* في كتابه الجديد “الرأسمالية.. وحدها”، يسمي برانكو ميلانوفيتش، باحث أول في مركز ستون بجامعة مدينة نيويورك، نموذج الرأسمالية الصينية بـ “الرأسمالية السياسية”، ويقول إنها تظهر عندما تعتمد حكومات استبدادية في اكتساب الشرعية على قدرتها على تعزيز النمو الاقتصادي، بما يوفر الدافع لتطبيق إصلاحات السوق الحر.

* يقول ميلانوفيتش إن شكلي الرأسمالية، الصينية والليبرالية، يسيطران على مشهد الاقتصاد العالمي حاليًا، وإن تطورهما المشترك سيشكل تاريخ العالم لعقود قادمة.

* دوغلاس بولوك، المتخصص في تغطية الاقتصاد الصيني لفوربس، يعرف نموذج “الرأسمالية الصينية” بـ بنوع من “الرأسمالية الاستبدادية” الناتجة عن تسخير ديناميكية خلق الثروة الرأسمالية من أجل ما تراه الدولة “الصالح العام”.

* تسمي الصين نموذجها رسميًا بـ “اقتصاد السوق الاشتراكي”، وتقول إنه يجمع بين النظام الاشتراكي الأساسي واقتصاد السوق.

س/ج في دقائق


لماذا أنتجت الصين نموذجًا بهذا التعقيد؟

المؤرخ راينر زيتلمان، يقول إن الصين شهدت تجويع 45 مليون شخص حتى الموت بين عامي 1958 و1962، نتيجة تطبيق ماو لأكبر تجربة اشتراكية في التاريخ، والتي أسماها “القفزة العظيمة للأمام”، وجرت البلاد إلى كارثة.

دروس من سنغافورة.. وإصلاحات تدريجية

يضيف زيتلمان أن الصين بدأت في 1978 دراسة الأفكار الاقتصادية المطبقة في عشرات الدول؛ لاستنساخ أنجحها في الداخل، لكن الصينيين أعجبوا خصوصًا بنجاحات سنغافورة.

خلال زيارته لسنغافورة، أعجب دينج شياو بينج بالاقتصاد المحلي الذي كان أكثر ديناميكية من الاقتصاد الصيني.

ينقل زيتلمان عن الأب المؤسس لسنغافورة لي كوان يو قوله لـ دينج دينج إن سنغافورة لم تفعل شيئًا لا تستطيع الصين فعل أفضل منه، وهو التحدي الذي قبله.

س/ج في دقائق: التجربة السنغافورية.. دعك من الأوهام هذا ما حدث على أرض الواقع

الحماس لم يؤد لتحول فوري إلى الرأسمالي، إذ بدأت عملية انتقال بطيئة بجهود مبدئية لمنح الشركات العامة قدرًا أكبر من الحكم الذاتي، حتى تنضج وتعتمد على مبادرات من القاعدة إلى القمة بقدر ما تعتمد على الإصلاحات من أعلى إلى أسفل.

يستشهد زيتلمان بمبادرات الفلاحين – قبل سنوات من رفع الحظر الرسمي على الزراعة الخاصة في 1982 – لإعادة ملكية القطاع الخاص، والتي تناقضت مع عقيدة الصين الاشتراكية، لكنها حققت نجاحًا كبيرًا.

يضيف أن نمو الملكية الخاصة دفع بأعداد متزايدة من أصحاب المشاريع الصغيرة لتأسيس شركات، ليبدأ التآكل المتزايد للنظام الاشتراكي، والذي توج بالإعلان الرسمي عن اقتصاد السوق في المؤتمر الرابع عشر للحزب الشيوعي في أكتوبر 1992، في خطوة لم تكن متوقعة قبل بضع سنوات فقط.

النموذج أثبت نجاحًا سريعًا.. باتت أكبر بلد تصدير في العالم، متقدمة على الولايات المتحدة وألمانيا، وحققت انخفاضًا تاريخيًا في معدلات الفقر، من 88.3٪ في 1981 إلى 0.7٪ فقط تحت خط الفقر المدقع بحلول 2015.

ويعتبر زيتلمان أن تطور الصين في العقود الأخيرة يدل على أن النمو الاقتصادي المتزايد – حتى لو كان مصحوبًا بتزايد عدم المساواة – يفيد غالبية السكان، حيث بات مئات الملايين من الناس في الصين أفضل حالًا اليوم كنتيجة مباشرة لشعار دنغ “اسمح لبعض الناس بالثراء أولًا”.

الإيكونوميست: روسيا لم تعد قوة عالمية.. باتت مجرد تابع ضعيف ومستسلم للصين | س/ج في دقائق


هل رأسمالية الصين أفضل للنمو من رأسمالية الغرب؟

أفضلية أداء الرأسمالية السياسية أو الليبرالية في تعزيز النمو يبقى غير واضح المعالم، لكن ميلانوفيتش يقول إن النموذج الذي اتبعته الصين أثبتت أفضليته “الآنية” أحيانًا، خصوصًا مع تحقيق معدلات نمو أسرع بكثير من الولايات المتحدة في العقود الأخيرة. ويرى أن السياسية تبدو أكثر استدامة – على الأقل لفترة من الوقت – باعتبار أن تباطؤ النمو سيؤدي إلى تآكل شرعية الطبقة الحاكمة في النهاية.

الغرب أقرب للتحول إلى نموذج الصين لهذه الأسباب

يؤكد ميلانوفيتش أن الاعتقاد القديم بأن الرأسمالية الليبرالية ستثبت أنها الوجهة الأنسب مع مرور الوقت يتراجع مع ظهور الخلل المالي والسياسي في معظم أنحاء العالم الغني مقابل صعود نموذج مختلف من الرأسمالية السياسية في العديد من الدول الناشئة، خصوصًا الصين كنموذج مثالي، مستبعدًا تحول أنظمة الرأسمالية السياسية إلى نموذج أكثر ليبرالية كما كان يأمل القادة الغربيون أن يحدث في الصين.. العكس، ربما.

يقول إن تلك الأنظمة تعتمد بشكل أساسي على “منطقة انعدام القانون” التي تسمح للدولة بقمع جماعات المصالح في القطاع الخاص؛ إذ إن تطبيق حكم القانون كما الحال في الرأسمالية الليبرالية يمكن الطبقة التجارية من تأسيس مركز قوة جديد قادر على الضغط باتجاه تطبيق المزيد من الإصلاحات السياسية، بما يحد من تصرفات النخبة الحاكمة.

منطقة الخروج عن القانون تسمح للدولة أيضًا بقمع الفساد كلما هدد بتقويض النمو الاقتصادي.

بالمقابل، يرى ميلانوفيتش أن الأنظمة الليبرالية أقرب للتلاقي مع الأنظمة الاستبدادية؛ إذ تستخدم النخبة قوتها الاقتصادية لتعزيز سطوتها السياسية، ودفع المجتمعات نحو تأسيس طبقة حاكمة دائمة لا يمكن إزاحتها.

يستشهد بما يصفه بـ “الارتفاع الجنوني لهيمنة الأثرياء على الإنفاق السياسي”، ويقول إن فئة الـ 1% على قمة طبقة الـ 1% الأعلى كانوا مصدر 40٪ من تبرعات الحملات السياسية في 2016. المؤكد أن هؤلاء الأشخاص الذين يتمتعون بذكاء مالي يتوقعون عائدًا مقابل ما أنفقوه، مضيفًا أن الأبحاث تشير بالفعل إلى أن القادة المنتخبين كانوا أكثر انسجامًا مع مصالحهم.

ويعتقد الكاتب أن جوانب أخرى من الرأسمالية السياسية تزحف أيضًا إلى الرأسمالية الليبرالية، إحداها الفساد، مع تآكل القيم الليبرالية، مستشهدًا برضوخ الشركات للرقابة الصينية حفاظًا على الوصول للأسواق المربحة، أو قبول بعض الحكومات بالتهرب الضريبي الصارخ كسعر لا بأس به لتدفقات رأس المال دون عوائق.

جوجل تريد السوق الصيني.. فهل يريد المستخدمون الصينيون جوجل؟


هل طريق توسع النموذج الصيني مفتوح؟

يتخوف زيتلمان من خطر تصديق الصين لما يعتقده كثيرون في الغرب من أن البلاد قد اكتشفت “طريقًا ثالثًا” خاصًا بين الرأسمالية والاشتراكية، وأن النجاح الاقتصادي قد تحقق “ليس على الرغم من ولكن بسبب الدور الكبير للدولة”.

المخاطر قائمة من فلسفة النظام نفسه

ويرى زيتلمان أن سيطرة الحكومة على كميات كبيرة من الموارد والتدخل المفرط في الاقتصاد سبب مباشر للمحسوبية بين المسؤولين ورجال الأعمال، والتي يصفها بأرض خصبة للفساد الرسمي، والثقافة التجارية الفاسدة، ويرى حاجة قوية لمزيد من الإصلاحات نحو الحد من سيطرة الحكومة على الموارد والتدخل في الاقتصاد، وإنشاء مجتمع حقيقي لسيادة القانون.

ويعتقد بولوك أن الرأسمالية والسلطوية لا يجتمعان بأريحية. يقول إن الرأسمالية أكبر من مجرد حجم التجارة والأرباح وظهور المنافسة السعرية، إذ أن أهم سماتها وجود احتمال لفشل الأعمال، وإفساح المجال لكفاءات السوق، وبدونها يحل استثمار رأس المال وفقًا للأولويات السياسية محل الرأسمالية، خصوصًا مع حرص الدولة على إبقاء معدل النمو مرتفعًا كضرورة نجاح (الاحتفاظ بشرعية النظام)، لينتهي المطاف بتوسيع سلطة الدولة على الاقتصاد سعيًا لتأجيل ظهور النموذج الرأسمالي الكامل (كتطور طبيعي)، بما يضاعف العواقب السلبية على المدى الأبعد.

نمو الاقتصاد الصيني يسجل أبطأ معدل في 3 عقود والنتائج يمكن أن تصيب الجميع | س/ج في دقائق


سعر الحياة الحلوة | خالد البري | رواية صحفية في دقائق

رئيس تائه يا أولاد الحلال .. اختفاء رئيس كينيا يكشف للأفارقة توقف “الكرم الصيني” | س/ج في دقائق

كيف تورطت هواوي في صراع السياسة والتجسس؟ | س/ج في دقائق

نصعد مع الرأسمالية “ونحن قلقون”. نغرق مع الاشتراكية “ونحن مطمئنون” | س/ج في دقائق


Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:
اشترك في قناتنا على يوتيوب
شاهد أيضا
المعرفة في دقائق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%A8%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A3%D8%B3%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9">
Twitter