جاستين ترودو أطلق لحيته فقاطعت الشركات فيسبوك | خالد البري

جاستين ترودو أطلق لحيته فقاطعت الشركات فيسبوك | خالد البري

1 Jul 2020
خالد البري رئيس تحرير دقائق نت
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

تتمحور السياسة العالمية حاليًا حول فكرة هدم السلطة القائمة، تعجلًا لإقامة سلطة جديدة بقيم جديدة.

السلطة الجديدة ليست بالمعنى الثوري، فهذا صعب في دول راسخة ديمقراطيًا، وقد يأتي بنتيجة عكسية من خلال استنهاض مقاومة تجهض الفكرة الثورية.

واقعيا يمكن حيازة السلطة، رغم عدم امتلاك سلطة تنفيذية، عبر جناحين:

١- حيازة السلطة المعنوية.

وهي ليست سلطة تافهة ولا اعتبارية كما قد يبدو من لفظة “المعنوية”. السلطة المعنوية تعني السلطة الأخلاقية. وتعني السلطة على أفكارك. كيف تتصرف، ما المقبول وما الممنوع. ما المستحب وما المحرم.

لاحظوا هنا أنني انتقلت بالألفاظ درجة درجة من الألفاظ العالمانية المعتادة في الخطاب السياسي، إلى الألفاظ الدينية.

ذلك أن السلطة المعنوية الجديدة، في واقع الأمر دين جديد، قلت ذلك في مقال سابق، دين جديد وإن لم يكن سماويًا، ولكنه دين. الاختلاف فيه مسموح تحت سقف معين يحدده أصحاب السلطة الجديدة.

من أجل حيازة هذه السلطة لا بد من السيطرة على التعليم، وعلى الإعلام. على مصانع إنتاج “الخطاب” والأفكار.

هنا ننتقل إلى الجناح الثاني

٢- حيازة السلطة المادية الكافية لفرض السلطة المعنوية. أي سلطة الشركات.

يشيع بين الناس أن للأفكار أجنحة لا يمكن القضاء عليها. تاريخ مصر القديم الذي تحول إلى روايات مضحكة ريأكتد هاهاهاها. إخوان الصفا ريأكتد هاهاهاها. وكثيرون عبر التاريخ اندثرت أفكارهم تماما فلم نعلم بهم أساسا ولا نعرف كيف كان الريأكشن .. ربما دموع أو ضحك هستيري.

إعادة نشر بعض الأفكار المقموعة وإحياؤها لا ينفى ما قلته. فهذا يحدث لأن سلطة ما تغيرت فنفضت التراب عن الدفين. الكشف الأثري يحتاج إلى أموال لإتمامه. الكتاب يحتاج إلى أموال للبحث والإعداد، وأموال للطباعة، وأموال للتسويق. وهكذا الصحيفة. وهكذا المعهد الأكاديمي. وهكذا الإعلان التليفزيوني. والفيلم.

ميزانية التعليم ضخمة للغاية بحيث تصر أنظمة التوجيه على سحبها تمويلها من أموال الجميع، من يريد أن يتعلم تعليما جامعيا ومن لا يريد. من سامي الذي يرى نفسه وسيما في ربطة عنق محاضرا أمام الأجيال الجدية، ومن سليمان الذي يريد أن يعمل نجارا أو سباكا.

عرق أزرق يكاد ينفجر في أعناق “اليساريين” وهم يتحدثون عن وجوب “مجانية التعليم” في كل مراحله. لماذا؟ لأنهم يريدون لهذه الماكينة التوجيهية المروضة لعقول البشر أن تستمر. وفي نفس الوقت لا يريدون لها الاعتماد فقط على أموال من يختار الاستمرار فيها. في بعض الدول يمتد هذا التمويل إلى سلطة الإعلام أيضا. لكن ليس في الولايات المتحدة.

هنا ظهرت سلطة الشركات. رئيس أمازون، جيف بيزوس، يمتلك أيضا صحيفة واشنطن بوست، ويمتلك تويتش، سوشال ميديا. بخلاف امتلاكه لأمازون التي بدأت متجرا للكتب، وامتلاكه لأوديبل، خدمة قراءة الكتب الصوتية الأكثر انتشارا في العالم. تخيلوا حجم التأثير الذي يملكه هذا الشخص! تخيلوا حجم السلطة المادية المحققة للسلطة المعنوية؟!

وهو مجرد مثال واحد. الترابطات بين الشركات كمصدر للسلطة المادية، وبين وسائل الإعلام كمصدر للسلطة المعنوية، مهول. والأنكى أن بديله أسوأ منه، وهو سيطرة السلطة التنفيذية على التوجيه الفكري.

في عالم الماديات تقضي قوانين منع الاحتكار، وضمان التنافسية، على مثل هذه الخطورة. لا تستطيع شركة الخطوط الجوية البريطانية أن تتفق مع شركة فيرجين للطيران على أسعار التذاكر. ولو فعلتا ستكون العقوبة ضخمة. كما حدث بالفعل.

لكن ليس هناك قوانين مشابهة في عالم “المعنويات”.

   طريق السلطة.. قتل الذكر 

في الانتخابات السابقة هرب دونالد ترامب من سيطرة اتجاه الصوابية السياسية على الصحف والإعلام المينستريم باللجوء إلى السوشال ميديا. الآن، قبل أربعة أشهر من الانتخابات تحالف عليه التيار السياسي ليمنعوه ويمنعوا مؤيديه من استخدام السوشال ميديا بحرياتهم.

كيف؟ عن طريق الصوابية السياسية.

صنفوا خطاب ترامب على أنه “خطاب كراهية”. وبدأ تويتر اللعبة وذيل تغريدات صاحب أعلى سلطة تنفيذية في العالم بتحذيرات. ومنع متابعيه من الريتويت.

وفيسبوك عين “مجلس رقابة أعلى” لمراقبة المحتوى، أشخاصه ينتمون إلى نفس التيار المسيطر على الصوابية السياسية. لكنهم لم يعتبروا هذا كافيا، فسحبت الشركات العالمية الكبرى الدعاية من فيسبوك، لخنقه ماديا حتى يمتثل كغيره ويمنع بوستات ترامب. وربما تنجح في مسعاها.

موقع ريديت أيضا أزال منتدى لأنصار ترامب.

موقع تويتش المملوك لجيف بيزوس سار على نفس المنوال.

كل هذا تحت شعار “مكافحة خطاب الكراهية”. الحكم ليس القانون وما يجرم. الحكم هو السلطة المعنوية المدعومة بالشركات.

لم يعد مسموحا لدين سوى دين الصوابية السياسية أن يعبر عن نفسه، أو أن يتخطى حدودا معينة في التعبير عن نفسه. لا بد أن نسير جميعا على نهج نتفليكس وأمازون وأبل، وعلى معيارهم القيمي. ما تسمح به نتفليكس مسموح. ما تحبه مستحب. ما تبغضه مذموم. نسينا نفسنا ولا إيه!!

طيب وما علاقة هذا بلحية جوستين ترودو؟

الشركات تريد أن تدير العالم من خلف ستار. العائق الأكبر أمامها سيكون سلطة تنفيذية لا تخضع لسلطتها المعنوية، ومباحاتها ومحرماتها. بل يريدون دوما سلطة تنفيذية محدودة الصلاحيات. أذكركم بأني لا أريد سلطة تنفيذية مطلقة الصلاحيات. لكنني هنا أتحدث عن الوجه المتطرف المقابل، وهو سلطة تنفيذية “كعروسة الماريونيت”.

سلطة تنفيذية ضعيفة للغاية.

سألبس الآن رداء التحليل النفسي، وأحاول ربط خيوط أفكار تبدو متناثرة، وإيجاد عنصر مشترك بين تيارات وأفكار يبدو أن لا صلة بينها.

سأتقمص بالتحديد صوتا فرويديا وأقول إن الهدف المشترك بين تلك التيارات والأفكار قتل الذكر، أو إخصاؤه. بما ترمز له الذكورة من قوة، ومن سلطة اجتماعية وقبلية وسياسية.

وهو غرض بدأ منذ عقود في الأكاديميا والإعلام، أحيانًا تحت شعار الدفاع عن النساء، وهي مهمة نبيلة، ولا سيما في مجتمعات تقمعهن، لكنه تطور بعد ذلك إلى تشويه الذكورة، وإقرانها بكل صفة سلبية مذمومة.. وصولًا إلى الشعار الجامع لتلك الأفكار الكارهة للذكورة.. “الذكورة المسمومة”.

   قاتلوهم بالإخصاء النفسي 

ليس ممكنًا التخلص من الذكور فعليًا وإقامة العالم السعيد الخالي منهم. لكن من الممكن إخصاء الذكورة نفسيًا.

الاشتراكيون يقتلون روح المنافسة الذكورية.

التعليم والإعلام يعاندان الفروق البيولوجية بأساطير تشبه الأساطير الدينية منزوعة العلاقة بالمعرفة. الإعلام يلاحق كل سياسي لا ينتمي إلى تيار الصوابية باتهامات التحرش (ويصمت عنها تماما إن كان منهم).

القوانين تفترض أن الذكر عنيف أو متحرش أو مغتصب، بمجرد الاتهام، ويظل كذلك حتى تثبت براءته، على عكس القاعدة القانونية. أحتاج إلى التأكيد هنا على أن كل من يجرم يجب أن يعاقب. وعلى أن فكرتي – أظن – واضحة.

المهم سياسيًا وثقافيًا واجتماعيا أن كل هذا يصب في النهاية في صالح خلق الذكر منزوع الذكورة. وتحويل “الذكر الناعم”، القريب بقدر الإمكان من الصورة الشائعة للأنثى، إلى الصورة المثلى للذكورة.

ولا أوضح مثلًا على هذا من جاستين ترودو. الصورة المثالية للذكر المثالي، وللسلطة التنفيذية المثالية أيضًا، في عصر سيطرة قوى السيطرة المعنوية. وحربها على السلطات التنفيذية.

   الموضة تتغير.. استرجل 

لكن الترند لن يبقى إلى الأبد. والمجتمعات عبرت عن رفضها لهذا التطرف الكاره للذكورة. قلعته في الأكاديميا الغربية خرجت منها أصوات تتحدى الدين الجديد وتفنده. وواجهت أحكام “الطرد من الديانة” أو ما صار يعرف بثقافة إلغاء الأفراد بشجاعة.

وفي المجال السياسي، صُدمت قوى السيطرة المعنوية الكارهة للذكورة بانتصارات تيارات رافضة لها.

 ربما كرد فعل نفسي تلقائي، وربما بناء على نصيحة تسويقية، اختار جاستين ترودو أن يستخدم العلامة الجنسية الثانوية، شعر اللحية، الذي يلجأ إليه الذكور لتعزيز الانطباع الذكوري. لأن الموضة تتغير. كأنها، بالبلدي، يسترجل.

جوستين ترودو يراقب بلا شك وصول سلطة الشركات حاليا إلى ليفل الوحش في منازلة السلطة التنفيذية. يراقب مواجهتها مع ترامب. الأيام وحدها ستنبئنا هل يظل محتفظا بلحيته، أم تعود الموضة إلى الوجه الطفولي الناعم.

PS

معارضة وصم الذكورة وصمًا سلبيًا لا تعني أبدًا الموافقة على فريق أخرى يبرر جرائمه باسم الذكورة، يبرر كرهه للمرأة ومطاردته للمختلفين في التوجهات الجنسية باسم الذكورة. إنما يعني أن المشكلة الحقيقة ليست الذكورة، بل غياب الذكورة بقيمها  الإيجابية. المكافحة، التنافسية، الحامية، منكرة الذات، الصلبة، الثابتة في وجه المحن، وذات العزم.
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك