في فترة حكم مبارك، خطط تنظيم الإخوان للتغلغل في مفاصل الدولة، عبر كيانات موازية غير قانونية، تجمع أعضاء ومحبي الجماعة والمتعاطفين معها، وتستقطب الغاضبين من كوادر النظام.

ارتدت الكيانات الموزاية ثوبي المعارضة والاستقلالية، لكن استراتيجية الجماعة كانت مبنية على خلق بدائل جاهزة للانقضاض على السلطة حال ظهور فرصة للتغيير، وهو ما ظهر جليًا في المرحلة الانتقالية بعد تنحي مبارك.

خطط التمكين الإخواني

في حالة الأزهر، كان تنظيم الإخوان الموازي يدعى “جبهة علماء الأزهر”، وكانت الخطة تسعى للعودة بالمؤسسة لمرحلة ما قبل جمال عبد الناصر، تتغول في شؤون الدولة بعد ضم الأوقاف إليها، مع الاحتفاظ بمزايا الحقبة الناصرية، التي وسعتها من مجرد جامعة دينية إلى كيان علمي، يحصد جزءًا من ميزانية الدولة.

ظهر الاتجاه بوضوح عند كتابة دستور 2012، بعدما تحولت المطالبة باستقلال الازهر وتحصين شيخه إلى مطلب شعبي، وهو ما توافق عليه الإخوان والمؤسسات رغم خلافاتهما، ليمر الدستور بتحصين منصب شيخ الأزهر، والنص على استقلالية المؤسسة، ثم إعادة هئية كبار العلماء التي حلها عبد الناصر عبر تعديل قانوني.

اتفق الطرفان على العناوين الرئيسية، لكن النوايا كانت مختلفة؛ فالجماعة كانت تحصن المنصب تمهيدًا للسيطرة عليه عبر تمكين كوادرها من المؤسسة، وصولًا لتنصيب إمام أكبر جديد خلفًا للطيب، الذي لم تكن الجماعة تثق به كونه “رجل مبارك” في نظرهم، رغم حرصه على خطب ودهم، واستقباله لمرشدهم.

الخطط خرجت من إطار النوايا لحيز التنفيذ في أولى وآخر محاولات الإخوان للإطاحة بالطيب، عبر تحريك مظاهرات طلابية ضده في أحداث تسمم طلاب بالمدينة الجامعية لجامعة الأزهر، والتي استهدفت إجباره على الاستقالة، وكان مفتي الإخوان عبر الرحمن البر أحد البدائل المطروحة.

سقطوا وبقي التحصين

انكشفت نوايا الإخوان من تحريك المظاهرات؛ لتزامنها مع تصاعد موجات الأخونة التي مارستها الجماعة في مؤسسات الدولة، فحظي شيخ الأزهر بدعم التيارات المدنية والإعلام، لتضطر الجماعة للتهدئة وتأجيل التنفيذ.

لم يلبث الإخوان أن أزيحوا من السلطة بعد 30 يونيو، ليضيع معهم مشروع التمكين، ويبقى الأزهر مستقلًا، ومنصب شيخه محصنًا.

أعيد كتابة الدستور في 2013، لكن الدكتور أحمد الطيب كان شريكًا في مشهد 3 يوليو، وبالتالي كان الأزهر ممثلًا في لجنة الخمسين، لتبقى المواد الدستورية المتعلقة به دون مساس.

النموذج البورقيبي

في عام 2014، وقبيل الانتخابات الرئاسية، قال المرشح الرئاسي عبد الفتاح السيسي إنه لن يسمح بوجود قيادة دينية موازية، وإن رئيس الدولة مسؤول عن دين الدولة.

سياق الحوار كان يدور عن شرعية تنظيم الإخوان، لكنه أثار جدلًا بعدما اعتبره بعضهم إعادة إنتاج لفكرة الدولة الدينية. في لقاء آخر في نفس الفترة، قال السيسي إن “الدولة لا يعنيها مين يصلي ومين ما بيصليش، ومين صالح ومين فاسد”، في سياق تعريفه لمفهوم المواطنة، ليضيف أن الله خير الناس بين الإيمان أو عدم الإيمان به.

يمكننا إذن استنتاج أن السيسي يريد دولة على النموذج البورقيبي، والذي تشرف فيه الدولة على الدين ولا تسمح بسلطات دينية خارجة عن سيطرتها، بخلاف العالمانية الفرنسية اللائكية التي تتنحى فيه الدولة عن الشأن الديني ولا تتدخل فيه، وتسمح بوجود قيادات دينية مستقلة غير خاضعة للدولة، على ألا تتدخل هذه القيادات في الشأن السياسي.

قد يبدو النموذج الذي تطرحه الدولة المصرية ضد جوهر العالمانية في ظاهره، لكنه قد يشكل مرحلة وسيطة ملائمة لطبيعة الإسلام في نستختيه الشعبية والرسمية في الشرق، والتي لا تقبل بمبادئ العالمانية. الحل إذن قد يكون خلق نسخة معلمنة من الإسلام، تقبل بمفهوم الدولة الحديثة، وتكون مقبولة للعامة.

ما يدعم هذا الاستنتاج تصريحات لاحقة للسيسي تمسك فيها بضرورة تجديد الخطاب الديني، وتجاوز بعض التفسيرات القديمة التي لم تعد صالحة للتطبيق في الحاضر.

فهل مر الأمر بسلام؟

المتشنج المحصن

الأزهر، المؤمن بالتحصين والاستقلالية، قاد معارضة مكتومة أولًا ثم انفجرت لاحقًا، ظهرت ذروتها في أزمة الطلاق الشفوي، عندما طالب السيسى بإلغائه، فرد الأزهر ببيان افتقد للدبلوماسية ورآه البعض متجاوزًا، لم يكتف برفض الأمر، بل طالب السيسي – دون تسميته – بالبعد عن مسائل الدين، والتركيز في شئون الحكم، وحل مشكلات المواطنين.

واصل الأزهر بياناته المتشنجة ضد القرآنيين في الخطاب الأخير لشيخه أحمد الطيب في ذكرى المولد النبوي، عند إثارة مسألة المواريث في تونس.

الخلافات تبدو مشابهة لمعركة الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة مع مفتى تونس عبد العزيز جعيط في مسألة إفطار العمال في رمضان، لكن الأزهر في مصر مستند على نقاط قوة؛ فمنصب شيخه محصن وخارج سلطة رئيس الدولة.. الأزمة هنا دستورية بالأساس.

غياب العراب

في مناسبة سابقة، أبدى السيسي عدم رضاه عن الدستور الحالي، الذي قال إنه كتب بنوايا حسنة، ومؤخرًا ظهرت مطالبات بتعديل الدستور، مع تكهنات عن طبيعة التعديل.

في وسط هذه الأحداث، التي تزامنت مع تصاعد الخلاف بين الرئاسة والأزهر، قدم مستشار شيخ الأزهر محمد عبد السلام اعتذاره عن الاستمرار في المنصب بشكل مفاجئ.

محمد عبد السلام هو العراب القانوني لشيخ الأزهر، وممثله في لجنتي صياغة دستوري 2012 و2013، والذي ساهم بشكل كبير في صياغة القوانين واللوائح الداخلية لتكريس استقلال المؤسسة خارج سيطرة الدولة.

الاعتذار يتزامن مع شبهات المحسوبية وتوسع النفوذ التي حامت حول محمد عبد السلام، ولم يرد عليها، واقتراب موعد إصدار قانون منع انتداب القضاة لهيئات غير قضائية، وهو ما يعني أن إبعاد عبد السلام عن الأزهر كان حتميا.

ربما يكون التوقيت مصادفة، لكنه ينتزع من الأزهر عرابه التشريعي قبل تعديل دستوري مرتقب، ربما يطول وضع المؤسسة المحصن.

محمد عبد السلام.. يد الطيب “المستقال” من الأزهر | الحكاية في دقائق

الحكاية في دقائق: أين يقف الطيب في المسافة بين السيسي والجماعات الدينية

شيخ الأزهر في خطاب المولد النبوي.. إحياء الخطاب السياسي لأنصار الخلافة الإسلامية

معرض صور| كيف تحدث رجال الدين عن التحرش قبل بيان الأزهر؟

Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:
اشترك في قناتنا على يوتيوب
شاهد أيضا
المعرفة في دقائق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D9%87%D9%84-%D9%81%D9%82%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%87%D8%B1-%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D8%A8%D9%87-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%83%D8%A9-%D8%A7">
Twitter