رجب فوق صفيح ساخن .. يطارد خيط دخان | خالد البري

رجب فوق صفيح ساخن .. يطارد خيط دخان | خالد البري

23 أكتوبر 2019
خالد البري رئيس تحرير دقائق نت
تركيا
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يقول نصف الحقيقة حينما يتحدث عن تحرك تركي في مقابل خمول آخرين.

النصف الحقيقي أن موقف الأوروبيين في سوريا غريب: فهم يرفضون كل شيء. لا يستقبلون لاجئين، ولا يستعيدون مواطنيهم من مقاتلي داعش، ولا يشاركون في محاربتهم، ولا يتحملون حتى تكاليف تلك الحرب. وأن هذا الوضع استنزف تركيا وجعل اقتصادها على شفا جرفٍ هارٍ.

حتى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اشتكى، محقًا في هذه النقطة، وقال إن بلاده تبعد آلاف الأميال عن سوريا، وليست مهددة بقضية اللاجئين، لكنها رغم ذلك هي الموجودة على الأرض، وهي التي تدفع تكاليف حرب داعش، وهي التي تتحمل اللوم.

لكن إردوغان يتجاهل النصف الجوهري الذي يحوي أساسات القصة لا طوابقها العليا المرئية من بعيد. أن أحدًا لم يرغمه من البداية على التدخل في شؤون دولة أخرى، ولا حتى دعاه.

سوريا على حدوده الجنوبية ومن حقه أن يتخذ من الاحتياطات ما يؤمن حدود بلاده، داخل حدود بلاده. لكن تدخله في سوريا منذ ٢٠١١ كان سابقًا لأي تهديد لتلك الحدود، وكان منطلقًا من منطق إمبريالي إقليمي. المنطق نفسه الذي جعله يتدخل في ليبيا وهي على بعد خمس دول منه.

عملية سوريا | هل استسلم ترامب؟ أم سلم أردوغان للأكراد؟ | س/ج في دقائق

من الدفاع عن القذافي لتسليح ميليشيات طرابلس.. كيف تورط أردوغان في ليبيا؟ | س/ج في دقائق

   العثماني و”عناصره الداعمة” 

المنبع الواحد لكل هذا هو حلمه المهلك بإعادة الاحتلال العثماني تحت دعوى الخلافة. وهذه عاقبة مؤامرته مع “العناصر المحلية الداعمة”، ومع دولة قطر الصغيرة، ذات الميكروفونات العملاقة، ومع شيوخ ونشطاء اضطلعوا بمهمة تقويض أمن واستقلال ورفاهية بلادهم، لكي يجهزوها لعودة احتلال عثماني، بذل أجدادنا دماءهم للتخلص منه. احتلال استمر أربعة قرون وضمن لنا أن نظل متخلفين: رغباتنا “المحلية” مقموعة، ومواهبنا المحلية مستغلة لصالح الأستانة.

كون هذه القرون الأربعة كانت عصر النهضة الأوروبية الكبرى، فهي ساوت في معيار التطور التاريخي ألفيات.

 العمى العقائدي في السياسة، بالسير خلف أساطير الإسلام السياسي، هذه العنطزة العثمانية والإحساس بالاستحقاق، لم تكن جميعًا لتقود تركيا إلا إلى مواجهة. هل يظن الرئيس التركي – مثلًا – أن النظام السوري كان سيقف مكتوف الأيدي أمام أحلام إردوغان؟ أبدًا. فتاوى القرضاوي تواجهها فتاوى البوطي. حليفه أوباما المتردد يواجهه حليف سوريا بوتين الحاسم. عناصره المحلية الداعمة تواجهها عناصر محلية رافضة. حتى الإرهابيون الأجانب تحت إمرته يواجههم إرهابيون أجانب تحت إمرة طهران. الفارق الأساسي، أن الأرض تلعب مع أصحابها. وتركيا ليست صاحبة الأرض.

صفقة القرن في سوريا.. هل يحققها بوتين على أنقاض الانسحاب الأمريكي؟| س/ج في دقائق

تاريخ “العناصر المحلية الداعمة” للاحتلال العثماني في مصر والشام | عبد السميع جميل

   رقعة الشطرنج 

النظام السوري مذنب بفتح مندرة البيت مشرعة أمام إيران وحزب الله. لكن الداعي للسخرية أن هذا لم يكن موجهًا ضد تركيا، بل كانت تركيا وقطر أول من مهد لإغراء سوريا بهذا التحول في بدايات الألفية. الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والأمير حمد بن خليفة فعلا ذلك عامدين متعمدين بغرض النكاية في السعودية.

شاركا في “الغلوشة الإعلامية” على جريمة قتل رفيق الحريري. فتحي يكن، زعيم الإخوان المسلمين في لبنان، صلى إمامًا بالحزب المتهم الأساسي بقتله، ودماء الحريري لم تجف. استغلا الفرصة لكي يقدما رجب طيب إردوغان بديلًا سنيًا في لبنان. تزامن هذا مع تمكين حماس من غزة بعنف غير مسبوق بين الفلسطينيين على حساب حركة فتح.

كل هذا فعله الحلف العثماني نكاية في السعودية، ورغبة في مزاحمتها في مناطق نفوذها الاستراتيجي. ثم كان الثمن دماء اللبنانيين، وتمدد سيطرة إيران من لبنان إلى سوريا. مر الزمن، ووقفت القوتان الإمبرياليتان الإقليميتان وجها لوجه في سوريا.

لم يقرأ إردوغان رقعة الشطرنج جيدًا. الآن، يتجاوز هذا كله، ويطاحن العالم، موزعًا الملامات على الجميع إلا نفسه، دون أن يظهر علامة واحدة على نية تغيير في سلوكه.

لا يزال يحتضن المخربين العلنيين والسريين. من عاصمة بلاده تنطلق قنوات تحرض على العنف وقتل ضباط الشرطة في مصر. ومن عاصمة بلاده تنطلق مشاريع سرية لإحداث اضطراب داخل السعودية. كل هذا صار معروفًا. لكن الرئيس التركي فقط من يعتقد أن ليس له عواقب.

بالصوت والصورة: التحريض على الإرهاب من قنوات تركية وقطرية

   الخليفة المهزوم 

هذه مشكلة جوهرية من مشاكل الدين السياسي. افتراض أن أمانيك أوامر سماوية، على الآخرين الرضوخ لها، وإن لم يفعلوا فسوف تتدخل السماء نفسها لتنفيذها. والاغترار بجموع المجهلين الذين ضمنت “عناصرك المحلية الداعمة” بقاء جهلهم، وعلو حناجرهم. واستغلال واحدة من أعز قيم الإنسان، الإيمان الديني. فتتحول خطب الجمعة إلى وسيلة لخدمة أغراضك السياسية. والبرنامج الديني إلى وسيلة لخدمة أغراضك السياسية. والعمامة الدينية إلى وسيلة لخدمة أغراضك السياسية. يتحول الدين إلى عرض عام في الساحات، ويتحول السياسي إلى صاحب الطاقية الذي يجمع من الجمهور الثمن بمجرد انتهاء العرض.

الرئيس التركي رجب إردوغان على صفيح ساخن. كلما قفز من خيار إلى آخر وجده مؤلمًا، واضطر إلى قفزة جديدة. سيستمر هذا على الأرجح، لأن المشكلة تحتاج إلى حل جذري، والحل الجذري يحتاج إلى تغير راديكالي في التوجه، وإدراك بفشل المشروع الذي صرح إردوغان، صوتًا وصورة، بأنه ضلع أساسي فيه، وسماه مشروع الشرق الأوسط الكبير، على التسمية الأمريكية. لكنه نفس المشروع الذي تروج له عناصره المحلية الداعمة، وشيوخ قطر، باسم الخلافة. المشروع فشل فشلًا ذريعًا. فشل لدرجة أن كل ليرة يضخها لإصلاحه ستضاف إلى قائمة الخسائر.

تركيا ستخرج من سوريا. انهار اقتصادها ولم تعد تتحمل. لكنه يريد أن يوحي بأن “البطل” انتصر. وإردوغان الذي عجز أمام سوريا وإيران وحزب الله، وسلم مدينة بعد مدينة أمام الضغط الروسي، يحتاج إلى خصم ضعيف يستطيع أن يستعرض عليه قوته. وهنا يدفع الكرد الثمن في سبيل أن يحقق الرئيس المغامر نصرًا هزيلًا، بثقل خيط دخان .. أفنى ثمانية أعوام من عمر تركيا واقتصادها في مطاردته. وعلم بعدها أن طريقه مسدود مسدود، وأنه مهزوم مهزوم مهزوم.

أصحاب الأرض.. أيا ما كانت المساومة السياسية في شمال شرق سوريا فلها ضحايا | الحكاية في دقائق


للمشاركة لـ فيسبوك

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك