من بين كل قصص هوليوود عن عالم الشهرة وتأثيره، صمدت قصة مولد نجمة على مدار 80 سنة. نسخة 2018 المعروضة بنجاح حاليًا، هى النسخة الرابعة بعد نسخ (1937 – 1954 – 1976) التي حملت كلها نفس الاسم. والخامسة إذا أحصينا فيلم What Price Hollywood إنتاج 1932 باعتباره الأصل.

الحبكة الأساسية شبه ثابتة. ممثلة أو مطربة متواضعة لا يلتفت إليها أحد، تخطف أنظار نجم يعاني من إدمان الخمور، بفضل موهبتها وشخصيتها المتفردة. سريعًا تبدأ علاقة تعاون فني وحب بينهما، تنتهي بصعودها إلى عالم النجومية، لكن إلى أي مدى يمكن أن تصمد علاقتهما بعد هذا التغيير؟

بالنظر لشهرة الأفلام السابقة، ومعرفة أغلب الجمهور – الأمريكي بالأخص – بها، يحتاج الفيلم الجديد إذًا إلى الإتقان أكثر من أي شيء، ليغفر له المتفرج مسار الأحداث المتوقع. المدهش أن برادلي كوبر نجح في هذا التحدي، رغم أن الفيلم أول تجاربه الاخراجية، ليقدم أفضل نسخة علي الإطلاق من القصة، وواحدًا من أفضل أفلام العام، وبالتأكيد أفضل أداء له حتى الآن كممثل.

إعلان A Star Is Born

نال كوبر شهرته بالأساس كممثل وسيم ممشوق القوام وخفيف الظل، ومناسب جدًا للأدوار الخفيفة. النجاح الساحق لثلاثية The Hangover بالأخص كاد أن يحبسه في هذا الإطار للأبد.

في الأعوام اللاحقة نجح في الهروب إلى مناطق وشخصيات أخرى أكثر تعقيدًا على المستوى الدرامي، أحيانًا بالحفاظ على الطابع الخفيف؛ وهو ما تحقق مثلًا في Silver Linings Playbook، الذي نال عنه أول ترشيحاته للأوسكار كأفضل ممثل، وأحيانًا بالهروب منه تمامًا؛ وهو ما تحقق في فيلم American Sniper الذي أخرجه كلينت استوود، ونال عنه كوبر آخر ترشيحاته.

العظماء السبعة: نجوم لا يجوز استبدالهم في هوليوود

هنا يواصل تقدمه كممثل بدور يحتاج إلى كل إمكانياته الشكلية والتمثيلية، ويضيف أيضًا تحديات جديدة لنفسه، مثل العزف والغناء. تدريباته الصوتية والموسيقية المتواصلة قبل التصوير أفادت الدور. يمكنك بسهولة أن تصدق أن من تراه وتسمعه هو مطرب محترف. حقيقة أنه قام أيضًا بالاخراج، والمشاركة في كتابة السيناريو، وتأليف بعض الأغاني، والتلحين، والإنتاج، تخبرنا بالكثير والكثير عن درجة تفانيه في هذا الفيلم.

رؤيته للشخصية الذكورية في القصة أكثر نضجًا عن كل النسخ السابقة، وإلى حد ما يمكن القول أنها المرة الأولى التي تنال فيها مساحة مساوية للبطلة، إن لم تكن أكبر. اضافة تفاصيل صغيرة عن ماضي البطل، تجعل دوافعه وتغيراته وقراراته مفهومة هنا أكثر.

جزء من أسباب الإتقان في صياغة الشخصيات، يعود غالبًا للسيناريست إريك روث، الذي شارك في الكتابة. روث كتب سابقًا أفلامًا مثل Forrest Gump – The Insider – Munich. الشيء الذي يجمع بين هذه الأفلام الناجحة وفيلمنا هنا، أن كلها متعلق بالتأثير المتبادل بين المسار الوظيفي لأبطالها، وحياتهم الأسرية والعاطفية ومشكلاتهم الشخصية.

التحديث الذي أضافته نسخة 1976، التي قام ببطولتها (باربرا سترايسند – كريس كريستوفرسن) عما سبقها، كان انتقال الأحداث لعالم الغناء والمطربين بدلًا من عالم الأفلام والممثلين. نسخة 2018 تدور أيضًا في عالم الغناء، لكنها توظف مستجدات مهمة من عالمنا المعاصر مثل الإنترنت واليوتيوب والسوشيال ميديا.

من اختبار حجم الإنترنت لأكبر تفجير في التاريخ

في قصة مولد نجمة نحتاج أيضًا لفنانة تجمع بين التمثيل والغناء. عندما تولى كلينت استوود مسؤولية التخطيط والإخراج لهذا الفيلم عام 2011، كان اختياره الأول المنطقي لدور البطولة هو بيونسيه، قبل إلغاء المشروع بسبب حملها في هذا الوقت. ويُشاع أن كوبر رشحهًا أيضًا عندما بدأ التحضير للفيلم عام 2014، دون أن تصل المفاوضات لنتيجة.

أيًا كانت التفاصيل الحقيقية بخصوص الترشيحات، يمكننا الآن أن نشكر كوبر وشركة وارنر على قرارهم الجريء باختيار ليدي جاجا لبطولة الفيلم؛ لأنها بالتأكيد، ورغم كونها اسما مثيرا للجدل، تظل الأنسب لشخصية يفترض أن حظها متوسط من حيث الفتنة الأنثوية.

الدور يستفيد مبدئيًا من صورتها الذهنية عند ملايين المتفرجين، كمطربة موهوبة غنائيًا، لكنها مخالفة شكلًا وسلوكًا للسائد بين بقية المطربات. يستفيد أيضًا بالتأكيد من قدراتها الغنائية أمام الكاميرات. حبكة الفيلم ببساطة لن تعمل إلا إذا أقتنعنا أن هذه الفتاة البسيطة يمكنها أن تتحول في لحظات لوحش غنائي يخطف كل الأنظار والأسماع، بمجرد أن تقف أمام المكروفون، وهو ما يتحقق في واحد من أفضل وأهم مشاهد الفيلم.

التوافق الكيميائي متواصل بينها وبين كوبر، وبعيدًا عن المشاهد الغنائية، أثبتت جدارة لم يتوقعها أكثر المتفائلين، في دور يستلزم كل القدرات والانفعالات تقريبًا؛ التلقائية، والكوميديا، والدلال الأنثوي، والتراجيديا، والحزن، والغضب، إلخ.

رامي مالك يعزف منفردًا في Bohemian Rhapsody

ربما ستحقق ليدي جاجا نجاحات تمثيلية أخرى مستقبلًا، لكن من الصعب أن تنال دورًا أنسب وأفضل من هذا لمسيرتها الفنية. الملايين ستخرج من الفيلم بانطباعات إيجابية جدًا عنها كشخص. الحائط بين شخصيتها في الفيلم وشخصيتها الحقيقية سيذوب بسرعة. هذا فيلم يمثل مولدها كممثلة بارعة، ويضاعف أيضًا شعبيتها كمطربة ناجحة. آخر مثال هوليوودي مشابه قد يكون دور المطرب ايمينيم في فيلم 8 Mile.

رغم أن قدرتها التمثيلية ستفاجيء الكثيرين من جمهور السينما، تجدر الاشارة أنها نالت سابقًا جائزة الكرة الذهبية كأفضل ممثلة تليفزيونية عن دورها في مسلسل American Horror Story. ستربح غالبًا جائزة أوسكار هذا الموسم عن عملها هنا. السؤال فقط: هل ستربحها عن أفضل أغنية، أم أفضل ممثلة، أم الاثنين معًا؟!

أغنية Shallow من فيلم A Star Is Born

بعيدًا عن دورها، لا ينسى كوبر كمخرج على أي حال، الاهتمام بباقي الشخصيات في اختياراته، وعلى رأسها شخصية شقيق البطل، التي يؤديها الممثل العجوز سام إليوت. إليوت لا يتمتع فقط بتاريخ فني غنائي معقول، ولكنة صوتية مميزة جدًا – كلاهما مطلوب لطبيعة دوره هنا – لكنه يخطف لنفسه مشهدين مؤثرين أو أكثر، قد يضعانه على خريطة الأوسكار كأفضل ممثل مساعد. أحيانًا يفعل هذا دون أن ينطق بحرف واحد.

دوره يذكرنا أن الفرص التمثيلية الحقيقية لا تحتاج بالضرورة لمساحة طويلة ومشاهد متعددة، بقدر ما تحتاج إلى شخصية مكتوبة بإتقان، ومساحة تداخل فعالة ومؤثرة في الأحداث. أداؤه واختياره للدور دليل على أن اختيار جاجا الموفق للبطولة، لم يكن ضربة حظ لكوبر، بقدر ما هو ذكاء فني لمخرج مهم نشهد ميلاده.

ذكاء كوبر كمخرج يتواصل في محطات أخرى. يمكنك أن تلاحظ مثلًا – ومنذ المشاهد الأولى- كيف أصبحت الكاميرا المحمولة أداة فعالة، تجعلنا نتقارب مع الأبطال، ونرى فيها الشهرة والحفلات الغنائية من نفس منظورهم، بدلًا من منظورنا كجمهور. هذه هي المرة الأولى تقريبًا التي يبدع فيها مدير التصوير ماثيو ليبيتيك بعيدًا عن المخرج دارين آرنوفسكي، رغم محاولاته المتكررة. هذا العام أنجز مثلًا فيلم Venom، وهو عمل متواضع جدًا على مستوى التصوير.

توم هاردي ينجو من سموم Venom

مصداقية الأماكن لا تنحصر في المسارح والحفلات، لكنها تتواصل طوال الوقت، مع مشاهد أخرى تدور في الشوارع والمنازل ومحلات السوبرماركت. هذا فيلم يحتفظ بنفس القصة الهوليوودية الرومانسية الحالمة للنسخ السابقة، لكنه يضيف إليها الكثير والكثير من المصداقية دون تعارض.

شريط الصوت أداة فعالة أيضًا، استخدمها كوبر دون إفراط، ليجعلنا أحيانًا نشارك أبطاله حماسهم بالوجود وسط الجمهور، وأحيانًا أخرى ليزعجنا بصخب هذا العالم المزيف، الذي تحول فيه النجوم لأداة تسويق ملابس وموضة وخلافه.

رغم كل مزايا الفيلم، يوجد كالعادة بعض العيوب، وعلى رأسها أن النصف الأول أسرع وأكثر حيوية. يمكنك أيضًا أن تلمح في مسار النصف الثاني، عجز أو تجاوز عن تفسير بعض تغيرات البطلة نفسيًا وسلوكيًا. لكن حتى مع هذه العيوب، يظل الفيلم إنجازًا يُحسب لأي مخرج صاحب خبرات، وبالتأكيد يُحسب هنا بشكل مضاعف، بالنظر لكونه أول تجربة لمخرجه.

س/ج في دقائق: لماذا حققت لعبة ريد ديد ريدمبشن 2 كل هذا النجاح؟

نسخة كوبر من A Star Is Born تذكرنا أن المشكلة قد لا تكون في تكرار هوليوود لنفس القصص، بقدر ما تكمن في تكرارها دون إتقان مميز أو لمسات منعشة. تذكرنا أيضًا أن السينما الغنائية في عصرنا الحاضر يمكنها أن تصبح أكثر تأثيرًا وجدية، خلافا للشكل الخفيف السائد حاليًا في أفلام مثل The Greatest Showman – Mamma Mia Here We Go Again.

في مشهد يخدم الأحداث دراميًا بشكل جيد، ويمثل أيضًا ربما شكوك من كوبر بخصوص مصير فيلمه، وإشكالية أنه إعادة لقصة يعرفها الملايين، يدور حوار بين الشخصيات مضمونه أن كل فنان لديه ما يود أن يقوله، لكن الأهم كيف سيقوله؟ وبأي درجة صدق؟ وإلى أي مدى سيتفاعل الجمهور معه؟

بالنظر للنجاح الجماهيري والنقدي للفيلم حاليًا، يمكنه الآن أن يستريح من شكوكه. لقد صنع عملًا يمكن أن يتفق ملايين على أنه أكثر صدقًا وأفضل فنيًا من النسخ السابقة.

بعيدًا عن الجودة الفنية للفيلم في أغلب العناصر، فقصة مولد نجمة تمثل دومًا رسالة حب من هوليوود إلى نفسها، ومن السهل على العاملين في الوسط الفني التجاوب معها باعتبارها قصة تظهرهم في أجمل حالاتهم إنسانيًا، وأكثرها إثارة للتعاطف، وهو ما سيفيد الفيلم بالتأكيد في موسم الجوائز والترشيحات.

7 دروس من شباك التذاكر في صيف 2018 – (جزء 1)

لا زلنا على مسافة بعيدة من ترشيحات الأوسكار، وقد يرى البعض ثقة مبالغ فيها في المقطع التالي، لكن من المنطقي بناءً على ما سبق أن أقول من الآن، أن الفيلم سينتزع على الأقل ترشيحات أوسكار لأفضل (فيلم – إخراج – سيناريو مقتبس – ممثل – ممثلة – أغنية)، وأنه من الوارد أن يضاعف هذا الرقم بفضل فروع أخرى مثل (الموسيقى التصويرية – ممثل مساعد – المزج الصوتي – المؤثرات الصوتية – التصوير – المونتاج – تصميم الإنتاج).

السؤال الحقيقي من الآن وحتى ليلة الأوسكار سيظل: كم عدد الجوائز التي سيربحها فعلًا؟ وهل سيحسم جائزة (أفضل فيلم) لمصلحته أم لا؟

باختصار:

برادلي كوبر ينجح في أولى تجاربه الاخراجية، في تحويل قصة حب محفوظة ومكررة، إلى فيلم شبه متكامل ومؤثر جدًا، ومنافس شرس على أغلب جوائز الأوسكار الرئيسية.

Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D9%85%D9%88%D9%84%D8%AF-%D9%86%D8%AC%D9%85%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AE%D8%B1%D8%AC-%D9%88%D8%A3%D9%88%D8%B3%D9%83%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A3%D9%8A%D8%B6%D9%8B%D8%A7-%D9%81%D9%8A-a-star-is-born">
Twitter