لا يحتفل غالبية المسلمين بذكرى “وفاة” النبي محمد لتزامنها مع تاريخ ميلاده في 12 ربيع الأول، حيث يطغى الاحتفال بمولده وفق التاريخ المعتمد لدى المؤرخين، وعليه عمل غالبية المسلمين السنة. أما عند الشيعة فتاريخ الميلاد مختلف عن تاريخ الوفاة.

بداية، لا تحمل الروايات المباشرة المنسوبة للصحابة تعيينًا دقيقًا لتاريخ وفاة النبي محمد. كل ما ورد أنه توفي يوم اثنين في شهر ربيع الأول. ليلجأ المؤرخون لأقوال مشاهير الرواة، والتي تراوحت أهمها على ثلاثة أقوال؛ واحد عند السنة، واثنين عند الشيعة.

ألغاز تراثية.. كيف أثرت الثقافات المختلفة على تحديد تاريخ ميلاد الرسول

   دلالات الاختيار السني 

قول الجمهور المعتمد عند أهل السنة يذهب بتاريخ وفاة النبي محمد إلى 12  ربيع أول. وهو قول أقدم المؤرخين ابن إسحاق والواقدي والزهري وغيرهم.

التاريخ وفق التقويم العبري يوافق 13 سيوان (الشهر التاسع) سنة 4392.

شهر سيوان يحمل أهمية بالغة لدى اليهود؛ فهو شهر نزول التوراة، وصعود موسى للجبل ليكلم الله ويتلقى الألواح.

تذكر التوراة أن تلقي الشعب اليهودي الوصايا العشر في السادس من سيوان. بعدها صعد موسى الجبل ليتلقى باقي التوراة.

وبحسب سفر الخروج، بقي موسى ستة أيام فوق الجبل تغطيه الغمامة حيث يتطهر. وفي اليوم السابع – 13 سيوان، التقى موسى الإله.

فصعد موسى إلى الجبل. فغطى السحاب الجبل. وحل مجد الرب على جبل سيناء وغطاه السحاب ستة أيام. وفي اليوم السابع دعي موسى من وسط السحاب. وكان منظر مجد الرب كنار آكلة على رأس الجبل أمام عيون بني إسرائيل. ودخل موسى في وسط السحاب وصعد إلى الجبل. وكان موسى في الجبل أربعين نهارًا وأربعين ليلة

خروج إصحاح 24 – عدد 15:18

المصادر اليهودية الموازية تذكر أن موسى صعد في اليوم السابع ليس لقمة الجبل، لكن إلى السماء السابعة، فيما يشبه قصة المعراج، حيث لقي في كل سماء ملكًا.

نفس المصادر تذكر أن اليهود لما تأخر عليهم موسى، وتمثل لهم الشيطان في صورة جثمانه في السموات ظنوا أنه مات، فعبدوا العجل الذهبي.

وفي سيرة ابن هشام:

عن أبي هريرة، قال: لما توفي رسول الله قام عمر بن الخطاب، فقال: إن رجالًا من المنافقين يزعمون أن رسول الله قد توفي، وإن رسول الله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، ووالله ليرجعن رسول الله كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله مات.

هل لاحظت مفارقة؟!

المفارقة هنا في تزامن التاريخ العبري لوفاة الرسول مع تاريخ صعود موسى للقاء ربه وتلقي الألواح، وتشبيه عمر بالحادثتين، ونفس التبرير المذكور في المصادر اليهودية الموازية من اعتقاد بني إسرائيل بوفاة موسى بعد تأخره.

ألغاز تراثية (3): بين معراج النبي محمد و معراج النبي موسي.. لغز ليلة 27 رجب | هاني عمارة

   دلالات الاختيار الشيعي المبكر 

متقدمو الشيعة كالكلبي وأبي مخنف واليعقوبي ذهبوا إلى أن النبي محمد توفي في 2 ربيع الأول، وهو قول مال إليه بعض المتأخرين من محققي السنة مثل السهيلي.

التاريخ يوافق حسابيًا يوم الخميس 3 سيوان 4392 عبري، و28 مايو 632 ميلادية “لاحظ”. الخميس هو يوم صعود المسيح حسب التدوين المسيحي.

وبحسب الطريقة المسيحية لحساب عيدي القيامة والصعود، لا يكتفي باليوم المباشر حسب التقويم العبري. لا بد أن يوافق نفس اليوم الأسبوعي؛ القيامة يجب أن يوافق يوم أحد، وعليه يجري اختيار أقرب أحد للفصح، والصعود يوافق يوم خميس، يجري اختيار أقرب خميس بعد أربعين يومًا من القيامة. هذا ينطبق في حالتنا على تاريخ 2 ربيع أول، وما يعادله من التقويم العبري.

مفارقة أخرى؟!

هل تأثر النبي بالمسيحية النسطورية؟

   دلالات الاختيار الشيعي المتأخر 

الشيعية الإمامية تنفرد بتحديد يوم 28 صفر تاريخًا لوفاة النبي محمد. التاريخ ليس مدعومًا بأي من الروايات، ولا يوجد ما يدعمه من الروايات ومخالف لأقوال متقدميهم الكليني والنوبختي والطبري الشيعي.

 القول بوفاة النبي محمد في 28 صفر بدأ عند الشيخ المفيد، وهو من أعيان الشيعة في القرن الرابع، تبعه الطوسي في القرن الخامس. وعليه سار جمهور الإمامية لاحقًا حتى صار التاريخ المعتمد.

ذكرنا سابقًا أن تاريخ ميلاد النبي محمد عند الشيعة في 17 ربيع الأول محاكاة لقيامة المسيح. لنمد الخط هنا على استقامته، ليكون تاريخ الوفاة محاكاة لصعود المسيح (40 يومًا بعد القيامة بحسب الأدبيات المسيحية كما ذكرنا). وعليه يكون تاريخ الوفاة 27 أو 28 صفر بحسب كون محرم 29 أو 30 يومًا، وربما اختاروا يوم 28 لموافقته يوم الاثنين حسابيًا.

مفارقة ثالثة؟!!

القدس والمسجد الأقصى بين التدوين الشيعي والدعاية السياسية | هاني عمارة

   الموسوية السنية والمسيحانية الشيعية 

دلالات التاريخين المعتمدين عند الشيعة والسنة تعكس نظرة كل طائفة لمقام النبوة وصورة النبي محمد.

النبي محمد في التصور السني أقرب لشخصية النبي موسى؛ جاءا بشريعة بقيت حتى بعد انقطاع الوحي وتحول الحكم إلى سلطة دنيوية وملك عضوض.

أما عند الشيعة، فالتصور المسيحاني حاضر من ناحيتين:

استمرار الوحي: المسيحانية فكرة حاضرة تعبر عن استمرار الاتصال الإلهي وتحكمه. النبوة انقضت في الإسلام بوفاة النبي محمد. لكن الشيعة تحايلوا على ذلك باستدعاء الإمامة وإسباغ صفات النبوة عليهت، بحيث لا تكاد تجد لديهم فرقًا جوهريًا  بين النبي والإمام المعصوم.

فكرة الرجعة والخلاص المنتظر: يمثلها شخص المسيح؛ فصعوده – المعادل لوفاة النبي – يبشر بمجيء آخر في آخر الزمان لخلاص البشرية. عقيدة عودة المسيح وفق رؤيا يوحنا تعبر عنها المهدوية الشيعية بعقيدة الرجعة، والتي تطورت من رجعة علي في القرن الثاني الهجري إلى اختفاء الإمام المنتظر حيًا وعودته في آخر الزمان.


ألغاز تراثية (2): أثر الصراع العباسي العلوي في صياغة فقه المواريث

عاشوراء السني.. ولغز انتصار موسى على فرعون

ابن لهيعة.. مفصل الخلاف في صحة “خير أجناد الأرض” | هاني عمارة | دقائق.نت


Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:
اشترك في قناتنا على يوتيوب
شاهد أيضا
المعرفة في دقائق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D9%88%D9%81%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A8%D9%8A-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF">
Twitter