الفيروسات والتطور | بسبب الفيروسات صرنا بشرا كما نعرف أنفسنا .. | رواية صحفية في دقائق | خالد البري

الفيروسات والتطور | بسبب الفيروسات صرنا بشرا كما نعرف أنفسنا .. | رواية صحفية في دقائق | خالد البري

16 أبريل 2020
خالد البري رئيس تحرير دقائق نت
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

كان يا ما كان

قبل ٣٥٠ إلى ٤٠٠ مليون عام من الزمان

كائن رباعي الأطراف يتجول في مكان

في البرية

وأصابه فيروس

تشابكت جينات الفيروس مع جيناته

فتغير شكله

 

لو صورت الفيلم وسرعته بسرعة ملايين السنين في الثانية الواحدة

ستجده في النهاية

صار ….

⇓⇓⇓⇓

⇓⇓⇓

⇓⇓

“الإنسان”

ما هذا الخيال!!

سنبدأ الحكاية من البداية

الفصل الأول

بطل بالصدفة: ما هو الفيروس؟

صفات الإنسان الوراثية التي تحدد شكله وشكل أعضائه الداخلية وطريقة عمل الأنسجة والخلايا ولون العينين ونبرة الصوت وكئيب أم مرح، كل شئء، محمولة في بروتينات، أو جينات، تحمل المادة الوراثية التي نسميها دي إن إيه DNA

ربما من الأسهل أن نفهم الموضوع عكسيًا. الأساس الكيميائي الذي يحمل صفاتنا الوراثية اسمه دي إن أيه. وهو موجود داخل “الجينات”. والجينات موجودة على جزء من نواة الخلية نسميه كروموسوم. حين نرسم كل الجينات في كل خلية من الجسم البشري نسمي هذا جينوم. اعتبر للتبسيط أن الدي إن إيه هو الصوت المنطوق من الحرف، وأن الجين هو الحرف المكتوب، وأن الجينوم هو الكلمات والجمل والفقرات والكتب التي تنشأ من رص الحروف إلى جوار بعضها بترتيب معين. خريطة الإنسان الجينية = كتاب حياته (يا عين).

الفيروس يحمل أيضًا مادة وراثية شبيهة بما نسميه في الإنسان DNA. في الفيروس نسميها RNA.

(ملحوظة لا تشغل نفسك بها: الجسم البشري أيضًا يحتوي على RNA لكنه لا يعيش إلا لفترة وجيزة في عملية تحول الدي إن إيه إلى بروتين)

كل ما يحدث فينا حين يصيبنا فيروس راجع إلى هذا الـ RNA الفيروسي، ولكن بطريقتين مختلفتين:

1-‬ أما أن يكون كل غرض الفيروس أن يعيد إنتاج نفسه، لأنه لا يتكاثر بالتزاوج مثلنا. في هذه الحالة يستولي على ماكينة الإنتاج داخل خلايانا، ويجبرها على أن تنتج نسخا من مكوناته هو، ثم تجمعها وتعلبها، كأنها تنسخه بغلافه بحويصلته بسلطاته بباغنوجه بمادته الوراثية، فتنتج له نسلًا وذرية، وبكميات ضخمة. بحيث تصير هذه النسخ الجديد قادرة على التوسع، والانتقال من خلية إلى خلية، وإعادة إنتاج نفسها، وهكذا.

خلال هذه العملية تتحفز أجسامنا للمقاومة ونشعر بالمرض.

هذا النوع من الفيروسات يمرضنا، نعم. لكنه يبقى مستقلًا بذاته متمايزًا عن أجسامنا.

وهذا يميزه عن النوع الثاني الأكثر خبثًا.

2-‬ غرض هذا النوع الثاني، الذي نسميه Retrovirus الفيروس الارتدادي/العكسي التسلل إلى الدي إن إيه داخل خلايا العضو الذي أصابه من جسدنا. يحشر نفسه بشكل عشوائي داخل الخريطة الجينية الخاصة بعضو من أعضائنا.  وهناك يعيد إنتاج نفسه، ليصير أكثر وجودًا داخل الخريطة الجينية التي تتحكم في عمل هذه العضو.

معنى هذا أنه يصير عنصرًا مؤثر في التوجيهات الجينية التي نتلقاها، ومنها التوجيهات الخاصة بإنتاج دي إن إيه. لقد صرنا ننتج دي إن إيه بناء على أوامر من هذا الفيروس، الجاسوس، المتسلل إلى مركز التحكم. والدي إن إيه المنتج بناء على أوامر الفيروس يحتل مزيدًا من المواضع في خريطتنا الجينية.

ينثر حروفه بين كلماتنا الجينية، أي تزداد حروفه بين كلماتنا وجملنا وكتاب حياتنا الجيني. فتختلف التوجيهات المكتوبة فينا.

صار لدينا الآن كمية ضخمة من حامل الشفرة الجينية الفيروسي.

لو حدثت هذه العملية في الخلايا التي تصنع البويضات والحيوانات المنوية، فلن تكتفي بإصابة الشخص الذي أصابته، بل ستنتقل عبر الأجيال. وتصبح جزءًا ثابتًا من الجينوم المكون لعضو ما من أعضاء جسدنا.

هل هذه عملية استثنائية نادرة؟

أبدًا. نصف خريطتنا الجينية تقريبًا مكون من تسلسلات جينية يمكن اقتفاء أثرها في فيروسات اندثرت. وبعض العلماء يصل بالنسبة إلى ٨٠٪.

سابقًا، كنا ننظر إلى هذه التسلسلات الفيروسية المصدر على أنها مجرد نفايات متناثرة في وعائنا الجيني. لكن الدراسات الحديثة أعطتنا صورة أفضل.

ما بقي من هذه التسلسلات الجينية في أجسادنا غالبا مفيد. تحول إلى ما يشبه “الجني” داخل قمقم الجينوم البشري. وبعد قليل سترى أن بعضها مسؤول عن وظائف حيوية تمثل الفارق بين الإنسان وأقرب الكائنات إليه. بل عن تميز الإنسان كإنسان.

هنا نعود إلى ما بدأنا به..

الفيروس الذي أصاب ذلك الكائن الرباعي الأطراف في الزمان البعيد البعيد…

ماذا فعل؟

حين حقن ذلك الفيروس الارتدادي مادته الجينية في الكائن القديم، قبل ٣٥٠ إلى ٤٠٠ مليون سنة، أدى هذا إلى تطور بروتين نسميه Arc. نحن الآن نعرف Arc ونعرف كيف يعمل. لكننا لم نكن نعرف قصته العجيبة الممتدة عبر هذه المئات من ملايين السنين.

فكيف عرفنا؟ 

فريق مشترك من جامعة أوتا وجامعة كوبنهاجن ومعامل MRC للبيولوجيا الجزيئية في المملكة المتحدة وضعوا هذا البروتين تحت الدراسة، وعرفنا ما خلصوا إليه بعد نشرهم النتيجة في جورنال Cell. لفت الباحثون نظرنا إلى وظيفة هامة يتميز بها الإنسان عن غيره، الذاكرة طويلة الأمد. “الجين Arc المرتبط بالجهاز العصبي ضروري لتخزين المعلومات التي تبقى لأمد طويل في الثدييات. وله علاقة أيضًا بالاختلالات في تطور نمو الأعصاب”.

مالهذا  والفيروسات؟

خلال الـ ١٥ عامًا الماضية، انكب جاسون شبرد، الأستاذ المساعد في البيولوجيا العصبية في جامعة أوتا، على دراسة هذا البروتين، وتولى قيادة الفريق البحثي. الميكروسكوبات الإلكترونية التي يستخدمونها في “البيولوجيا الجزيئية” مكنتهم من تتبع عمل هذا البروتين على مستوى دقيق للغاية. ومنها وجدوا أن سلوك Arc يشبه نفس السلوك الذي يتبعه فيروس HIV الارتدادي في جمع نفسه. يجب أن نتذكر هنا أن العنصر النشط في الفيروس ما هو إلا مادة جينية (بروتين).

فكرة أن Arc ضروري لتكوين الذاكرة طويلة الأمد معروفة من أبحاث سابقة. لكن هذه المرة الأولى التي يكتشف فيها فريق بحثي تشابه آلية عمله مع آلية عمل فيروس دخيل.

الفيروس ينتقل داخل جسمنا من خلية إلى أخرى داخل حويصلة أو كبسولة تحمل مادته الجينية. Arc يفعل الشيء نفسه.

البروتين هنا لا يتنقل بين الخلايا بالعدوى، بل يتنقل بين الخلايا العصبية حاملًا رسائل التواصل. يحول الذاكرة إلى مادة ملموسة. دراسة وجدت أن الفئران التي ليس لديها Arc لا تستطيع أن تتذكر ما حدث لها قبل ٢٤ ساعة.

يقول د. شبرد:

“ولجنا هذه الدراسة عارفين أن Arc يتمتع بخصائص مميزة في مختلف الجوانب. لكن حين اكتشفنا أن Arc قادر على تسهيل نقل RNA من خلية إلى خلية، وقعنا من طولنا.

“‬ليس هناك بروتين آخر نعرفه يعمل بهذه الطريقة”.

فريق الدراسة اختبر الفرضية معمليًا. Arc ينتج نسخًا متعددة من نفسه داخل الحويصلة التي تحمل mRNA. هذه عرفناها. أخذوا تلك الحويصلات ووضعوها في صحون اختبار مجهرية زرعوا فيها خلايا عصبية من فئران. وجدوا أن Arc ينقل الـ mRANA الخاص به من خلية إلى التالية. وكما يحدث في الفيروس، هناك شرارة تنشط عمله، يبدو هنا أن تنشيط خلية عصبية يمنحه شرارة الانطلاق تلك، فـ “يتكاثر” ويطلق مزيدًا من الحويصلات، ويبدأ تأثير الدومينو.

الدراسة مهمة في جانب آخر. حيث تغير الطريقة التي ننظر بها إلى عملية التطور. نتحدث عادة عن التحورات والطفرات العشوائية. لكن رؤية جديدة مثل تلك تقدم سيناريو أكثر مادية وتماسكًا، وتتابعًا محكمًا للمشاهد. جسيمات عضوية تقترض شفرات وراثية من أحدها الآخر، وهذا ما يصنع “الطفرة” البسيطة، ويمهد للتطور.

دراسات أخرى وجدت ظواهر مماثلة لكائنات غير الإنسان. دراسة حديثة اكتشفت نفس العمل التطوري عن طريق فيروس أصاب ذباب الفاكهة قبل ١٥٠ مليون سنة.

الفيروس الحارس

كم من مرة سمعت هذا التساؤل:

لماذا لا يهاجم جسم الأم الجنين باعتباره جسمًا غريبًا؟

الإجابة عند خبراء المناعة ستحدثك عن “مفاوضات” تضطلع فيها بعض خلايا الجهاز المناعي بدور، المثبط للجهاز، بدلًا من الوظيفة الطبيعية لخلايا الجهاز المناعي التي أكسبتها وصف “القتلة بالغريزة”. على مستوى البيولوجيا الجزيئية، هذا أيضًا له تفسير جيني. يتعلق بجينات نشطة في المشيمة تسمى cynsytins. اكتشفها باحثون أمريكيون في أوائل الألفية الثالثة. جين منها يصنع جزيئًا يدمج خلايا المشيمة الإنسانية معًا، لتكون غشاء خاصة من الأنسجة يسمى سنسيتيام.

والراجح أن هذا الجين جاء من فيروس ارتدادي. 

بعدها اكتشفوا جين سينسيتِن آخر، يشارك أيضًا في تكوين المشيمة، لكن وظيفته الأبرز منع الجهاز المناعي للأم من مهاجمة الجنين في رحمها.

هذا الجين هو الآخر يشبه فيروسًا ارتداديًا. 

جينا السينسيتِن المذكوران موجودان في الإنسان وغيره من الرئيسيات الكبيرة. ثدييات صغيرة قارضة، كالفئران، لديها جينًا سينسيتِن أيضًا، يؤديان نفس المهمة كالبشر، لكنهما يشبهان فيروسين مختلفين كليًا.

القطط والكلاب، المحبوبة لدى كثير منا، لديها جين سينسيتِن منحدر من نفس سلالة فيروس ارتدادي بغيض، كورونا.

من الواضح أن كل تلك الثدييات المذكورة سابقًا تعرضت قبل ملايين السنين لعدوى فيروسية، وأن تلك الفيروسات عششت في خريطتها الجينية لكي تلعب دورًا مهمًا في نمو المشيمة.

لكن هناك ثدييات أخرى غشاءها المشيمي لا يحمل جينات سينسيتِن منحدر من فيروسات، مثل الخيل والخنازير.

العميل المزدوج

في طفولتي في مصر كنا نلعب لعبة منتشرة في العالم بأسماء مختلفة. اللعبة تعتمد على التجمد في مكانك، بنفس تعبيراتك وجهك، ومواضع أطرافك، بمجرد أن تسمع كلمة “كهربا”.

ثم لا تتحرر إلا لو سمعت صيحة “شد الكبس” مترافقة مع لمسة من زميل، كأنه ضغط على “مفتاح تشغيلك” أو صار مفتاح تشغيلك.

هذه الصورة مفيدة لفهم آلية فرعية لعمل الجزيئات داخل أجسامنا.

قلنا إن الفيروسات ليست أكثر من تسلسلات للمادة الفعالة في الجينات. حين تدخل أجسامنا يحتاج لمن يطلق شرارة عملها، تحتاج إلى ضغطة على زر تشغيلها فتنشط وتصير معدية.

من يضغط على زر التشغيل؟

الفيروسات الداخلة للتو إلى أجسامنا تجتذب جزيئات موجودة داخلنا لكي تقوم مباشرة بهذا الدور.

يدخل الفيروس. ينطلق من جسمنا مركب جزيئي. هذا المركب يجعل الفيروس ينشط. فيصيبنا بالمرض.

الفيروسات الكامنة فينا، التي عششت في خريطتنا الجينية حتى صارت جزء منه تعمل بآلية مشابهة، ولكن لتقوم بغرض عكسي.

يدخل الفيروس “المهاجم” إلى جسمنا. ويعمل شغله العادي الذي نعرفه. ولكن. في تلك الأثناء تخرج مادة معينة يجتذبها الفيروس الأزلي الكامن في خريطتنا الجينية. يتثاءب بعد سبات عميق، يطس وجهه بشوية مياه، ينشط. لكن. لا ينشط لكي يهاجم. دا راجل كبر ومابقاش فيه حيل يدخل خناقات مع فيروسات شابة صغيرة.

ماذا يفعل؟

يقدم وشاية. يحفز جينًا آخر لكي يقاوم الفيروسات المهاجمة.

في هذه الحالة نسمي الفيروس الأزلي الكامن في جيناتنا “مشغل جينات”. حيث إنه لا يقوم بالمهمة بنفسه، بل يطلق صافرة شد الكبس لكي ينبه جينًا آخر نحتاجه في مقاومة الفيروس.

في ٢٠١٦، اكتشفت دراسة من جامعة أوتا Utah أن هناك فيروسًا ارتداديا أصاب أسلافنا منذ حوالي ٤٥ مليون إلى ٦٠ مليون سنة، وهو الآن كامن في الجينوم البشري.

حين يهاجم فيروس حديث الجسم البشري تطلق أجسامنا إشارة تحذير في صورة جزيء اسمه إنترفيرون. بمجرد أن يشعر الفيروس الارتدادي الأزلي الكامن في خريطتنا الجينية بالإنترفيرون يتحول فورا إلى مفتاح تشغيل.

يوقظ جينا اسمه AIM2، وهذا الجين يجبر الخلايا التي تعرضت للعدوى على تدمير نفسها، وذلك بغرض منع العدوى من الانتشار أكثر من هذا.

هذا يعني أن الفيروس الأزلي الكامن “ما هانش عليه العيش والملح”، وأنه تحول إلى عميل مزدوج. اعتبر نفسه مواطنًا في أجسادنا لا يرضى أن يغزوها غريب، حتى لو كان فيروسًا مثله. على الفور يبلغ السلطات المختصة التي تدمر الخلايا المصابة فتمنع الفيروسات المهاجمة من الاستمرار في العدوى.

الفيروسات الأزلية التي تعمل مشغلات جينات لا تعمل لحساب وزارة الدفاع فقط.. يمكن أن تعمل في مجال التجميل أيضًا!

ميك أب أرتيست

my prceious

من السهل لنا الآن أن نفرق بين الأنواع المختلفة من الكائنات في الفصيلة الواحدة. كأن نفرق بين الأسود والنمور، رغم أن كليهما من فصيلة القطط.

حين تفكر في الاختلافات تجد أنها ليست أكثر من تفاصيل ضئيلة متراكمة. اختلاف بسيط في شكل الفك. اختلاف بسيط في حجم الشعر. تتراكم هذه التغيرات لكي تصنع نوعين مختلفين من نفس الفصيلة.

لا يختلف الأمر حين نتحدث عن الإنسان والشمبانزي. 

نحن والشمبانزي، كما القطة والنمر والأسد، شبه متطابقين. نروى بماء جيني واحد، لكن ثمارنا مختلفة. والسبب؟ السبب هو مشغلات الجينات تلك.

السبب هو الفيروسات

بدراسة تركيب الدي إن أيه الخاص بمشغلات الخلايا التي تبني الوجه البشري وجد أيضًا أنها جاءت من الفيروسات. قفزت تسلسلاتها الجينية في خريطتنا الجينية ثم استقرت في أماكن منها، في وقت ما من رحلتنا التطورية، فصرنا الكائنات مسطحة الوجه، بينما الشمبانزي بتضاريس الوجه التي نعرفها 😛😛

لا يزال هناك مزيد من الـ 😛😛 للشمبانزي.

لدينا ولدى الشمبانزي جين اسمه PRODH موجود في منطقة الحصين أو hippocampus من مخ الإنسان.

هذا الجين نشط في مخ الإنسان، وشبه خامل في مخ الشمبانزي. والتفسير التطوري أن فيروسًا قديمًا في واحد من أسلافنا التي فنت، قبل ملايين السنين، قذف بنسخة من نفسه بالقرب من جين PRODH بينما لم يحدث هذا في أسلافنا من الرئيسيات التي تطورت لتصبح شمبانزي.

يعمل هذا الفيروس القديم، أو بكلام أوضح التسلسل الجيني الباقي منه، مشغلًا جينيًا. يصيح شد الكبس، لكي يشغل جين PRODH ويجعله نشطًا.

وماذا يفعل جين PRODH؟ 

يضبط عمل المخ. ما نعرفه أن الخطأ في هذا الجين له علاقة باضطرابات المخ لدى البشر.

كوابح أيضًا

فسر العلماء الطريقة التي استقرت بها فيروسات في تركيبتنا الجينية، وطريقة عملها.

لكن..

لماذا لا تعمل كلها؟

لماذا يظل بعضها خاملًا؟

ما هي “الآلية العكسية” التي تكبح بها أجسامنا هذه الجينات وتوقفها عند حدها إن أرادت؟

الكوابح الرئيسية المعروفة لدينا حتى الآن جزيئات اسمها KRAB Zinc Finger Proteins تقبض على التسلسلات الفيروسية في الجينوم، وتمنعها من التحرك عن أماكنها.

قد تتخيل أن هذا يعني ببساطة “حبس” التسلسلات الجينية الفيروسية غير المرغوب فيها، أو التخلص منها. لكن الأمر مركب أكثر من ذلك.

يمكنك أن تتخيلها كأنها “رئيس أنفار” يسخر العناصر الفيروسية في أجسامنا، بالتعطيل ورفع التعطيل، لتنفيذ ما نريد والحصول على أكبر قدر من التوافيق والتباديل.

أو، وهذا مثال أقرب إلى الحقيقة، تخيلها ميكانيكيًا، مثل كوابح تروس. حين تتحرك هذه الكوابح من موضع إلى موضع آخر تكون النتيجة تعطيل منظومة معينة من التروس وتشغيل أخرى. وبالتالي، تنفيذ مهام مختلفة. بتباديل وتوافيق.

الموضوع يشبه هندسة جينية طبيعية. تتحكم فيها أجسادنا في الجزء الذي تريد أن تكبحه من “المازورة الجينية” والجزء الذي تريد أن تطلقه. على حسب اختلاف الخلايا واختلاف المواقف.

لك أن تتخيلها كأنها أصابع على آلة موسيقية وترية. هذه الأصابع تثبت الوتر في مواضع معينة فتخرج نغمة معينة، فإن ثبتت مواضع أخرى أنتجت نغمة مختلفة. تخيل كم لحنًا أنتجنا من حركة الأصابع على سلم موسيقي ثماني. الآن تخيل كم التباديل والتوافيق التي يمكن إنتاجها من خريطة جينية مليونية، بنفس مفهوم التثبيت في مواضع مختلفة.

في السابق“، يقول بروفيسور ديدييه برونو من جامعة لوزان في سويسرا، “اعتبرت تلك الـ KRAB ZFPs قتلة للفيروسات الاتدرادية الكامنة“. لكن الحقيقة أن وظيفتها استغلال كل العناصر التي تسمح للعضو البشري بتجربة جميع الاحتمالات والتباديل الممكنة التي يحملها التسلسل الفيروسي.

يدعم هذه الفكرة عثورنا على أنواع مختلفة من KRAB ZFPs في خلايا مختلفة. والعثور على أنواع مختلفة منها في حيوانات مختلفة. لو كانت وظيفتها فقط كبح الفيروسات بطريقة محددة سلفًا لتشابهت في كل الخلايا. لكن وظيفتها أعقد من ذلك. فهي تلعب دورًا مهمًا في تنويع النشاط الجيني.

كل هذه التنويعات من “الجينات القافزة” تمنحنًا تنوعا وابتكار وثراء في الانتخاب الطبيعي كي نستمر.

 الأعدقاء

الطيب..

                       والشرير..

                                              والنافع

هل الفيروسات الموجودة داخل الدي إن إيه الخاص بنا أصدقاء أم أعداء؟

كده ينفع وكده ينفع. حسب د. باولو ميتا، الزميل في كلية طب نيويورك. 

أسميهم “أعدقاء”

“حين تنظر إلى تأثيرهم خلال حياة شخص واحد ففي الغالب سيكون التأثير سلبيًا”. يشرح د. ميتا الجانب من تأثير الفيروسات الارتدادية الكامنة حين يتعلق الأمر بالمدى القصير. “من الناحية الأخرى، حين تنظر إلى الموضوع عبر الزمن، فهذه العناصر قوة دافعة ذات شأن في التطور ولا تزال نشطة في النوع البشري وغيره إلى اليوم.

“التطور مجرد طريقة تستجيب بها الأعضاء للتغير في البيئة، وفي تلك الحالة فالفيروسات بلا شك أصدقاؤنا؛ لأنها شكلت الطريقة التي تعمل بها خريطتنا الجينية الآن”.

السؤال التالي: هل الفيروسات التي تصيبنا الآن، مثل الفيروس المسبب للأيدز، يمكن أن يكون لها تأثير على تطورنا في المستقبل؟

بالطبع. الإجابة هي لم لا؟” يقول د. ميتا. “لكن الأمر يحتاج أجيالًا عديدة لكي نستطيع النظر إلى الماضي ونقول إن تطورًا قد حدث”.

“لكن بإمكانك أن ترى في خريطتنا الجينية بقايا سباق التسلح الذي حدث في الماضي بين الخلايا المضيفة وبين الفيروسات الارتدادية. إنها معركة مستمرة، ولا أعتقد أنها ستتوقف أبداً”.

بعبارة “سباق التسلح” يشير د. ميتا إلى حقيقة أن الصراع بين الخلايا المضيفة والفيروسات ليس دائمًا صراعًا حاسمًا، يقضي فيه أحدهما على الآخر. بل في كثير من الأحيان “سباق تسلح” يقوي فيه كل طرف نفسه بمزيد من الأسلحة البيولوجية. مما يساهم في التطور.

للمشاركة لـ فيسبوك

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك