هل ظاهرة أفلام السلاسل في السينما المصرية انعكاس لمثيلتها في هوليوود؟

الإجابة الكسولة ستكون نعم. هي مجرد اجترار لنجاحات الماضي، في استراتيجية تجارية بحتة كالتي تتبعها ديزني حاليًا؛ إفلاسًا في النصوص الأصلية وطمعًا في نجاح سهل مضمون.

لكن من يدقق في التجارب المصرية كل منها على حدة، يجد لها ظروفًا خاصة. شريف عرفة مثلًا يقدم الكنز 2 لأن الكنز 1 لم يكتمل! وهو من أقبح أسباب السلاسل، كونه سبب تقني ناتج عن مشكلة في الجزء الأول، وأسلوب تتابع مغلوط ينتمي لعالم التلفزيون لا السينما.

على عكس الفيل الأزرق 2 وقد صُنع – بجانب السبب التجاري – لسبب فني؛ فهو يحتوي على الخلطة الفانتازية التي تستفز موهبة مروان حامد إخراجيًا ويجد فيها صوته. حاول أن يفرض بعض لمحاتها في فيلميه السابقين رغم اختلاف المواضيع والعوالم، وكانت النجاحات أقل نسبيًا، فقرر تقريب المسافات والعودة للأصل نفسه مع التطوير.


في الفيل الأزرق 2 .. مروان حامد لا ينافس إلا نفسه! | أمجد جمال

كازابلانكا.. كيف ابتز بيتر ميمي جمهوره بـ “عركة” لا تبدأ ولا تنتهي؟! | أمجد جمال


   12 عامًا بعد تيتو 

لا يبتعد ولاد رزق 2 كثيرًا عن حالة سابقه، لكنه عاد ربما ليكمل ما هو أبعد من جزئه الأول بـ 12 عامًا، وتحديدًا فيلم تيتو، وقد أصبح من السهل تحديد كثير من التقاطعات بين عالم ولاد رزق بجزئيه وعالم تيتو لنفس المخرج؛ طفل الشوارع المجرم لكن بإضافة الإخوة، الصراع النفسي بين التوبة وإغواء الاستمرار أو فرضه، تركيبة المجرم النبيل أو كما يصفه أحد شخصيات ولاد رزق 2: يضرب ومايعورش، يسرق بس ما ينهبش” وهو الصورة الأخرى لمجرم “عمل كل حاجة غلط إلا إنه يخون واحد صاحبه”.

وفي ولاد رزق 2 تتضح خيوط التطابق الأخيرة بتعاون المجرم مع الضابط الفاسد في إمداد المعلومات ووضع خطط النصب على المجرمين الكبار، فالضابط رؤوف (محمد ممدوح) في ولاد رزق 2 ليس إلا العميد رفعت (خالد صالح) في تيتو.

ورغم اختلاف كُتاب العملين، إلا أن أفلامًا لمخرج بقامة طارق العريان لا تبدأ أو تتطور عادة من رأس الكاتب وحده. ولعل سببًا لعودة العريان لهذا العالم هو تراجعه عن المنحى الميلودرامي الذي سار عليه تيتو ورغبة فنية لإصلاحه ليناسب ما تطورت عليه شخصية العريان نفسه: مزيد من الخفة والسينيكية والتمرد لحكي القصة بأسلوب غير خطي، يستهدف الذهن أكثر من العاطفة، ويبدّي خفة الظل والتسلية على الرسالة والعظة.

من أين جاءت تلك النزعة؟

أولًا: أخذ العبرة من الجدية المفرطة المسؤولة عن فشل تجربة أسوار القمر واستنزافها سنوات طويلة من كارير طارق العريان بلا طائل.

ثانيًا: زيادة ثقة المخرج في إمكانياته ورؤيته التي لم تعد مجرد تقليد للأسلوب الهوليوودي بل جزء منه يحدث في النصف الآخر من الكوكب، وقد دلل على ذلك في فيلم الخلية.

ثالثًا: استلهام سبب نجاح الجزء الأول بأداة التلاعب “Plot Twist” أو مفاجأة المتفرج في نهاية الأحداث، وهي أداة مضمونة النجاح مع المتفرج المصري.

إذًا، فأسباب العودة ليست تجارية بحتة، بل يشوبها عامل شخصي وفني. فكل ما لدى صانع الفيلم لم يكن قد قيل.


سينما المؤلف والمخرج.. الفن يتسع للجميع

فن كتابة السيناريو.. 5 نصائح من كاتب THE SOCIAL NETWORK آرون سوركين | أمجد جمال


   ضربة البداية 

الفقرة بها حرق للأحداث.. اضغط للقراءة

ينتهي الجزء الأول بنقاش بين ولاد رزق عن التوبة مقابل الاستمرار، وينحاز جميعهم في النهاية لخيار الاستمرار في عمليات الإجرام، ولو على سبيل الدعابة.

الجزء الثاني يخالف هذا الانطباع، فيبدأ برصد حياة الأخوة الأربعة بعد توبتهم عن الإجرام فعلًا، ومحاولتهم عيش الحياة الشريفة. لكن تردي ظروفهم الاقتصادية (السبب المتكرر) يدفعهم للعودة للعمل غير المشروع تحت إمرة الضابط “رؤوف”، الذي أنهى خدمته في الداخلية، وأصبح يعمل لحسابه، مستغلًا نفوذه ومعارفه السابقة في التربح من عمليات إجرامية، مستعينًا بعدو الأمس.. ولاد رزق.


   عيوب ولاد رزق 

أحد عيوب الجزء الأول كان الخيال فوق الخيال. تُحكي القصة من وجهة نظر مشكوك في حقيقة ما تقوله، ويصعب التفريق بين ما يقال لخداع إحدى الشخصيات، وبقية الحقائق التي تمدنا بمعلوماتنا الأساسية عن أبطال القصة.

كان ذلك عيبًا جوهريًا، لكنه ليس الوحيد؛ فمثلا البلوت تويست اعتمد على سلسلة مصادفات يصعب منطقيًا تحققها بالتوالي لتنجح خطة الإيقاع برؤوف. أبسط الصدف أن الضابط الذي تحفظ على المخدرات في كمين طريق سريع هو نفسه المسؤول في قسم عين الصيرة محل إقامة ولاد رزق، وهو نفسه من خرج في حملة ضبط وإحضار لهم استجابة لمحضر ضرب، وكأن  وزارة الداخلية بأفرعها كلفت رجلًا واحدًا بكل شؤون ولاد رزق مهما تنوعت طبيعة وأماكن جرائمهم! مبالغة كفيلة بضرب الحبكة في الصميم.

الفقرة بها حرق للأحداث.. اضغط للقراءة

في الجزء الثاني، يتلافى السيناريست صلاح الجهيني بعض عيوب الجزء الأول، وعلى رأسها مغالطة الخيال فوق الخيال.

شخصية عاطف (أحمد داوود) تحكي ما تعرفه بالفعل. لا تتلاعب بشخصية كمال (خالد الصاوي)، بل تخبره الحقيقة وفق وجهة نظرها التي يعيد الفيلم تقييمها لاحقًا، ما يجعلنا أمام قصة بالمعنى الفعلي لا سلسلة معلومات ممزوجة بخيالات الراوي دون نقطة للفصل.


أفلام الويسترن على الطريقة المصرية .. من شمس الزناتي لـ”حرب كرموز”

هل كانت مصر فعلًا ثاني دول العالم معرفة بالسينما؟ | أمجد جمال


   التمهيد للجزء التالي 

الفيلم ينتهي بمشهد ما بعد التترات (Post Credit Scene) على طريقة أفلام “مارفل”، بحيث يكون التنويه ببذرة صراع جديد في الأجزاء المرتقبة، وبذلك فصناع الفيلم قد أسسوا لجزء ثالث من ولاد رزق.

لم يكن ذلك المشهد هو الدليل الوحيد على تحول ولاد رزق إلى فرانشايز سينمائي جديد، بل يظهر ذلك أيضًا بمنظومة الحكي في الجزء الثاني، والتي بالغت في الكشف عن فورميولا القصة وتطورها، بحيث جاءت متطابقة مع الجزء الأول في توزيع التحولات ونقاط الحبكة الأساسية حتى ولو اختلفت التفاصيل.

هذا التطابق بقدر ما يعطي هوية مميزة لأفلام ولاد رزق، ويعمل بمثابة المرجع الأسلوبي لأي كاتب قد يتولى المهمة لاحقًا عوضًا عن الجهيني، لكنه قد يعمل بصورة سلبية تحجب جزءًا من انفعال المتلقي وتقلل الشعور بالمفاجأة في فيلم يعتمد أساسًا على عنصر المفاجأة. كيف؟

الفقرة بها حرق للأحداث.. اضغط للقراءة

لنتناول الثلث الأخير مثلًا. في الجزأين يقرر رضا الإقلاع عن العمل المشبوه والتوبة محاولًا فرضها على الجميع، وهي نقطة حبكة مفصلية. يعترض الأخ المشاغب نفسه ربيع (عمرو يوسف) على القرار ويقرر الاستمرار بمعزل عن رضا. يفشل في مغامرته وحيدًا ويعقد الأمور أكثر. تلجأ القوى الشريرة لخطف أحد التابعين للعائلة والمساومة به (نفس أساليب البناء والتطور). يلجأ ولاد رزق لرضا لإصلاح الموقف.. إلخ.

تلك السيميترية بين الجزئين تظهر بطرق أخرى في الفصلين الأول والثاني. أصبحنا نعرف أن عمليات ولاد رزق تبدأ بشكل بسيط كنوع من التسخين، ثم تتطور لعملية أعلى في الطموح، هي عملية الكازينو في الجزء الأول وحفلة مزاد العُقد في الجزء الثاني. العمليتان متشابهتان في التصميم وفي توزيع أدوار الأخوة الأربعة؛ اقتحام المكان بسيارة يقابله اقتحام المكان بدراجة بخارية، وفي الجزئين تفشل العملية وتكون سببًا في قرار التوبة.

إذًا، لا أتحدث عن تفاصيل، بل هيكل دراما صار مكشوفًا ومحفوظًا، النتيجة قد تمر بنجاح هذه المرة لكنني لا أتوقع مزيدًا من النجاح مع مزيد من التكرار في الأجزاء التالية.


5 تيمات سينمائية دمرتها تطبيقات الهواتف | أمجد جمال

تأثير مانديلا في السينما.. ذاكرة مزيفة أم إبداعية؟ | أمجد جمال

   رفع السقف 

طارق العريان دلل من جديد على تفوقه التام في تصوير مشاهد الحركة بمطاردة سيارات مبهرة وجديدة نوعيًا على السينما المصرية. وعنصر الحوار ما زال محتفظًا بقوته من الجزء الأول، وهو حوار يجمع كل سمات التميز؛ الذكاء والاقتصاد وخفة الظل، وتسريب المعلومات بصورة معقولة وغير مفتعلة.

لكن الهدية التي تقدمها أفلام ولاد رزق للسينما المصرية حقًا، هي إعلاء سقف المسموح به رقابيًا. البذاءة اللغوية في الفيلم بقدر ما كانت مبررة لأنها لسان متحدثيها، بقدر ما أتت فطنة ومثيرة ذهنيًا. هي بذاءة ليست بعيدة عن الفنية، وهو السبب الرئيسي في تمريرها. وإن كنا نتحدث عن إعلاء السقف فليس الحوار وحده ما يفعلها تلك المرة، أيضًا الدور الذي تؤديه غادة عادل كان مفاجئًا بحق، وتستحق عنه الإشادة لجرأتها.


من دفاتر صلاح أبو سيف.. الواقعية والرقابة والجنس والنقاد | أمجد جمال

أحمد زكي.. كيف استحق اعتذار روبرت دينيرو عن “زوجة رجل مهم”؟ | أمجد جمال


   مصداقية الفيلم 

المصداقية الاجتماعية من أهم أسباب نجاح أفلام ولاد رزق. وهو ما يظهر بطرق عدة، أبرزها التصوير والاحتفاء بالذكورية الكريهة المشحون بها هذه الطبقة بقيمها التي تمتد بنجاح لبقية الطبقات: طريقة التعامل العنيفة بين الأزواج، الكثير من عبارات احتقار الأنوثة أو الذكورة الناعمة، رائحة التيستوستيرون تفوح في صالات العرض مع صوت الحديث ذي النبرة العالية والسوقية، وتشيؤ عدسات الكاميرا لجسد الذكر العاري الممشوق بالعضلات، وهو امتداد لحالة تغزل عام في مصادر القوة العضلية يتناسب مع عنوان جانبي للفيلم “عودة أسود الأرض”.

حينما تحضر المرأة ولو حتى بالسيرة يحضر الحديث عن الجنس. ليست كل النساء أو معظمهن عاهرات، لكنهن كذلك في العقلية الذكورية الكريهة، لدرجة أن الحبكة كلما تعقدت كلما ظهرت عاهرة جديدة لتساعد في فكها. عاهرة تساعد في التسلل لحفلة المزاد، وعاهرة تسهل إقامة الأخوة في الفندق، وعاهرة زوجة كمال الشرير التي ستسهل الإيقاع به.. إلخ

ما سبق مجرد ملاحظة لا أحاكم بها صناع الفيلم. على العكس، من النادر في السينما المصرية أن تجد فيلمًا عن تلك الطبقة يخلص في تحدثه بعقلية أبناء الطبقة، لا فانتازيا المثقفين عنهم، والتي يسمونها عن خطأ “الواقعية”.

قد نستنتج مما سبق أن العامل الشعبي في أفلام ولاد رزق لا يهدف لإضافة أصالة محلية للفورمات الهوليوودي بقدر ماهو تزاوج بين كل ما هو تجاري.. في الداخل والخارج.


عصر هوليوود الذهبي لم يصدأ بعد: 5 مفاهيم مغلوطة (جزء 1) | أمجد جمال | دقائق.نت

عصر هوليوود الذهبي لم يصدأ بعد .. القصة والأسلوب شيء واحد (جزء 2)| أمجد جمال | دقائق.نت

عصر هوليوود الذهبي لم يصدأ بعد (3).. كيف انتصرت لنا على السلطة الأخلاقية | أمجد جمال


Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%AF-%D8%B1%D8%B2%D9%82-2">
Twitter