أفخاخ الإسلاميين: 6- فخ المظلومية

أفخاخ الإسلاميين: 6- فخ المظلومية

16 يوليو 2018
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

في مصر، في الفترة التي أعقبت أحداث 2011 وبدء تكوين حزب سياسي رسمي لجماعة الإخوان المسلمين وبدء الانتخابات البرلمانية في نفس العام، ومن خلال استطلاعات الرأي والنقاش مع المواطنين، بدا أن هناك حالة من التأييد للجماعة على المستوى الشعبي بصورة أكبر مما يبدو في الإعلام وقتها.

كانت أسباب التأييد متفاوتة من شخص لآخر، إلا أن أكثر سبب لفت نظري من خلال النقاش كانت ما سمعته من البعض بأن الإسلاميين ظُلموا واضطهدوا وحان الوقت ليأخذوا فرصتهم، فكان يتمحور النقاش حول صحة دعاوى المظلومية التي روجها الإسلاميين خلال القرن العشرين، سواء كانت سياسية أو تاريخية، وهو بدون قصد تمرير لفكرة الاحتكام إلى المظلومية.

اقرأ أيضا: أفخاخ الإسلاميين: ١- فخ الوسطية

دعائم نشر فكرة المظلومية

1 – انتشار أدبيات المظلومية الإخوانية ورواجها، ولعل أشهرها كتاب زينب الغزالي “أيام من حياتي”.

2 – غياب التفاصيل اللازمة لمناقشة هذه الأحداث، سواء من جهة الدوافع، فما يُعرض هو أن حسن البنا قتل لأنه يدعو إلى الإسلام، دون معرفة ملابسات مقتله وجرائم التنظيم الخاص الذي كونه، وأحداث 54، دون معرفة سلوك الإخوان السياسي في تلك الفترة، وإعدام سيد قطب في 65، لمجرد أنه ألف كتاب، دون معرفة تفاصيل قضية تنظيم 65.

ترجمة المظلومية في صناديق الاقتراع

وهنا يكمن الفخ، وهو استدراج الشخص من مناقشة المشروع الأساسي إلى مناقشة صحة المظلومية لأصحاب المشروع، من خلال ما استقر من الدعاية على مدار عقود تهاونت فيها آلة إعلامية مقابلة، بل وشارك آخرون، منهم الدولة، فيها أحيانًا.

إنها المغالطة الشعبوية في الدعاية الانتخابية: هذه الفئة من حملة “الأيديولوجية” مظلومون سياسيًا واجتماعيًا.. إذًا أيديولوجيتهم هي الصواب.

تعتبر دعاوى المظلومية إحدى أقوى الوسائل الدعائية التي تلجأ الجماعات في إدارة الصراع، وهي ظاهره إنسانية وتاريخية معروفة لا تقتصر على الإسلاميين، لكن ما سنناقشه كيف تم التأصيل لها دينيًا للدعاية الخارجية وللأغراض الداخلية كعادة الإسلاميين.

اقرأ أيضا: أفخاخ الإسلاميين: ٢- فقه الأولويات

من هذه المظلومية انطلق البنا

من دعوى المظلومية انطلق حسن البنا في دعوته الأولى، لكنه عرضها أولًا على أنها مظلومية الأمة الإسلامية من الغرب، وذلك بدعوى وقوع الدول الإسلامية تحت الاستعمار. وكان في خطبه يوظف النصوص الدينية وينعتهم بالظالمين والغاصبين، وهو ما كان يتماشى مع الجو العام، بما فيهم من النخب السياسية، غير أن ما كان يراه أكبر من ذلك.

يقول في رسالته “بين الأمس واليوم”، وهي من أوائل رسائله في بدايات دعوته:

“وإن قيل لكم أنتم دعاة ثورة، فقولوا نحن دعاة حق وسلام، نعتقده ونعتز به، فإن ثرتم علينا ووقفتم في طريق دعوتنا، فقد أذن الله أن ندفع عن أنفسنا، وكنتم الثائرين الظالمين”.

اقرأ أيضا: أفخاخ الإسلاميين: ٣- فخ الدعوة

تحضير الإخوان للصدام منذ البداية الأولى

إنها الضربة الاستباقية.. نحن أصحاب دعوة حق، ومن يعارضنا سيكون هو الظالم ابتداءً، ولنا حق الدفاع.

فالرجل كان يفهم طبيعه التحدي الماثل أمامه جيدًا، ويتهيأ للصدام المحتمل؛ لأنه كان يعلم جيدًا أن دعوته صدامية عندما تتضح أغراضها، وهو ما عبر عنه بلا مواربة في نهاية رسالته “بين الأمس واليوم”:

“أحب أن أصارحكم أن دعوتكم لا زالت مجهولة عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها ستلقى منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية”. 

وبعدد أن يعدد مظاهر هذا الصدام، يمهد لأتباعه ويهيئهم لبدء مرحلة الظلم، مع الاستناد للنص في حتمية المحنة قبل الانتصار فيقول:

“وستدخلون بذلك ولا شك في دور التجربة والامتحان، فتسجنون وتعتقلون، وتنقلون وتشردون، وتصادر مصالحكم وتعطل أعمالكم وتفتش بيوتكم، وقد يطول بكم مدي هذا الامتحان : {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ}. ولكن الله وعدكم من بعد ذلك كله نصرة المجاهدين ومثوبة العاملين المحسنين.. فهل أنتم مصرون على أن تكونوا أنصار الله؟”.

وهذا هو الجانب الداخلي التكويني لفكرة المظلومية في الجماعة، وهو ما اشتغلت عليه الأدبيات اللاحقة في تهيئة الأعضاء للصدام لتكوين المظلومية، وهو ما يعرف بمرحلة الابتلاء والتمحيص ما قبل التمكين.

اقرأ أيضا: أفخاخ الإسلاميين: ٤- فخ الجهاد

مراحل الفكرة الإخوانية في أدبيات الجماعة

تقوم الفكرة في الأدبيات الحركية الإخوانية على أن الدعوة لها مراحل، وهي:

التعريف: وهي مرحلة عرض الفكرة.

التكوين: وهي مرحلة استقطاب العناصر المؤمنة بالفكرة، وتكوين التنظيم لبدء العمل.

التنفيذ: وهي مرحلة الانتشار بين الناس ونشر الدعوة.

الابتلاء: وهي مرحلة الصدام والمحنة مع أصحاب السلطة.

التمحيص: وهي مرحلة الفرز، حيث يتراجع ضعاف الإيمان، ويكمل الثابتون ويوخذ من التعبير القرآني: (وليمحص الله الذين آمنوا).

التمكين: وهي المرحلة التي تنتصر فيها المجموعة التي ثبتت.

التأصيل القطبي للتمحيص الإخواني

وهنا الجانب الداخلي للفخ، حيث تم التأصيل الديني لفكرة الصدام المكون للمظلومية كمعلم من معالم الطريق ودليل على صحة الإيمان، فعندما يحدث صدام بفعل هذه المفاهيم، يعتبر الذي امتثل لقرار الجماعة هو الأخ الصامد، ومن ترك الصف يطلق عليه في الأدبيات الإخوانية “مفتون” أو “متساقط”.

ويتم الاستدلال على مسألة التمحيص بقصة طالوت وجالوت في سورة البقرة من خلال الشرب من النهر، ويراجع في ذلك تفسير سيد قطب، لترى كيف تم توظيف الفكرة حركيًا.

وكالعادة، في التأسيس الثاني للجماعة في السبعينيات، تم التنظير للمسألة فظهرت مصطلحات “فقه الابتلاء” و”فقه المحنة” و”فقه التمحيص” و”فقه الثبات”.

للمشاركة لـ فيسبوك

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك