كثيرة هي الأفلام التي تتعلق حبكتها الرئيسية بقضية العنصرية ضد السود في السنوات الأخيرة، وكثيرة هي أيضًا التكريمات والجوائز السينمائية التي نالتها. في المقابل لم ينجح أي منها في تحقيق شعبية عالمية حقيقية، أو في التحول لأيقونة لا يمل الجمهور من تكرار مشاهدتها.

السبب الرئيسي يعود ربما لنقاط شبه ثابتة في أغلبها:
1- الاضطهاد يمارسه شرير أبيض، يُشيطنه الفيلم بالكامل، وينزع عنه أية صفات إيجابية أخرى بشرية، بشكل كارتوني في بعض الحالات.

2- التفاعل العاطفي الرئيسي المطلوب من المتفرج هو الإحساس بالغضب ناحية هذه الشخصيات الشريرة العنصرية، والإحساس بالذنب أو تأنيب الضمير ناحية الضحايا، بدلًا من التعاطف. كلاهما (الغضب – تأنيب الضمير) لا يمكن تصنيفه كإحساس مريح أو ممتع للقاعدة العظمى من المتفرجين.

3- يميل بعض هذه الأفلام لتجاوز التفاصيل البشرية البسيطة في شخصياتها، التي يسهل على الكل التفاعل معها، مقابل التركيز على تفاصيل محددة أمريكية، ونتيجة لهذا يقل تفاعل المتفرج غير الأمريكي معها.

4- يسقط بعضها في فخ الوعظ أو المباشرة، والوعظ هو آخر ما يمكن أن يهتم به المتفرج.

أهم الأفلام التي قدمتها هوليوود عن العنصرية في السنوات الأخيرة.

بسبب ما سبق، يمكن تصنيف الفيلم المرح الكتاب الأخضر Green Book المرشح حاليًا لخمس جوائز أوسكار كأفضل (فيلم – سيناريو – مونتاج – ممثل – ممثل مساعد) كلمسة منعشة وسط هذه النوعية، وكعمل قادر غالبًا مستقبلًا على تحقيق أعظم ما يمكن أن يطمح اليه أي فيلم (الخلود السينمائي).

هل خلود الفن معيار لجودته؟ خمس ثغرات لهذه النظرية

الأحداث المقتبسة من قصة حقيقية دارت أوائل الستينيات، تبدأ مع توني (فيجو مورتنسن). رب أسرة أمريكي لطفلين، أبيض البشرة من أصول إيطالية، يعمل حارسًا في أحد الملاهي الليلية، ويملك المهارات الكلامية والبدنية المطلوبة للتعامل مع زبائن هذا العالم على اختلاف أنواعهم.

يقدم لنا الفيلم توني كشخصية يسهل أن نحبها رغم كل عيوبها. نعم هو طائش، لكن طيب القلب. عنيف وفظ أحيانًا، لكنه رومانسي مع زوجته. شره جدًا للأكل، لكن هذا يجعله مثل الكثير منا! نعم يعتبر السود كبشر أدنى منه، لكنه يفعل ذلك بسذاجة الشخص الذي تعود أن هذا طبيعي جدًا (لاحظ أن الأحداث أوائل الستينيات).

إعلان فيلم Green Book

المشهد الذكي الذي نكتشف فيه عنصرية توني، لا يلخص فقط نظرة زوجته لهذا العيب فيه، لكنه يلخص أيضًا ربما منظور الفيلم لبطله ولملايين غيره في نفس الزمن. نظرة الزوجة ببساطة تقول: كيف يمكن لهذا الرجل الطيب والشهم جدًا، أن يكون أعمى لهذا الحد بخصوص عنصريته؟!

من هذا المنطلق يؤسس الفيلم للكثير مما سنتابعه لاحقًا، ويطرح مبكرًا أيضًا نقطة من نقاط اختلافه المهمة. توني ليس الشرير العنصري النمطي المتنمر أو العنيف، الذي نراه في عشرات الأفلام الأخرى الخاصة بالعنصرية. توني هو الطفل الأحمق الذي توارث قناعات سيئة من مجتمعه، ولم يتوقف أبدًا ليسأل نفسه: هل هي صواب فعلًا؟

ستان لي.. القصة الحقيقية لـ السوبر هيرو الذي تحدى العنصرية

حاجة توني للمال، تدفعه سريعًا لقبول عرض عمل مؤقت من دون شيرلي (ماهرشالا علي)، عازف البيانو الأسود المثقف الأنيق الثري خريج الجامعات، الذي يجيد عدة لغات. والنجم المطلوب بشدة للمشاركة في حفلات موسيقية في الجنوب الأمريكي، حيث العنصرية في أعلى درجاتها، وحيث الحاجة لسائق وحارس مثل توني ضرورية جدًا، لتجنب السخافات التي يمكن أن يتعرض لها رجل أسود في كل خطوة.

يقتبس الفيلم اسمه – الكتاب الأخضر – من كتيب صغير استمرت طباعته من الثلاثينيات وحتى أواخر الستينيات، يتضمن أماكن وعناوين الفنادق والمطاعم التي يمكن أن تقبل استضافة السود من أمثال بطلنا. الرجل المطلوب للعزف في أرقى الفنادق، والممنوع في نفس الوقت بسبب لونه من استخدام نفس المراحيض التي يستخدمها رواد هذه الفنادق!

أزمة شيرلي تمتد أيضًا لهويته. تعليمه وعمله عزلاه عن أقرانه السود، ولون بشرته عزله عن البيض المطابقين له ثقافيًا وتعليميًا. أو كما يردد في أحد المشاهد: لست أبيض بما يكفي، ولست أسود بما يكفي.

تأتي المفارقة الأساسية هنا من أن العلاقة بين البطلين نقيض للسائد في هذا الزمان. الأبيض غير متعلم ويعمل في وظائف مُتدنية، والأسود هو الأعلى مكانة ورب عمل الأول. لكن خلال الرحلة ستسود العلاقة التي يسهل على الجماهير تفهمها والتفاعل معها (الصداقة).

كيف جعلت بيكسار الأسرة العادية سوبر هيروز في Incredibles 2؟

نظريًا يبدو الفيلم إذًا كفيلم طريق آخر Road Movie من النوع الذي تتورط فيه شخصيات في رحلة مشتركة، وتمر سويًا بتجارب وأزمات، تؤدي إلى تحول حاد في قناعاتهما. لكن تأثير الرحلة الحقيقي هنا لا ينتهي بتحول هذه الشخصيات لنقيض لنفسها عند نقطة البداية، بل ببساطة لتحول أكثر وأكثر ناحية جوهرها ومعدنها الأصلي، الذي طمسته ضغوط المجتمع.

طرافة الفيلم، تعود غالبًا لوجود بيتر فاريلي كمخرج، وكشريك في السيناريو. نتحدث عن الفنان الذي كتب وأخرج سابقًا بالاشتراك مع أخيه، باقة من أنجح أفلام الكوميديا في التسعينيات.

أشهر أفلام فاريلي

يحلو لكثير من النقاد حاليًا اعتبار Green Book كقفزة مهولة في تاريخه، وازدراء ما قبله من أعمال باعتبارها كوميديا تافهة، لكن الفيلم في الحقيقة، امتداد لنفس الفنان صاحب الحس الإنساني المرح.

فاريلي لم يتعامل أبدًا مع شخصيات أفلامه السابقة باعتبارهم مجرد عرائس لإثارة الكوميديا، لكنه صاغهم بنفس منهج التعاطف والتفهم. قد يكونون حمقى أو أغبياء أو مُحملين بعشرات العيوب، لكنهم أيضًا وقبل أي شيء بشر، وشخصيات تؤمن بعلاقات مثل الصداقة والحب، وتكافح من أجلها.

10 سنوات على توم وسمر.. من الظالم والمظلوم؟

النقطة الأخرى تتعلق ربما بحقيقة أن السيناريو الأولي كتبه نيك فالالونجا، ابن بطل الفيلم ذو الأصل الإيطالي. يمكننا ببساطة تخيل درجة تفاني أي ابن في صياغة شخصية أبيه على ألطف صورة ممكنة.

بفضل هذا التسلسل (سيناريو كتبه ابن عن أبيه – سيناريست ومخرج كوميدي ينضم للمشروع بعدها ويضع بصمته)، فاز الفيلم المحظوظ وفزنا معه، بعناصر ساهمت في تغيير دفته من فيلم الدراما الجاد المكرر عن العنصرية، إلى مسار الفيلم اللطيف المرح الذي يتركنا بأحاسيس ايجابية وبروح متفائلة. أو بلغة منتجي هوليوود الى: Feel Good Movie.

قد تجدر الإشارة هنا لفيلمين من نفس النوع، يلامس Green Book الكثير فيهما:

الأول Driving Miss Daisy عن سائق أسود يذهب للعمل لدى أرستقراطية ثرية، وتبدأ بينهما علاقة صداقة وثقة، بعيدة عن أجواء العنصرية الخاصة بزمنهما. والثاني Planes, Trains & Automobiles عن رجلين يتورطان سويًا، في رحلة سفر للحاق بعيد الشكر وسط أسرتيهما، لكن يعاندهما سوء الحظ طوال الوقت.

نال الأول أوسكار أفضل فيلم، ونال الثاني الخلود السينمائي ككوميديا خفيفة بشخصيات مرحة يصعب نسيانها. ربما سيحالف Green Book الحظ ويجمع بين الإنجازين!

لماذا تحتاج الأوسكار ونحتاج معها إلى فوز “مولد نجمة” بجائزة أفضل فيلم؟

في المقابل وبمناسبة الأوسكار، يستحق البطلان هنا الاشادة والترشُح. مورتنسن صاغ ببراعة الشخصية بكل ثوابتها السينمائية عن الإيطاليين (خفة الظل – الكلام الكثير – التشويح باليد.. إلخ)، في دور يخالف تمامًا شخصيته السينمائية المعتادة وأدواره السابقة، حيث الصوت الخافت وقلة الكلام والرصانة.

ماهرشالا علي نجح أيضًا في ابتكار لغة جسد وطريقة كلام، تليق بشخص يحاول طوال الوقت إثبات الرقي وعلو المكانة والصلابة، كحيلة نفسية دفاعية أولى لمواجهة عنصرية الآخرين المعتادة.

غالبًا سيربح ماهرشالا علي الأوسكار الثانية في مشواره كأفضل ممثل مساعد عن هذا الدور، أما مورتنسن – ورغم كونه العنصر الأفضل في الفيلم ككل – فستتجاوزه الأوسكار غالبًا من جديد، لتستقر في يد رامي مالك أو كريستان بيل، لأسباب ناقشناها بالتفصيل سابقًا في مقال سابق.

بقى أن أذكر أن تركيبة الفيلم مخالفة للمطلوب إعلاميًا بخصوص العنصرية، وأن الفيلم نال اتهامات نقدية كوميدية عجيبة جدًا مؤخرًا مثل:

1- الادعاء أن الأحداث تتتعامل مع مشكلة العنصرية باستهتار، كما لو كانت مصدر مرح.
*أصحاب هذه النظرة للفيلم، لا يرغبون في فن يناهض العنصرية بشكل مختلف، بقدر ما تجمعهم رغبة مستديمة في تدشين فن وخطاب إعلامي، يراكم إحساسًا متواصلًا بالذنب في المجتمع الأمريكي ناحية السود؛ لأن المطلوب فعلًا بالنسبة لهم هو استثمار القضية بشكل آبدي ليس إلا.

س/ج في دقائق: البلكزيت.. هل بات طلاق السود والديمقراط وشيكًا؟

2- الادعاء أن الفيلم نفسه عنصري، وأنه مصنوع من منظور استعلائي أبيض، بحيث يظل البطل الأسود هو الضعيف دائم الحاجة للحماية والوصاية من البطل الأبيض.
*شخصيًا أرى أصحاب هذه الرؤية كعنصريين! ما يطلبوه في الحقيقة هو ببساطة تدشين تنميط سينمائي مستحدث بناءً على العرق، لا يجوز فيه تقديم صاحب البشرة السوداء إلا بضوابط محددة.

3- الادعاء أن الفيلم أجرم بإضافة تعديلات درامية مخالفة لحقيقة الشخصيات، مثل صياغة البطل الأسود كشخص وحيد لا تجمعه علاقة تُذكر بعائلته.
*هذه التعديلات وغيرها تدخل في نطاق المسموح دراميًا، وأضافت فعلًا للفيلم الكثير.

هل ترغب في مشاهدة صور لأبطال القصة الحقيقيين؟

من اليمين: دون شيرلي – توني ليب

4- الادعاء أن صناع الفيلم طالما اختاروا الكتاب الأخضر كعنوان وإشارة لزمن الأحداث وللكتيب المذكور، كان يتوجب عليهم تقديم عمل جاد ومؤلم عن المخاطر التي تعرض لها السود وقتها فعلًا، بدلًا من استهلاك هذا الاسم المهم في عمل مرح.
*لا تعليق!

أفضل طرق اختيار عنوان لفيلمك، وأنجحها في تاريخ السينما

الثابت والممكن استنتاجه من هذه الانتقادات وغيرها، أن أصحابها يعتبرون أفضل طريقة للحديث عن العنصرية ضد السود سابقًا، هي تدشين عنصرية عصرية مضادة، واختلاق حساسيات لا حصر لها في أية معادلة تتضمن أصحاب البشرة السوداء، أو أي موقف يمكن توظيفه بهذا الشكل. هذه ظاهرة يمكن بسهولة رصدها خارج نطاق السينما أيضًا، في عشرات المواقف التي تتعرض لتهويل غير مبرر.

يرى المنتقدون أنه يشبه وجها أسود. هل ترى ذلك؟ 🤔

Posted by ‎دقائق‎ on Wednesday, 13 February 2019

المفارقة الأكبر إذًا بخصوص Green Book أنه فيلم عن قضية ضمن الأجندات المفضلة حاليًا (العنصرية سابقًا في الغرب ضد السود)، لكنه يناقشها بشكل مضاد لأهداف أصحاب هذه الأجندات. أو بصياغة أخرى: كشف لنا هذا الفيلم بدرجة أقوى من غيره عن عنصرية مضادة ترتفع حدتها كل يوم، ويخشى الغالبية الحديث عنها.


مرشح لـ 5 جوائز أوسكار 2019 (فيلم – ممثل/فيجو مورتنسن – ممثل مساعد/ماهرشالا علي – مونتاج – سيناريو). 


فائز بأوسكار أفضل (فيلم – سيناريو أصلي – ممثل مساعد/ماهرشالا علي).


ريفيوهات أهم الأفلام المُنافسة الأخرى على أوسكار أفضل فيلم 2019:

مولد نجمة ومخرج وأوسكارات أيضًا في A Star Is Born

Roma.. ذكريات “كوارون” المشوشة تضع نتفليكس في مشهد الجوائز

البعض يفضلونها نسوية في The Favourite

رامي مالك يعزف منفردًا في Bohemian Rhapsody

كريستان بيل يخطط للأوسكار ولغزو العراق في VICE | حاتم منصور | دقائق.نت

Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/green-book-%D9%85%D8%A7-%D9%86%D8%AC%D8%AD-%D9%81%D9%8A%D9%87-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D8%B6%D8%B1-%D9%88%D9%81%D8%B4%D9%84%D8%AA-%D9%81%D9%8A">
Twitter