التحرش والصحوة الإسلامية منافع مشتركة.. “علشان تبقي تقولي لأ! | عمرو عبد الرازق

التحرش والصحوة الإسلامية منافع مشتركة.. “علشان تبقي تقولي لأ! | عمرو عبد الرازق

6 Jan 2020
عمرو عبد الرازق
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

التحرش وﺍﻟﺼﺤﻮﺓ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻣﻨﺎﻓﻊ ﻣﺸﺘﺮﻛﺔ.. “ﻋﺸﺎﻥ ﺗﺒﻘﻲ ﺗﻘﻮﻟﻲ ﻷ”| عمرو عبدالرزاق

حوادث التحرش الجماعي تثير مزيجًا من الحزن والغضب والقلق؛ ليس فقط لبدائية المشاهد وهمجيتها، وإنما لشيوع غصة في النفس منبعها الإحساس بأن مرور الزمن والتقدم الإنساني وتحديث نمط الحياة، لم يبد له انعكاس كافٍ على بعض أفراد وفئات المجتمع، وللإحساس بغياب كود اجتماعى أخلاقي محل اتفاق وتقدير من الجميع، يمكن الارتكان إليه والاطمئنان لنتائجه عند تفاعل أفراد المجتمع مع بعضهم البعض.

   إدانة نسبية مقسمة 

أمر بديهي عند حدوث حالات اعتداء بدني أو جنسي أو لفظي دون وجود صلة أو احتكاك أو تفاعل بين طرفيه، أن يصبح الطرف المعتدي محل لوم اجتماعي وإدانة قانونية. لكن هذا الحسم لا يحدث بالأغلب في حالات التحرش على نحو سريع، إذ يتحول الأمر إلى جدال اجتماعي متنامٍ، يستقر على إدانة نسبية مقسمة بين الطرفين!

سبب التخبط في الغالب هو عدم الحسم في تحديد ما هو خاص بالمجتمع وما هو خاص بالفرد، وحدود علاقات الأفراد ببعضهم، كنتيجة لشيوع سطوة العرف الاجتماعي القائم فى كثير منه على قواعد دينية واجتماعية نشأت في أزمان ومجتمعات مغايرة، وتغليبها على الخصوصية الفردية، وعلى الاحتكام لأمر القانون بين أفراد المجتمع.

من اغتصاب بوعشرين لإجهاض الريسوني، السلوك الجنسي يلاحق إخوان المغرب | الحكاية في دقائق

   التحليل بمنظور الدين 

كل حوادث التحرش التي تصير قضايا رأي عام لا تخلو من أثر واضح لتحليلها من منظور دينى أو أخلاقي، لا يلائم عصرنا بالضرورة، كون الدين هو المدخل الأكثر قبولًا وإجماعًا لدى أفراد مجتمعنا، إقرارًا منهم بصلاحيته لإدارة شتى أمور حياتهم.

والمنظور الأخلاقي المقصود في حالتنا لا يُرسخ فكرة كل فرد بحدود حياته الخاصة واحترام خصوصيات الآخرين، ولا يُصدر مبدأ “ولا تعتدوا” بقدر ما يروج للأخلاق كعنصر مخاصم للجنس على وجه العموم كنقيصة أخلاقية لذاته، وينطلق من هذا المبدأ إلى نتائج محسومة مسبقًا، منها التطرق للحديث عن المرأة كعنصر جنسي مثير في عملية جنسية، لا كعنصر إنساني داخل مجتمع حديث، ويتطرق الحديث بالضرورة لملابسها وهيئتها وزينتها، إلخ، ويوحي الحديث في ثناياه وكأن العنف الجنسي الجماعي أو الفردي بطريق عام هو عملية جنسية طبيعية!

طارق رمضان يعترف بالزنا لكي يبرأ من الاغتصاب.. فهل يخرج من أزمته؟| س/ج في دقائق

   رضوخ لضغوط المخطئ 

أصحاب الاستدلال الديني في تناول مشكلة التحرش يستدلون بآية “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا”.
الآية التي اشتهرت بإظهار أمر الحجاب، بحسب أشهر تفاسيرها، استجابت في الحكم لضغط الطرف المخطئ “المتحرش بنساء المدينة”، وقد يفهم منه أنه حكم غير بات في واقعة عابرة، بأن يرضخ الطرف المعتدى عليه، بإجراء تعديل بهيئته حتى ينتهي الأمر بسلام، إذ لم ترد عقوبة على المتحرش بنص الآية، ولم ترد قواعد لحماية الإماء من المتحرشين، ما يشير لكون الموقف برمته ربما لم يكن تحرشًا، وربما هو مغازلات وقعت بين الطبقات الدنيا بالمدينة وقتها، وإلا فلم لم يصدر بشأنهم عقاب فوري؟! وتركت الإماء دون حماية من المضايقات ودون نص يحل لهم الأزمة! فمن غير المنطقي أن تكون تتمة الموقف بالنسبة للإماء: أن يعرفن فيؤذين!

إلا أن تعظيم التقليد والاتباع جعل لهذه الآية وهذا الحكم حضورًا بارزًا، بكل مناقشاتنا المعاصرة بخصوص التحرش الجنسي وبأي إشكالية أخرى مشابهة!

ولأن الحالة السائدة والمترسخة منذ عقود مضت للنمط الديني بمجتمعنا، هي حالة تقليد حرفي للماضي، قائم على نبذ أبسط درجات الوعى الفكري والنقدي والتحليلي، فقد نُقلت حالة تمييز الحرائر قبل 1450 سنة وأُسقطت على الوضع المعاصر، مع تعميمها ومدها تاريخيًا، حتى وصلت لمجتمع مغاير تمامًا، فرسخت لفكرة أن امرأة قد يحميها زِيِّها وأخرى يبيحها زيها للتحرش!

الآية محل القول مدنية نزلت بعد الهجرة، في مراحل القوة والتمكين للدعوة الإسلامية، لكن لم تظهر ملامح التمكين والقوة في ردع المتسببين بتلك الأزمة بحسب التفسير السابق، وأحيل الأمر لزي النساء للتفريق والإيضاح كما ورد!

هاجر الريسوني فضحت خبث إخوان المغرب ومن والاهم | نعيمة لحروري

   تمكين لا يتسع لضحايا التحرش 

ورغم تكرار حديث التمكين في الخطاب الديني الدعوي، خاصة كلما اشتد عود التيارات الإسلامية بالمنطقة، فيتركون جانب الوداعة ولهجة الاستجداء ويتمسكون بخطاب السيطرة والتحكم، إلا أنه في قضية التحرش بالخصوص تجد إصرارًا مدهشًا على اعتبار ضحايا التحرش ضعيفات منكسرات، يعشن في مجتمع الاستكانة الأولى المكية، لا في مجتمع حديث مستقر يمتلك أدواته، ويمكنه تطبيق القانون على أي فرد أو مجموعة به مهما بلغت قوتهم.
فتنهال عليها الوصايا بالرضوخ والالتزام بخطوط معينة في الهيئة والزينة والحركة والسكون، والتحدث بحساب دقيق، يفوق قدرة البشر ويقترب بها من الآلة المبرمجة!

كما يتم الترويج للتعامل مع المتحرشين باعتبارهم قوة ذات اعتبار يعمل لها ألف حساب، لا باعتبارهم مجرمين عليهم انتظار الملاحقة والتخفي عن الأنظار وترقب المحاكمة! وهذا على خلاف ما يعد به أصحاب الدعوة باقي المفسدين من عقاب زاجر رادع! فعقاب الضحية أيسر.

والخطاب الديني والإعلامي امتلأ بالأحكام التي تحمِّل الضحية ذنب ما تتعرض له، أو على الأقل يجعلها تقتسمه مع الجاني!

ولدينا من أقاويل كبار الدعاة المعاصرين أمثلة عديدة، حتى ممن عرفوا بالاعتدال، قد لا تقول صراحة بإباحة التحرش بالمرأة، إلا أنها تروج لفكرة ترحيب المرأة ذاتها بالآخرين لاقتحام خصوصيتها، وتزرع الفكرة في عقول المتلقي، منهم من تحدث عن تفريط المرأة فى حق حمايتها من تلصص الأعين بتخليها عن الحجاب، ومنهم من قال بدعايتها للملاطفين بزينتها الشخصية رغبة منها في جذبهم، إلخ.

   متحرشون في خدمة الدعوة! 

المتحرش هنا يؤدي دورًا خادمًا لنفس الدعوة، فالمرأة بحسب دعوة الصحوة إلى عهد قريب مكانها المنزل والأعمال اليدوية، ودعوة “وقرن في بيوتكن” لم تختف ملصقاتها من على جدران الشوراع والجامعات بعد! وحتى الصلاة وهي أقدس العبادات، فالدعوة روجت لكون صلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في المساجد أو حتى بصحن دارها، وهكذا جرت محاولات إعادتها إلى المنزل، بل إلى آخر بقعة فيه!

وخلال العقود الماضية لدينا حوادث مسجلة أكثر من أن تحصى، تم التعرض فيها للفتيات والنساء بالتعدى والضرب بالعصا أو الحرق بمواد كيميائية أو بقص الشعر وغيرها من وسائل الترهيب، التي تجعل التحرش الجنسي جوارها بديلًا محتملًا!

تهدف جميعها إلى طردها من المجال العام، وإلى تخفيف درجة اعتزازها أو تقديرها لذاتها الإنسانية، وإعادتها لبيتها وحصرها في دور ربة المنزل الملاصقة لإبرة التريكو وسجادة الصلاة، كما تظهرها لوحاتهم الدعائية وكتاباتهم!

تلك الحوادث وإن تبرأ منها الدعاة وأدانوها، إلا أنها كانت من تبعات تلك الدعوة، الهادفة فى أصلها لإعادة توطين المرأة بما يناسب منهجهم، نفذها من آمن وصدق بما دُعي إليه!

حتى أن أحد أعضاء مجلس الشعب في السبعينيات، محمد سعيد، أحد رجالات الجمعية الشرعية، يشتهر في بلدته بأنه أول من أقام الأذان داخل البرلمان المصري في حضور الرئيس السادات، وما زال أهل البلدة بالدلتا يتندرون بأنه كان يسير ممسكًا بعصا، ينهر بها النساء ضربا على ما يطاله من أجسادهن إذ لم يعجبه احتشامهن.

التحرش: المعنى المفقود في الترجمة. وأين الجريمة في التحرش “الناعم”

   وهل يغضب التحرش السماء؟ 

يردد البعض أن المتحرش لا يتبع بالضرورة خطابًا دينيًا، ولا يعنيه أمر الدين. وهو كلام يخدر الضمائر فقط؛ فالمتحرش ليس بمعزل عن المجتمع، وليس متحرشا طوال 24 ساعة، بل هو إنسان يمارس حياته الكاملة بشكل طبيعي، تشرب تمامًا فكرة المرأة الخاطئة أكثر أهل النار صائدة الغرائز ومصدر الشهوات، والتي ستتلقى بالضرورة عقابًا شنيعًا يناسب جرمها، فملاحقتها ببعض الألام في الدنيا ليس حتمًا مما يغضب السماء، وهي قد أباحت نفسها كما فهم، فاستحلها حينما واتاه الظرف!

كما أن الاستحلال المؤدي للتحرش، لم يؤمن به فقط المتحرشون، وإنما حتى المسالمون، بل وبعض النساء المتأثرات بالدعوة ذاتها، يكررون جميعًا نفس المعاني بأريحية شديدة.

يحيل المتحرش الشارع لمكان غير آمن للفتاة، أو بتعبير آخر يطردها من الشارع عقابًا؛ فهي لم تراع غرائزه، كما لم يراع المفطر مشاعر آخر صائم من قبل، وهو ما لا يجعل لها خيارًا سوى العودة للمنزل، فقد أوجد الدعاة له العذر وخففوا عنه العقاب الاجتماعي، وهو قدم لهم خدمة جليلة بالمقابل..
عشان تبقي تقولي هاخرج..


ما تكشف عن كيفن سبيسي لم يكن قضية التحرش بالذكور فقط | س/ج في دقائق

إنفوجرافيك في دقائق: التحرش الجنسي حول العالم.. إحصائيات مرعبة

معرض صور| كيف تحدث رجال الدين عن التحرش قبل بيان الأزهر؟


رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك