ما الأكثر نفعًا لصناعة السينما المصرية: أن يذهب الجمهور لمشاهدة أكبر عدد من الأفلام؟ أم تذهب الجحافل لمشاهدة فيلم واحد؟

   الأعلى تاريخيًا 

لنجيب على السؤال نحتاج لنبدأ من الهوس السنوي لتسمية الفيلم الأعلى تحقيقًا للإيرادات في تاريخ السينما المصرية، والذي بات يتغير سنويًا مع اختلاف مستويات التضخم خاصة بعد تحرير سعر صرف العملة بما ضاعف أسعار التذاكر، وبالتالي قفزة إيرادات جنونية لم تعد في معظمها معبرة بدقة عن مستوى النجاح عند المقارنة بأرقام السنوات السابقة.

أفلام بعينها تظهر سنويًا باعتبارها الأعلى إيرادات في تاريخ السينما المصرية بعد حساب نسب التضخم، أبرزها إسماعيلية رايح جاي 1997، وصعيدي في الجامعة الأمريكية 1998. الأخير يعتبره الكثيرون معيارًا لدرجة نجاح أي فيلم آخر، بل وازدهار سوق السينما المصرية عمومًا، فطالما لم تتجاوز الأفلام الأحدث إيراداته فالسوق السينمائي في تراجع وخطر. مغالطة سنتناولها مع غيرها في السطور التالية.

دراسة حديثة أجراها الباحث محمد حسين، مستعينًا بخبراء اقتصاديين، توصلت إلى أن صعيدي في الجامعة الأمريكية هو الأعلى إيرادًا في التاريخ بـ 27 مليون جنيه في مدة عرض امتدت من صيف 1998 حتى ربيع 1999، ترتفع بعد إخضاعه لمؤشر أسعار المستهلك CPI بتطبيق نسبة التضخم إلى 156 مليون جنيه تقريبًا وفقًا لأسعار يناير 2019.

الأمر ليس معقدًا. تطبيقات ومواقع تجري هذه التحويلات بطرق بسيطة. لكن الأهم من الحسبة هي العوامل الأخرى التي تحكم إيرادات الأفلام ويصعب إخضاعها لمعادلة رياضية. عوامل أقرت بها الدراسة نفسها، مثل عدد الشاشات، وتوزيعها جغرافيًا، وعدد الأفلام المتنافسة، وإجمالي الناتج القومي، إضافة إلى مستوى التعليم ومتوسط الأعمار وشكل المنافسة، ناهيك عن عدد التذاكر المباعة، وهو نظام غير معمول به في مصر، ويصعب تحديده بنسب دقيقة لفقر البيانات المتاحة ولوجود أنظمة معقدة للتسعير، كالحفلات الصباحية والمسائية، وحفلات الأعياد وخارج الأعياد، واختلاف سعة القاعات بتناسب فئاتها السعرية… إلخ.

نسبة الخطأ ستظل موجودة ومتفاوتة بتفاوت العوامل وتعقيدها. هنا سنركز على عامل واحد..

   شكل المنافسة 

بدايةً، أتحدى من عاش فترة صعيدي في الجامعة الأمريكية أو إسماعيلية رايح جاي أن تسعفه ذاكرته في تسمية خمسة أفلام نافستهما حتى بمجرد الحضور المُشرف.

فكّر لدقيقة.. إن لم تسعفك ذاكراتك اضغط هنا

سأساعدك.

1998: هارمونيكا – رسالة إلى الوالي – هيستيريا – دانتيلا – البطل.

1997: ٤٨ ساعة في إسرائيل- سمكة و4 قروش – بخيت وعديلة 2 – حسن اللول – عفريت النهار – المصير – تفاحة.

عناوين كتلك لم تحقق نجاحًا ولو متوسطًا. فيلما عادل إمام ونادية الجندي مصنفان بين أفشل أفلام النجمين الأكثر جماهيرية في التسعينيات، ومثلا انتكاسة نوعية في مشوارهما.

لا نملك أرقامًا دقيقة حول إيرادات الأفلام المنافسة، ولا نستطيع حتى ادعاء أن أرقام صعيدي في الجامعة الأمريكية وإسماعيلية رايح جاي أتت من مصدر موثوق غير ملوّث بالمبالغات الدعائية والانحيازات الصحفية. لنقر أننا في دولة بلا أرقام موثوق بها، ونتناول حقبة ما قبل الإنترنت شحيحة المعلومات أساسًا.

لكن في نفس الوقت نستطيع قراءة المؤشرات. بعضها سيكون معبرًا أكثر من الأرقام. يوسف شاهين مثلًا أمر بسحب فيلمه “المصير” من دار العرض المملوكة لشركته لحساب إسماعيلية رايح جاي الذي كان أنجح وأكثر جذبًا للفئات الجماهيرية بصورة خرجت عن أي منافسة.

شاهين انحاز للخيار التوزيعي الأنجح لجلب أرباح لدار عرضه ولو على حساب فيلمه، وهو مؤشر يوضح شكل المنافسة الحقيقي في 1997 و1998.

لا يمكن وصف ما حدث حينها بالمنافسة أساسًا. توصيفها الأبلغ “ابتلاع” للسوق بفيلم سنوي لنفس النجم، يقابله تدهور وخسارة لبقية أفلام سوق سينمائي شديد الوهن، بإجمالي دخل يمكن اختزاله بأرقام الفيلم الأنجح ثم إضافة بعض “الفكّة” عن الأفلام الأخرى.

نحب دائمًا أن نتذكر أرقام صعيدي في الجامعة الأمريكية كدليل نجاح باهر، لكننا ننسى أنها تؤرخ لفشل وبدائية سوق السينما المصرية حينها، باستمرار عرض فيلم لسنة كاملة دون منافس يمسه أو يقلل نسخه المعروضة.


هل خلود الفن معيار لجودته؟ خمس ثغرات لهذه النظرية | أمجد جمال | دقائق.نت

هل كانت مصر فعلًا ثاني دول العالم معرفة بالسينما؟ | أمجد جمال


   الازدهار الحقيقي 

المعادلة تغيرت لاحقًا، خاصة في سنوات عقد الألفية الأول، التي شهدت ما يمكن وصفه بازدهار حقيقي للسوق السينمائي، رغم عدم تمكن فيلم وحيد من تجاوز إيرادات صعيدي في الجامعة الأمريكية الخرافية، لكن التطورات كانت أفضل على المستوى الأشمل لصناعة السينما المصرية.

القمة اتسعت لأعداد أكبر من الأفلام، ما يعني زيادة كبيرة في إجمالي دخل الصناعة، الذي قفز في 2005 مثلًا إلى 197 مليون جنيه (925 مليونًا بأسعار اليوم).

إليكم عينة من إيرادات أنجح أفلام 2005 بعد إخضاعها لنسب التضخم.

بعدها، جاء 2007 كنموذج لأعوام السينما المصرية الأنجح من حيث عدد الأفلام المنتجة، أو حجم الدخل الإجمالي (يقدر بـ 210 ملايين تعادل حاليًا 850 مليونًا).

المهم في الأرقام السابقة هو شكل المنافسة وقوتها ونسب توزيع الإيرادات وتنوع مواسم العرض. أحمد حلمي وحده حقق ما يعادل 167 مليونًا بفيلمين، وهو أقرب للرقم الذي حققه محمد هنيدي قبلها بعشر سنوات بفيلم واحد ودون منافسة حقيقية كالتي خاضها حلمي.

في نفس العام حقق أحمد السقا إجمالي 156 مليونًا بفيلمين. معنى ذلك أن ما حققه هنيدي وحده في 1997، استطاع نجمان (كل على حدة) تحقيقه في 2007، مع وجود منافس كالزعيم عادل إمام بفيلمه الأعلى إيرادًا حينها مرجان أحمد مرجان، لا الهزيل المستوى والنجاح كرسالة إلى الوالي!

سكاكين السوشيال ميديا التي تحتاجها صناعة الفن أحيانًا | حاتم منصور

5 تيمات سينمائية دمرتها تطبيقات الهواتف | أمجد جمال


   موسم 2019 

على ضوء ذلك، يأتي موسم 2019 كأحد أنجح أعوام السينما المصرية في عقد الألفية الثاني، إن لم يكن أنجحها على الإطلاق، وهي فترة الكساد التي بدأت 2011 مع عدم الاستقرار السياسي وضرب الموسم الصيفي لتزامنه مع شهر رمضان. سنوات انحدار بعدد الأفلام المنتجة سنويًا ومستواها الفني والتقني والإنتاجي.

تحسن الوضع بالتدريج حتى وصل قمته في موسم 2019. أصبح لدينا خمسة أفلام تحقق المعدلات الكبرى في الربح التجاري بالوصول لخط السبعين مليون جنيه، بالمقارنة مع فيلمين سنويًا في 2017 و2018:

كل ذلك دون اعتبار الأفلام المرتقبة مثل “الفلوس” لتامر حسني و”لص بغداد” لمحمد إمام، والمتوقع تحقيقها نجاحًا فوق المتوسط على الأقل. أي أن رقم الأفلام الناجحة في طريقه للزيادة، وبالتالي إجمالي الإيرادات.

الكسالى سيعيدون سبب النجاح لارتفاع سعر التذكرة أو التضخم، رغم أننا راعينا نسب التضخم في مؤشر النجاحات لسنوات السوق النموذجي، وكان المتوسط هو نفسه في عامنا 75 مليون جنيه لأفلام القمة.

نعم كان عدد الأفلام الناجحة والمنتجة أكبر بصفة عامة، لكن يظل عدد الأفلام الناجحة اليوم أكبر من السنوات القليلة الماضية بنسب نمو تتخطى الـ 150% مرشحة للزيادة (مع اعتبار نسب التضخم)!

نعم زاد السكان، لكن نسب الفقر أيضًا زادت، وأصبحت السينما نزهة رفاهية للكثيرين، كما أن الطفرة تلي سنوات من الركود أثرت على البنية التحتية السينمائية، لكن الشواهد تؤكد على أن الصناعة في طريقها لسنوات جديدة من المجد اقتصاديًا.

ليس ضروريًا أن يحقق فيلم بعينه ١٦٩ مليونًا لنقول إننا أمام موسم ناجح. ليس شرطًا أن تتجاوز الأفلام الأحدث الأرقام القياسية بمعايير التضخم. هذه مجرد أسطورة لم تتحقق في السوق الهوليوودي نفسه؛ فحتى اللحظة لم يتجاوز أفنجرز إيرادات آفاتار باعتبار نسب التضخم، كما لم يتجاوز الأخير إيرادات ذهب مع الريح.

تقدم السنوات قد يعني مزيدًا من الأرباح، لكنه يعني أيضًا مزيدًا من المنافسة، مزيدًا من فرص القرصنة، مزيدًا من منصات البث، مزيدًا من قاعات المالتي-بلكس الصغيرة وتنوع خيارات المشاهدة مقابل صالات السينما التاريخية الضخمة ذات الفيلم الأوحد.


فيلم “الممر”.. شريف عرفة وضع الفن في كفة والذخيرة في الكفة الأخرى | أمجد جمال

كازابلانكا.. كيف ابتز بيتر ميمي جمهوره بـ “عركة” لا تبدأ ولا تنتهي؟! | أمجد جمال


   الخلاصة 

الدرس المستفاد أن طفرات السينما المصرية الاقتصادية لا يمكن اختزالها في رقم الفيلم الأعلى إيرادًا في سنته. المؤشر الحقيقي هو وفرة عدد الأفلام الناجحة التي تحقق إيرادات الكبرى ولو لم تضرب الرقم القياسي.

قد يكون من المثير معرفة أنجح فيلم في تاريخ السينما، ولا أنكر أن حسابات التضخم لعبة مسلية، لكن لا ينبغي لهذا الهوس أن يفسد قراءتنا للمشهد السينمائي بصورة شاملة. فربما لا يصل الفيل الأزرق 2 وولاد رزق 2 لأعلى إيرادات في تاريخ السينما، لكن هذا لا يقلل من الطفرة الكبيرة والنمو الواضح لسوق السينما في موسم 2019.

مقارنة المواسم بما يليها وما يسبقها هو الأداة البديهية لتحديد مؤشرات الصعود أو الهبوط. وفي هذه المقارنة فقد ربح الموسم الحالي.


أفلام الويسترن على الطريقة المصرية .. من شمس الزناتي لـ”حرب كرموز”

أحمد زكي.. كيف استحق اعتذار روبرت دينيرو عن “زوجة رجل مهم”؟ | أمجد جمال

من دفاتر صلاح أبو سيف.. الواقعية والرقابة والجنس والنقاد | أمجد جمال



Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:
اشترك في قناتنا على يوتيوب
شاهد أيضا
المعرفة في دقائق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%85-2019">
Twitter