تخيل معي طبقًا شهيًا صنعه طباخ عالمي، استخدم فيه مكونات عالية الجودة بعضها نادر. الطبق مقدم بكميات كبيرة على طاولة بوفيه يشاركه فيها عشرون طبقًا من أنواع أخرى تنافسه في الجودة والاتقان.

ماذا لو

قُدم لك نفس الطبق وحيدًا،

على طاولة مطعم فخم،

مع شمعة وورود ومشروب في كأس رشيق.

جليسك على الطاولة شخص تحبه وتشتاق الجلوس معه.

في الخلفية موسيقى هادئة وإضاءة خافتة ورائحة زكية.

يخدمك جرسون مؤدب درس “الجرسنة” على أصولها؛ لا يقف أمامك فيربكك، ولا يأتيك من خلفك فيرعبك. يبتسم بأدب، ولو علقت بنكتة سمجة يضحك ضحكة مؤدبة حتى لو لم يفهمها.

   الفن يلون الحياة 

الطبق هنا اكتسب ما يستحقه من تقدير، واستحق مكوناته الغالية النادرة، وما صُرف عليه. بينما على طاولة البوفيه (المفتوح) تزاحمه أطباق أخرى، ففي هذا خسارة.

الخسارة هنا ليست مادية فقط، لكنها خسارة جهد طباخ ماهر ومكونات راقية متفردة. إهدار للفن المبذول في إخراجه وإعداده. فن لن يجد من يقدره على طاولة البوفيه.

تزيين الطبق وترتيب الطاولة وأجواء المطعم والجرسون المحترف كلها من أشكال الجمال والفن. الكميات القليلة وترتيب الإخراج أيضًا فن.

الفن يجعل حياتنا ملونة وأكثر عمقًا وربما أكثر سعادة.

لو عشت حياتك ومارست يومياتك بفن قد تصبح حياتك أجمل.

إذا طلبت لا تطلب كميات كبيرة فتفقد الأشياء جمالها وقيمتها. خذ من الأشياء القليل، وأعط هذا القليل قدره.

لنضرب مثالًا:

سافر صديقك إلى الأردن، وعاد ومعه هدية لك علبة بقلاوة ممتازة. بقلاوة دله عليها أهل البلد لأنها الأكثر جودة، لا تنافسها بقلاوة في عمّان من مائة عام. العلبة فيها خمسون حبة بقلاوة طرية هشة طازجة. أحضر الصديق الهدية وغادر.

   الناس أشكال 

الناس أشكال في تعاملهم وتقديرهم لهذه البقلاوة.

سنعرض الشخص في أقصى اليمين، والشخص في أقصى اليسار، والبقية تتدرج بينهما.

الشخص الأول – غير الفنان – تقديره ضعيف لقيمة الأشياء. ترك البقاولة على الطاولة ودخل لينام. جاءت الخادمة في الصباح فرفعتها على الرف. بعد أسبوع اكتشفوا وجودها، وكانت قد فقدت نصف طزاجتها. أكل منها قطعتين وهو واقف. لاحظ أنها دسمة مليئة بالدهون فتوقف. تركها وخرج لعمله. رفعتها الخادمة مجددًا على الرف، حيث لبثت هناك شهرين، ثم رُميت في سلة المهملات.

الشخص الآخر في الطرف البعيد يعيش بفن. كيف سيتعامل مع البقلاوة؟

في ليلتها أعد فنجانين من القهوة التركية له ولزوجه، مع حبة بقلاوة واحدة لكل كوب. استمتعا بها مع القهوة، ولما انتهيا أحضرا أطباقًا صغيرة، ووضعا كل خمس حبات في طبق. أخرج من علبة البقلاوة ثمانية أطباق صغيرة، وتبقت ثلاث حبات تركها في العلبة له ولزوجه مع القهوة غدًا.

الثمانية أطباق في ليلتها وزعها على جيرانه وإخوانه وأصدقائه.

أبقى طبقًا واحدًا أخذه معه للعمل في اليوم التالي، فأكل منه مديره وزملاء مكتبه.

كل عائلة وصلها طبق بقلاوة حصلت على خمس حبات بقلاوة طازجة. العائلة الأولى وصلتهم البقلاوة في وقتها! لتوهم أنهوا وجبتهم الرئيسية والقهوة على النار، ويريدون معها تحلاية.

العائلة الثانية لا تحب البقلاوة، وتلتزم بدايت تفسده سعرات البقلاوة. مباشرة مررت ربة البيت الطبق لأختها التي تسكن قريبًا منها. وهكذا.

   الجودة اختيار 

الشخص الفنان استمتع بالبقلاوة وقدر قيمتها المادية والمعنوية والجمالية. حولها إلى حفلة بقلاوة في تسعة بيوت وشركة. هذا الشخص يستحق؛ لأنه يقدر. مع الوقت سترتفع جودة حياته وسيلتف حوله أناس فنانون مثله.

أما الشخص الأول عديم التقدير، فلا يستحق البقلاوة الجيدة. في المره القادمة سيحصل على هدية ابتاعها صديقه من المطار أداء واجب. ومع الوقت ستنخفض جودة حياته، وسيلتف حوله أناس مثله غير فنانين، تنقص حياتهم الألوان والروائح.

هل لديكم تجربة مماثلة، أو مناقضة .. أخبرونا في التعليقات 


سعر الحياة الحلوة | خالد البري | رواية صحفية في دقائق

ثورة فرانكنشتاين | خالد البري | رواية صحفية في دقائق



Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:
اشترك في قناتنا على يوتيوب
شاهد أيضا
المعرفة في دقائق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D9%85%D8%B9%D8%B6%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%82%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%A9">
Twitter