرية أيضًا.
  • إسرائيل وقبرص – اللتان أسستا دول مثلث الطاقة مع اليونان منذ عشر سنوات – لا يريدان إحلال مصر محل اليونان بشكل كامل؛ فالأفضل التعاون مع مصر واليونان معًا. تحالف قبرص بالذات مع اليونان معقد بما لا يمكنها من تحجيم أي فرصة لإفادتها، خصوصًا أن فائدة أثينا هنا لا تضر نيقوسيا.
  • تنويع مصادر الطاقة لأوروبا بعيدًا عن روسيا هدف أمريكي واضح، يتوقف عليه المزيد من الدعم الأمريكي، بما يتطلب فتح أي مسار ممكن لزيادة التصدير لأوروبا.
  • الخط مدعوم سياسيًا بشدة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في مواجهة تركيا. بالتالي، فالإعلان عنه تحدٍ مباشر لتركيا لدفعها للتراجع سياسيًا.

الخلاصة: صحيح أن المشروع منافس للمشروع المصري، لكنه ليس بديلًا عنه.


دخول أمريكا على خط غاز المتوسط: هل ينهي مشروع إردوغان وعناصره المحلية؟ | محمد زكي الشيمي

إردوغان والسراج.. قشة اليائس | خالد البري

مذكرة تفاهم السراج – إردوغان: هل هي ضربة سياسية لمصر؟ | س/ج في دقائق

Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:
اشترك في قناتنا على يوتيوب
شاهد أيضا
المعرفة في دقائق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%A9-%D8%BA%D8%A7%D8%B2-%D8%B4%D8%B1%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D9%88%D8%B3%D8%B7">
Twitter