لكي أجذب الرجال كامرأة، أستخدم باستمرار عطرًا اسمه “رائحة السيارات الجديدة”.

الجملة السابقة تخص الكوميديانة الأمريكية ريتا رودنر، وتُعتبر من أشهر الجمل الساخرة التي تلخص هوس الرجال الجنوني بالسيارات. الهوس الذي يفسره علم النفس التطوري بأن السيارات ببساطة تخاطب تركيبة غريزية في عقل الرجال عمرها ألاف وألاف السنوات:
1- عشق التعامل مع الأشياء والأدوات.
2- عشق المغامرة والمخاطرة وحسابات السرعة والمسافة والتزامن المتوارثة من عصور الصيد.
3- والأهم من كل ما سبق ربما، عشق التنافس مع ذكور آخرين.

المعضلة الأخلاقية للسيارات ذاتية القيادة

في فيلم فورد ضد فيراري Ford v Ferrari المقتبس من واقعة حقيقية عام 1966، نتعرف مبكرًا على رجلين يملكهما هذا الهوس. الأول هو الأمريكي كارول شيلبي (مات ديمون)، والثاني هو البريطاني كين مايلز (كريستان بيل).

عشق الاثنين لميكانيكا سيارات السرعة وحلبات السباقات، سيلتحم سريعًا مع رغبة الأمريكي هنري فورد إمبراطور صناعة السيارات وصاحب مصانع فورد، في إذلال خصمه الإيطالي إنزو فيراري صاحب مصانع فيراري، داخل حلبات سباق لو مان 24 ساعة الذي ظل الأخير منفردًا بصدارته أوائل الستينيات.

إعلان Ford v Ferrari

قالب الفيلم دراميًا إذًا كلاسيكي الطابع وأقرب لمدرسة هوليوود القديمة. مجموعة من الأمريكيين المغامرين في مهمة صعبة لهزيمة غير أمريكيين. لكن الشرير والعائق هنا ليس الخصم الإيطالي، بقدر ما هو المنظومة والطبيعة المؤسسية الأمريكية نفسها، التي تعوق بطلي الفيلم باستمرار عن تحقيق الفوز.

إلى درجة كبيرة يتعلق الفيلم هنا بصراع المتمرد ضد النظام.. الفنان ضد خبير المبيعات.. المغامر ضد المتردد.. الموهوب ضد الإداري.. اللامبالي ضد المشغول بالصورة الإعلامية.. الكاوبوي ضد الموظف.. الحدس ضد لغة الأرقام.. وبهذه الطريقة يخرج الفيلم عن مساره، ليصبح أكبر وأهم من أن يكون مجرد فيلم عن سباقات السيارات.

واكين فينيكس يقطع تذكرة الأوسكار الثانية للجوكر | حاتم منصور

وفي مسار آخر يتقاطع أيضًا مع تاريخ مخرجه جيمس مانجولد، المتخصص دومًا في صناعة أفلام وقصص بسيطة عن صراعات الرجال مع بعضهم، وصراعاتهم الداخلية بين ما يرغبون في عمله، وما يمليه عليهم المجتمع أو الواجب المهني أو الأسري. وبالطبع صراعهم الخاسر دومًا مع الزمن وكبر السن.

يمكنك أن تلمح هذا الجانب كعنصر مهيمن في أغلب أعماله، سواء في فيلم مغامرات خفيف من نوعية Knight and Day أو في دراما جادة من نوعية Cop Land أو 3:10 to Yuma. أو في تطويع سلسلة سوبرهيرو مثل ولفرين، لتقديم هذه الأبعاد في Logan.

أشهر أفلام المخرج جيمس مانجولد

كريستان بيل يلمع هنا في دور الشخص الذي يفهم السيارات ويستطيع تحمل مشكلاتها، أكثر مما يفهم البشر ويستطيع تحملهم. الدور يناسب قدراته، ويبدو أقرب لمزج بين شخصيتين ناجحتين قدمهما سابقًا في فيلمي The Fighter – The Big Short.

بقليل من الحظ، قد يظهر على قوائم ترشيحات الأوسكار هذا العام، وهي الجائزة التي كاد أن يخطفها للمرة الثانية العام الماضي في مشواره، بفضل فيلم Vice لولا رامي مالك.

كريستان بيل يخطط للأوسكار ولغزو العراق في VICE | حاتم منصور | دقائق.نت
ما فرص رامي مالك في الفوز بالأوسكار؟ | حاتم منصور | دقائق.نت

مات ديمون يقدم أداءً أقل استعراضية لكنه لا يقل جودة، لشخصية أبسط، يمزجها بذكاء مع هويته كنجم سينمائي اشتهر بتقديم دور الشخص اللطيف الذكي المهذب. من الوارد جدًا أن ينضم لحلبات سباق الأوسكار هذا العام أيضًا.

على المستوى البصري، يحاول مانجولد هنا الابتعاد قدر المستطاع عن تقنيات الجرافيك لتنفيذ سباقات السيارات، ويقترب أكثر من المدرسة القديمة، القائمة على تصوير مشاهد حقيقية، تاركًا الجرافيك لوضع الرتوش فقط، مثل إضافة الخلفيات، أو اختلاق تأثيرات مثل المطر والغبار. والنتيجة مشاهد سباق مقنعة ومثيرة، وغير كارتونية على غرار ما تقدمه هوليوود بانتظام حاليًا في سلاسل مثل Fast & Furious.

وبنفس القدر من البراعة، يُطوع مانجولد مع مدير التصوير فيدون بابامايكل كاميرات الديجتال، لتمنحنا صورة نهائية مماثلة للشكل الكلاسيكي لكاميرات النيجاتيف الـ35 ملم، بحيث تصبح الصورة أقرب لأفلام الماضي منها لأفلام الحاضر.

ينسجم هذا بانتظام مع المقطوعات الموسيقية لـ ماركو بلترامي التي تضفي الإثارة والشد العصبي المطلوب لمشاهد السباقات، مع شريط المؤثرات الصوتية. ويستحق فريق الديكورات وتصميم الإنتاج والملابس إشادة مماثلة. هذا الفريق ينافس قرينه في فيلم تارنتينو الأخير حدث ذات مرة في هوليوود من حيث إعادة رونق وتفاصيل أواخر الستينيات.

Once Upon a Time in Hollywood.. مرافعة تارنتينو للدفاع عن نفسه وعن هوليوود وعن العنف السينمائي | حاتم منصور

لكن كعادة كل الأفلام المهمة، توجد بعض العيوب التي يصعب غفرانها. العيب الأول هنا قد يكون إصرار الفيلم على منح زوجة كين مايلز مساحة فاعلة في الأحداث، واختلاق عدة مشاهد لهذا الغرض، كان أضعفها مشهد تتصرف فيه كشخص جريء في قيادة السيارات.

المشهد مفتعل وسخيف وغير منطقي من حيث سلوك ومعطيات الشخصيات، ويبدو أقرب لإجراء احترازي من صناع الفيلم، لتفادي تهمة نسوية مبتذلة دارجة حاليًا توجه لعشرات الأفلام:
فيلمكم لا يقدم المرأة بصورة قوية ويمنحها مساحة أقل من الذكور.

كيف أصبحت الأجندة النسوية المعاصرة في هوليوود منفرة؟ | حاتم منصور

العيب الثاني هو قولبة السرد. أغلب الأحداث والمواجهات هنا متوقعة إلى حد كبير، لدرجة تجعل الفيلم رغم مضمونه المناهض للثبوت والتجمد والتكرار، وتلميعه لروح المغامرة، عمل أقرب لما يناهضه.

Ford v Ferrari باختصار فيلم غير جريء أو مغامر، لكنه مصنوع بدرجة عالية من الإتقان والحرفية، التي تغفر له كل عيوبه. والأهم على صعيد المشاهدة، أنه يتحرك بمسار متعة وإثارة تصاعدي على مدار ساعتين ونصف، تمامًا مثل سيارة سباق تزداد سرعتها وحماس سائقها بمرور الوقت.

باختصار:

التيمة مكررة، لكنها هنا في أفضل حالاتها على صعيد التنفيذ، بفضل أداء ممتاز من مات ديمون وكريستان بيل، ومشاهد سباقات تفوق في متعتها وإثارتها سلاسل مثل Fast & Furious في عمل يملك بالتأكيد ما يكفي للتسلل إلى سباق الأوسكار هذا الموسم، في أكثر من حلبة.

Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/ford-v-ferrari-review">
Twitter