نوبل الطب | إجابة سؤال الأكسجين تفتح طريقًا هائلًا لعلاج أمراض مستعصية 

 في 1931، ذهبت نوبل إلى أوتو واربورغ لاكتشاف الأساس الإنزيمي للتنفس الخلوي. وفي 1938، حصل عليها كورنيل هيمانز لاستنتاجاته عن دور الجهاز العصبي في الاستجابة التنفسية للأكسجين. لكن الإجابات ظلت مفقودة حول آلية تعامل الجسم مع الأكسجين. ما المسار الذي يسلكه؟ كيف تشعر الخلايا بوجوده أو بنقصه؟ وكيف تتكيف مع ذلك؟

السؤال استمر حتى اكتشاف ويليام كيلين (معهد دانا فاربر للسرطان/ كلية هارفارد الطبية)، بيتر راتكليف (جامعة أكسفورد/ معهد فرانسيس كريك)، وجريج سيمينزا (كلية الطب بجامعة جونز هوبكنز)، الذي حصد نوبل الطب 2019.

في المناطق المرتفعة تنخفض نسبة الأكسجين. خلايا الجسم تستشعر ذلك وترسل الإشارة للكلى عبر هرمون الإريثروبويتين (EPO)، فيزيد نشاط خلايا كرات الدم الحمراء لتعمل بأعلى كفاءة لإيصال الأكسجين لجميع أجزاء الجسم.

لكن، كيف تستشعر الخلايا نقص الأكسجين؟ وكيف تتعامل؟ هنا يبدأ دور جورج سيمنزا.

 في 1992، اكتشف سيمنزا  – خلال عمله على شريط من الحمض النووي لفئران – أن معدلات الإريثروبويتين تزيد حين ينقص الأكسجين. واصل التجارب فوجد مفاجأة!

في حالات وفرة الأكسجين تفرز الكلى باستمرار عائلة بروتينات أطلق عليها سيمنزا اسم “عوامل محفزة لنقص الأكسجين Hypoxia-inducible factors – HIF”.

تزامنا، كان بيتر راتكيلف يدرس نفس الموضوع، التحق بسمينزا ليكمل العمل معًا، فتوصلا في 1995 لإضافة جديدة.

بعد استخلاص عينة الحمض نووي من الكبد تحمل تسلسل الإريثروبويتين وبروتين HIF الذي اكتشفه سمينزا، وجد راتكيلف أن HIF يكون فعالًا ويرتبط بشريط الحمض النووي كعامل محفز في حالات نقص الأكسجين فقط، لكنه يتعرض للتكسير في الحالات الطبيعية. كيف؟

تمتلك خلايانا جينًا يسمى VHL، مسؤول عن تكسير البروتينات التالفة أو غير الضرورية عبر الارتباط بها؛ للحفاظ على طبيعة وظائف الجسم.

حال وفرة الأكسجين، يتعامل VHL مع خلايا HIF بطريقة الأكسدة، ليخلص الجسم منها باستمرار. العملية لا تحدث حال نقص الأكسجين. لا تحدث أكسدة، فتبقى HIF، وترتبط بشريط الحمض النووي، وتحفز الخلايا على إنتاج الإريثروبويتين، وبالتالي يزداد نشاط خلايا كرات الدم الحمراء.

تحدث تلك العملية باستمرار في جميع الحيوانات.

محاربة السرطان.. والبقية تأتي

هنا انتهى دور سمينزا وراتكيلف، لكن عالمًا ثالثًا – ويليام كيلين – كان يعمل مع مصابين بمرض داء فون هيبل – لينداو “Von Hippel–Lindau”، وهو مرض وراثي نادر يسبب نمو أورام في جسم الإنسان.

وجد كيلين أن المصابين معرضون للسرطانات بنسب أعلى من المعتاد. هل لاحظت شيئًا من اسم المرض؟

نعم.. اختصار الأحرف الأولى هو VHL؛ نفسه الجين المسؤول عن الاتحاد بخلايا HIF وتكسيرها.

انضم كيلين للثنائي، وتوصلوا إلى أن جسد المرضى المصابين بالطفرة التي أدت لنقص جين VHL لا يستطيع تكسير بروتين HIF حتى في حالات الأكسجين الطبيعية، لتصبح أكثر استجابة للأورام، التي ترسل إشارات لتتغذى وتكبر، وبالتالي يزداد نشاط كرات الدم الحمراء.

هنا، توصل العلماء إلى أن حقن الأورام بأدوية مؤكسدة لبروتين HIF سيسهل التخلص منه، وبالتالي يقل نشاط كرات الدم الحمراء، وتتوقف إمدادات الدم لمكان الأورام.

معرفة تلك الآلية تتيح للباحثين قدرات هائلة على أمراض وسرطانات مختلفة، وتفتح المجال لتخليق أدوية تتعامل مع معدل HIF، فتقلله أو حتى تحفزه إذا لزم الأمر.

الآن، بات لدينا بالفعل أدوية تحمل مادة مثبطات Hydroxyproline تزيد من معدل HIF لعلاج حالات فقر الدم والفشل الكلوي والأنيميا، وما زال الطريق مفتوحًا لفهم أكبر لحالات السكتة الدماغية التي يتوقف فيها الجسم عن إمداد الدم للمخ.


   نوبل الفيزياء | نظرة مختلفة للكون.. و4 آلاف كوكب 

تخيل معي الكون فنجانًا من القهوة. لا تحبها سوداء. أضفت لها بعض الكريمر، ثم القليل من السكر. هذا هو كوننا! القهوة السوداء هي الطاقة المظلمة، والكريمر هو المادة المظلمة. معًا يشكلان حوالي 95% من الكون، أما نحن البشر والكواكب والنجوم فنمثل السكر الذي لا يتخطى 5% من الكون.. هكذا بدأ عضو الاكاديمية الوطنية السويدية تقديم جائزة نوبل للفيزياء 2019.

منح الجائزة لثلاثة علماء معتاد، لكن المختلف هذه المرة تقسيمها لموضوعين مختلفين. نصفها الأول حصده الفيزيائي الفلكي بجامعة بريستون، جيمس بيبلز؛ لاكتشافاته النظرية في علم الكون الفيزيائي، والآخر مناصفة بين السويسريين ميشيل مايور وديدييه كيلوز؛ لاكتشافهما كوكبا خارج المجموعة الشمسية يدور حول نجم من النوع الشمسي.

نظرة جديدة للكون

في ستينيات القرن الماضي، لم تكن نظرية الانفجار العظيم تحظى بالدعم الكافي رغم قوة حجتها. علماء “مجموعة ديكي” عملوا على تنبؤات نظرية مبنية على اعتقاد: طالما الكون يتوسع باستمرار، فإنه كان أصغر حجمًا وأكثر سخونة في الماضي، وربما يكون الإشعاع الحراري لتلك الحقبة ما زال موجودًا.

في 1965، أثبت أرنو بنزياس وروبرت ويلسون التصور حين اكتشفوا لأول مرة إشعاع الخلفية الكونية الميكروي؛ وهو أشعة كهرومغناطيسية تنتشر في جميع أركان الكون بنفس الشدة والتوزيع وتعادل درجة حرارة 2.725 درجة كلفن، ليحصلا على نوبل الفيزياء في 1978.. تلك الأوراق مثلت بداية علم الفلك الرصدي.

إشعاع الخلفية الميكروني منحنا خريطة تمكننا من توقع وجود مجرات وكواكب ومواد بعينها. الفضل الأكبر كان لدور جيمس بيبلز وخصوصًا كتابه علم الكونيات الفيزيائي (1971) الذي ألهم جيلًا بأكمله لفهم الكون، ووضع حجر أساس لفهم تطوره، وكيف تكونت المجرات ولماذا؟ وماذا حدث أثناء الانفجار العظيم؟ وما بعده؟ بيبلز وضع نموذجًا رياضيًا يشرح كل تلك الأمور باستفاضة.

من خلال دراسة الإشعاع الكوني، استطاع بيبلز وضع علم الكونيات على أساس أكثر صلابة ورياضية.

اقترح بيبلز أن هناك مناطق تتكتل فيها المادة معًا مكونة المجرات والكواكب. تلك المناطق تكون بها تقلبات باهتة لدرجة الحرارة تشبه الأمواج الصوتية الصادرة من آلة موسيقية، ويكون لها طول موجي معين ويمكن توقع شكلها.

فى أوائل الثمانينيات، اقترح بيبلز أن الكون ممتلئ بـ “المادة المظلمة الباردة” غير المرئية – وهي جزيئات لم تتفاعل مع المادة العادية، لكنها تؤثر على الكون وتشكل جاذبيتها المجرات من حولها. ثم أضاف إلى نموذجه مصطلحًا اقترحه ألبرت أينشتاين لكنه لم يثبت صحته وهو “الثابت الكوني”؛ ليثبت “معادلة الحالة” وهي  نسبة الضغط على الكون (بفعل الطاقة المظلمة) التي تجعل الكون متماسكًا.

 اقتراحات بيبلز ظلت نظرية لـ 14 عامًا، حتى أثبت ساول بيرلماتر وبريان شميدت وآدم ريس في 1998 أن الكون يتسارع ويتمدد بفعل الطاقة المظلمة التي تدفعه،  فيحصل الثلاثة على نوبل 2011.

 إسهامات بيبلز لا تعد. كان لأبحاثه فضل مباشر في جائزتي نوبل، وحصل هو بنفسه على الثالثة.

 بيجاس.. و4 آلاف كوكب

هنا يأتى النصف الآخر من الجائزة، اتفقنا سابقًا أن الكون يتمدد، وأن هناك ملايين المجرات والكواكب غيرنا. هل هناك حياة على أحد تلك الكواكب؟ حتى الآن لا نعلم، لكننا على يقين أننا لا نملك الشمس الوحيدة التى تدور حولها كواكب بفضل  ميشيل مايور وديدييه كيلوز الذى بفضلهم اكتشفنا الكوكب Pegasi 51 عام 1995، وهو كوكب خارج المجموعة الشمسية لكنه يدور حول شمس على بعد 50 سنة ضوئية.
بحث ميشيل مايور وديديية كيلوز عن آلية لرصد كوكب يدور فى مجموعة شمسية. اقترح كيلوز أن دوران كوكب حول نجم سيخضعه لتأثير جاذبيته، كما سيظهر ضوء متبادل بين الكوكب والنجم.

باتباع آثار الضوء المتبادل، تمكن ديديه كلوز من اكتشاف الكوكب بيجاس، وهو بحجم كوكب المشتري. تأكد مايور من رصد كيلوز وأعلنا كشفهما عام 1995.

قدم كيلوز ومايلور ما يعرف بـ ” طريقة السرعة الشعاعية” وهي طريقة تشير إلى تأثير حركة الجسم على الشعاع الصادر منه. وبالإمكان قياس السرعة الشعاعية بدقة بالتقاط صورة طيفية ذات دقة عالية ثم تحليل الصورة وقياس طول موجة الجسم. فإذا كانت الموجة قصيرة فهذا يعني أن الجسم يقترب أما إن كانت طويلة فهذا يعني أن الجسم يبتعد. وبالمراقبة المستمرة اتضح أن الجسم يقترب ويبتعد بمدار ثابت حول جسم آخر، هذا يعني أن الجسمين يقعان تحت تأثير دوبلر، وهو تأثير يظهر في النجوم الثنائية التى تتحرك فى مدار، هذا يعنى أن هناك احتمالا كبيرا أن يكون الجسمان ضمن مجموعة شمسية.

تلك الطريقة مكنتنا من اكتشاف حوالي 4,000 كوكب يقع فى مدار شمسي ويحتمل وجود حياة عليهم. ومازالت تستخدم تلك الطريقة حتى الآن.


   نوبل الكيمياء.. أزمة نفط أنتجت بطاريات الليثيوم أيون 

احتمال كبير جدًا أنك تقرأ الآن من جهاز يحمل بطارية ليثيوم آيون وبداخلها جسيمات أيونات موجبة وإلكترونات سالبة تتبادل الحركات فيما بينها أثناء تفاعل كيميائي بسيط ينتج لنا كهرباء آمنة وشبه مستدامة. كل هذا يحدث الآن داخل بطارية هاتفك.. تخيل؟!

جائزة نوبل الكيمياء ذهبت إلى الأمريكي جون جوديناف والبريطاني ستانلي ويتينجهام والياباني أكيرا يوشينو لأنهم اخترعوا وطوروا تلك البطارية.

القصة بدأت مع ستانلي ويتينجهام، الذى كان يعمل فى سبعينيات القرن الماضي مهندسًا في إكسون موبيل.

أثناء أزمة النفط، ضخت الشركة أموالًا طائلة لتطوير بطاريات قابلة لإعادة الشحن لمواجهة احتمال نقص النفط مستقبلًا، لكن النماذج كانت ضخمة، وغير آمنة، ومكلفة للغاية.

ويتنجهام قرر تجربة عنصر الليثيوم، وهو عنصر كيميائي نشط، خفيف الوزن، بما يجعله حلًا مناسبًا جدًا لاستخدامه كمحلول فى تفاعل كيميائي داخل بطارية، لكنه مع ذلك خطر وغير آمن وقابل للاشتعال بسهولة.

 طور ويتنجهام نموذج البطارية، لكن فشل في التغلب على العيوب.. انتهت أزمة النفط، وأوقفت إكسون موبيل تمويل الأبحاث.

بعدها بسنوات قليلة، قرر جون جود-إيناف استكمال المسيرة والبدء حيث انتهى ويتنجهام، فاستبدل كاثود البطارية (الموجب) أو تغطية الليثيوم فى تلك الجهة بمادة ” أكسيد الكوبالت” التي ضاعفت إنتاج بطارية الليثيوم حينها من 2 إلى 4 فولت، لكن مشكلة القطب السالب ( الأنود)  استمرت.. ما زال قابلًا للاشتعال ولا يمكن تغطيته بنفس أكسيد القطب الموجب.

هنا ظهر دور الياباني  أكيرا يوشينو عام 1985، ليعيد تصميم “الأنود” عن طريقة تغطيته بالكربون، مما جعل البطارية آمنة للغاية، وقلل من خطورة نشاط الليثيوم الزائد، ليطُرح أول نموذج تجاري لبطارية الليثيوم أيون في 1991.

تطور الأمر ليصبح لدينا بطارية آمنة يمكننا شحنها مئات المرات قبل أن تتدهور حالتها باتت تستخدم في السيارات الكهربائية بنسبة انبعاثات كربونية منعدمة.

 حجم سوق بطاريات الليثيوم أيون للسيارات الكهربائية تخطى 9 مليارات دولار في 2019 وحدها، يتوقع أن يتجاوز الـ 10 مليارات العام المقبل.

محاولات عديدة جرت لإيجاد عناصر كيميائية آخرى تمكننا من تصنيع بطاريات أفضل، لكن بطاريات الليثيوم آيون تتربع بعيدًا عن أي منافسة، كونها تعتبر المستقبل لعالم خال من انبعاثات الكربون.


نوبل للكيمياء 2018: مبادئ التطور لم تسقط في الغرب! باقية وتتمدد

Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:
اشترك في قناتنا على يوتيوب
شاهد أيضا
المعرفة في دقائق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D9%86%D9%88%D8%A8%D9%84-2019">
Twitter